عـُيُونُ زَيْنَـب

 

جُمعَة اللاّمــي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نَشيدُ أنْشادِ الأناشيدِ

 الَّذي لِلفَقيرِ السَّعيدِ

حِكْمَة الشَّاميّ

 

 

 

سَتَخْفِقُ الرَّايةُ الحَمْراءُ عَلى  سَنامِ القُبَّةِ الذَهَبيَّةِ

 

 

 

 

أُناديكِ باسْمِكِ

أنتِ ميسان ونوش،

انت الحرية !

 

 

قَبلَ أن يتنفّس العَدَمُ ،

وقبلَ أن يُشرق نُورُ النّور على نُور ذاتِهِ السنيّة،

سَمعْتُ الشِّعرُ يَنطقُ  بِلسانِ حَالِي :

" أنا مَجنُونكِ الاخير ".

 

وَلَيتَني، سَيِّدتي، ومُنى رُوحي، وَدُنياي.  

يا مَبْعثي بَعْدَ مَماتي،

كُنتُ نقطة “باء” اسْمكِ، وسكونَ “يائِه” ودَورةَ الأفلاكِ في “نونه”.

 

وَلَيتَني .... !.

لكنّني الآن، على مَسافةِ نَبضةِ قلبٍ معنّى من صَمتها النّاطقِ، وَوحْدتها الآسِرة،

 وَعُزلتها الفاتنة، وحُزنها الأبيد،  

أحمِلُ رَأْسي على راحتيَّ، وأهتفُ صامتاً:

ـ زَيْنَبْ.

 

 نافَسني في هَواكِ العُشاقُ المَعاميدُ،

 وتبارى مَعي لِنَيلِ رِضاكِ، مُلوكُ المَخابيل،

فَلمْ أحْفلْ، ولمْ ألنْ. ولمْ أعِرْ سَمعاً لكواسِر المَجرّاتِ، وصراخ المُسوخ،

وتقدمتُ إليكِ،

 إلى حَيثُ انتِ، عِندَ بابِ الأنوارِ،

بِجوارِ الكُرْسيِّ،

 عِندَ خَشَبَتِي الرَّاعِفَةِ،

وقلبي يَعلو صُراخه:

ـ زَيْنَب، أنا مَجنونكِ الأخير.

 

أهُوَ حُلْمٌ، أمْ سِحرُ حَرْفى .... “كُن”؟

ثم كنتُ، زَيْنَب،

 سَيِّدتي،

الرَّضيعَ الذي شاخَ في مَهْدِهِ،

و”الحاءَ” و”الباءَ” قبْلَ أن ينطق بهما جِنّيٌّ، أو إنسيٌّ،

 وأنا يَلفّني قِماطي، عندما ألقَتْ بي مُدبِّرةُ المنزل عِندَ سُورِ المدرسةِ،

 فدُرْتُ مع “النُّون”، لتدورَ معي الأكوانُ، هاتفةً:

 ـ زَينَب.

 

ويومَ ألقوا بي في الجُّبّ،

يومَ حَفّوا حاجبيّ، وألبسوني تلك الأسْمالِ الحُمْرِ،

يومَ أراد الجلاّدُ تَعصيب قلبي،

يومَ وَقفَ المُلَقِّنُ بين عَينَي فِعْلِ “كُن”،

يومَ بُعِثَ مَنْ في القبورِ،

يومَ نادى المُنادي: مَنْ عاشِقٌ غَيري في مُلْكي؟

خِلْتُ أني المُنادي والمُنادى

 

وها أنا، دَورة الحبِّ في مِحبسكِ،

أنا مِحبسُكِ،

وأنتِ، أنتِ، وَكَفَى

وَكَفَى بِي عاشِقاً،

أوْ نائحِاً،

 

وَحَسْبي أنْ أكونَ، زِيْنَب،

إذْ أقفُ الآن،

 بَيْنَ “الزّاي” و”الياءِ” أو بَيْنَ “النُّونِ” و”الباءِ”

مَجنونكِ الأخير.

وشرفي الشخصي ان أنادي عليك

أنتِ زينب ،

وأنتِ الحرية .

 

 

 

1

مَاجِي العَجُوز

 

استويتُ، الآن، خَلْقاً آخر.

في عمق المرآة، داخل حجرتي التي تشبه جسد ناي،

 رأيتني لا أشبه إلا نَفسِي، ولا يشبهني أحدٌ: حلقتُ شعر رأسي، وأتيتُ على ما فوق وجهي من شعر، حتى شعيرات حاجبيّ حففتها، ثم دهنت وجهي بمرهم طبي، وركبتُ نظارة بزجاجتين مقعرتين فوق أرنبة أنفي. وارتديت ملابس خلقة، كنتُ احتفظ بها لهذا اليوم.

تماديتُ في إعادة تشكيل هيئتي:

من الأفضل أن أعيد تشكيل داخلي. تناولت الابرة الرفيعة، والخيط الرفيع يمرّ من سمّها ً، وابتدأت بتمريرها من زاوية شفتي العليا، من اليمين، لتخترق الشفة السفلى من اليمين. أعدت تكرار هذه العملية المسلّية، حتى تطابقت الشفتان تماماً.

تطابق المظهر والجوهر،إذنً : هكذا ساررت نفسي. وغادرت غرفتي.

سائراً في الشارع الضيّق غير المزدحم في هذه الساعة (كان الوقت منتصف النهار) واجهتني زوجتي فلم تعرفني . سمعتها :

ـ مجنون آخر.

 وعلى بعد خطوات من نهاية الشارع، حيث الساحة المتربة التي تحولت إلى مرآب للمطايا والمركوبات، وجدت نفسي بين فريق كرة قدم شكّله صبية جيراننا. كان ابني الأصغر بينهم. أمسك بحصاة صغيرة، ربما بحجم قلبه، ورمى بها نحوي مناديا : "مجنون.. ما عنده عيون".

 وأخذ الصبية يدورون حولي، وابني الأصغر بينهم. لم يعرفوني،

 حتى ابني الأصغر لم يتعرف إليَّ .

هذا فأل حسن.

إلى أين أعطي وجهي؟

مشيتُ، كما لو انني كنت اتثاءب، باتجاه "مطعم الحب الأبدي".

 قلت: إذا كان مزدحماً بالناس، في مثل هذه الساعة من كل يوم، فسوف أضيع بين روّاده. أحببتُ الفكرة. دخلتُ المطعم، وجلستُ إلى طاولتي المفضلة، عند الزاوية اليمنى القصوى من المكان المربع الشكل، التي تتيح لي رؤية الجدار فقط . كان من بين عادتي أن أواجه الناس، من دون أي اعلان ،  كما أن "ماجي العجوز" صاحبة المطعم، تفرِدُ لي كرسياً واحداً.

جلستُ إلى طاولتي المفضلة، فوجدت كرسياً آخر يقابل مجلسي.

أطلّت عليّ "ماجي العجوز" مثل قطة حبلى تستريح فوق سيارة في مرآب مهجور، وقالت :

ـ طلباتك!

رفعت إليها رأسي، فشاهدت القطة الصغيرة ذات العينين الزرقاوين قد شاخت. كان شعرها كلّي البياض، وفمها أدردٌ، وأرنبة أنفها حمراء.

 لماذا تغيرت ماجي؟

ـ تفضل. هذا مقهى وليس مطعماً.

ـ أريد كأس ماء، وصندوق الشطرنج.

كنتُ أتحدث إلى ماجي بصوت عالٍ، بعلو صمتي رغم انطباق شفتيّ على بعضهما. بيد أني رأيت ماجي العجوز، تقول بصوت مرتفع : "هذا مجنون آخر". وأسرعت نحو باب المطعم .

ـ شمعون ، تعال يا شمعون ، هذا مجنون اخر .

هذا هو ، اذن ، بار جاردينيا . جاردينيا  : حيث كنت أنام هنا ، وأصحو هنا . حيث تشكلت الخلية الأولى في تنظيم الجنود والضباط في معسكر الحبانية .

 جاردينيا، حيث العريف على صحن الطاهر الموسوي، ونائب الضابط جمعة عيسى ، والعريف ماتيلدا رحيم، والجندي جمعة شيشة، والجندي محمود عبدالكريم، والعريف عباس خلف، والعريف جمال مولود، والملازم محمد منير كشمولة.

جاردينيا:  حيث كان نائب الضابط جمعة اللامي، مسؤولاً عن معسكر الحبانية، بعدما ودع رفاق دربه: عبد جاسم الساعدي، صباح حسين ، فياض موزان ، وخضير اللامي ، وهو يقول لهم : تعالوا الى "الخط العسكري" ،

لنذهب الى الثورة ، لندفع محمداً نحو الجبل .

آه ، جاردينيا ،

يا زمن البطولة ، وشباب ماجي ..

كان التنظيم ينمو بسرعة وهدوء وصمت ، وكان اللامي يضع الخطة تلو الاخرى ، حتى فاجأ يوسف سالم اسطيفانا ذا ت يوم من شهر ايار سنة 1961

ـ يارفيق ابو داوود ، هذه خطة احتلال المعسكر .

ـ احتلال ؟

ـ نعم ، السنا نعد للثورة ؟ الم نتكلم في بداية تشكيل التنظيم عن حلمنا هذا ؟

صفن ابو داوود قليلا ، ثم ابتسم في وجه اللامي :

ـ حسنا ، سوف اتسلمها ، ايها الرفيق .

شعر اللامي بزهو . وكان ذلك اليوم يوازي شعوره بالزهو حين استقبله ذلك الرجل البدوي ، الذي عرفه فيما بعد باسمه الكامل : علي حسين الرشيد التكريتي ، في مطعم ماجي العجوز ، في الحي المدني بمعسكر الحبانية ، واخبره : "سوف تتسلم تنظيما كبيرا برجل واحد ، اسمه : علي صحن" .

ثم قال بعد برهة :

ـ انه المسؤول عن سرية مستودع الاسلحة بالمعسكر .

وفي بيت العريف علي صحن ، في حي العمال بمعسكر الحبانية ، كان اللقاء الاول بين الشاب جمعة اللامي ، وهذا العريف الذي كان في عمر اخيه الاكبر .

قال العريف : زوجتي ، العلوية ، تريد السلام عليك .

احنيت راسي الى الارض ، وسمعت صوتا نسويا هادئا:

ـ السلام عليكم .

لم ارفع رأسي ، وقلت :

ـ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .

بقيت صامتا ، حتى نبهني رفيقي العريف :

ـ طِلْعَتْ العِلْوِيّة .

رفع رأسه نحو رفيقه :

ـ بارك الله بها وبك .

قال العريف : تعلمت منك ، ان نحرر انفسنا وعوائلنا ، فبل ان نتحدث عن تحرير العالم .

ومنذ ذلك اليوم ، اعرف اختي ام حسين ، زينب ، من صوتها فقط .

 

لكن ماجي العزيزة لم تتعرف عليّ ، ( قال علي حسين الرشيد التكريتي : " لمّونا واحدا واحدا ، المكتب السياسي ، اللجنة المركزية ، قيادة الخط العسكري . وكان برفقة سيارات الحرس القومي ، رجل ملثم بكوفية مرعز . قالوا له : نضمن حياتك ، مقابل سلام عادل" ـ وكان الرشيد ، الذي عرفته قبل ذلك باسم : ابو نوال ، ينتحب . تلك كانت لحظة طويلة ، بل طويلة جدا ، رغم انها لم تستمر سوى لحظات ، فلقد كان ابو نوال يعترف امامي ايضا : "عرفنا انك اوقفت الاعترافات . كان سلام عادل يسأل عنك ، وحملني رسالة منه اليك بخط يده " .

قلت : الرفيق ابو داوود سلمها لأمي

ـ وعرفنا بموقفك ، خصوصا عندما دافعت عن شعبنا ولقبك الحزبي .

اختنقت بعبرتي ، وقلت : انت تعرفني ، يا والدي ..... )

... ولم تعرفني ماجي ، ومع ذلك فهذا فأل حسن.

تحرك الكرسي الذي يواجهني، وأحدث صوتاً يشبه خرير ماء. لم يكن ثمّة أحد يجلس فوقه، لكنني سمعتُ أنّة خافتة تشبه صوت انسياب ماء ضحل في جدول صغير.

واجهتُ الجدار ، فتحرك الفراغ على الكرسي الذي يقابلني، وسمعتُ الفراغَ يئِنُّ .

عبر الجدار الكونكريتي الصلد، المطلي بطلاء أسود، رأيتُ حركة السابلة: ثمة امرأة مغطاة بثياب سود. شاب ضامر يقود امرأة حبلى .الجرو الصغير الأجرب ذو العين الواحدة الذي لا يتذكر أهل الحارة متى وفد عليهم . صبية فريق كرة القدم يتحلقون حول رجل ما. ويرددون:

ـ مجنون.. ما عنده عيون!

كنت هنا ،  في المطعم، في الحارة ، و... (( في وكر الطائرات  أيضا ، كان الملازم صادق العزاوي يضحك شبه مخمور : لماذا لا تعترف ؟

تذكرتُ ذلك المشهد الذي لم يفارقني في طفولتي : الامام الحسين مليء بالجراح ، فوق رمل كربلاء ، والشمْر العربي ، يتهيأ لفصل رقبته عن بقية جسده ( سمعت بهذه القصة من افواه الرواة آلاف المرات ، ورايت والدي يبكي حد الموت في حسينية السبط ، وهو يستمع الى الحكاية بصوت السيد القزويني . بيد انني عرفتها بنفسي حين رايته في منامي يقول لي : تِدْ قدمكَ ، وهَبْ لله جُمجمتكَ ) ...

... ولم يكن لدي اي شيء يقال . اعرف هذا الشاب ، بنجمتيه اللامعنين على كتفيهً ، وذلك الولع بالمقامرات .

ـ : ماذا فعلت بنفسك ، نديم ؟

انتبه اليّ فجأة ، كأنما عرف الان ، انني ادخل الى آخر مخدة في ذاكرته.

قال : انا الملازم صادق العزاوي.

ـ : لا ، انت نديم .

ـ من هونديم ؟

قلت : اسمك الحزبي .

بهت الضعيف . استغرق فيّ يكليّته ، ثم نادى عليّ صامتا : " إذن، أنت تعرفني ؟ "

ـ : " نعم ، هذا هو اسمك الحزبي "

انتفض صادق العزاوي، الرجل الذي بلا نجوم على كتفيه الان ، الرجل الذي كان يمكن ان يكون صاحب الطلعة الاولى نحو وزارة الدفاع، ولكنه في اللحظة الحاسمة، قرر ان ينضم لزملائه الضباط الذين اختاروا مواقف اخرى غير تقاليد " فوج موسى الكاظم " .

ورأيته ، الان ، عارياً تماماً .

كان بغطي جسده بمعطف اسود ثقيل، فوق طوابق من أردية صوف . كان الطقس باردا في ذلك اليوم الذي قررت فيه ان اجعل نفسي فيه موضع اختبار .

قلت للملازم محمد منير : غدا ـ وكان اليوم ميسا ـ عندما يبدأ الضباط بمغادرة مكاتبهم لتمضية اجازة نهاية الاسبوع خارج المعسكر ، سنكون نحن  القيادة هنا .

قال الملازم : نعم ، ايها الرفيق .

اكملت فكرتي :سندفع بشاحنات " الزيل " إلى مدرجات الطائرات .

قال الملازم : نعم ، ولن تقلع اي طائرة .

ايقن الرفيق محمد منير ، أنه أمام فكرة دقيقة ، فعاد يسأل : واللواء الثامن ؟

ـ تحت سيطرتنا الكاملة .

ابتسم الملازم ، ثم اكمل : جيد ، هذا جيد أيها الرفيق .

ثم انطلق صوته واثقا : لا أثق بالملازم منذر الونداوي .

قلت : جمال ، الرفيق العريف جمال مولود ، سوف يتدبر الأمر ، إنها مسؤوليته ، وهو يعرفها جيداً .

قال محمد منير : لا ينبغي أن يقترب الملازم منذر الونداوي من طائرته.

قلت : إنه يحب طائرته الميغ ، وهو مخلص لخياره

ندت عن الرفيق الملازم ضحكة خفيفة .. و )) . ..

 

... وشعرتُ أني أبتسم.

 وابتسم صمتي لابتسامتي، بينما كان صوتي يتجول في صدري:

 

كسري لا يجبره إلاّ لطفك وحنانك/

 وفقري لا يغنيه إلاّ عطفك وإحسانك/

 وروعتي لا يسكنها إلا أمانك

/ وذلتي لا يعزّها إلا سلطانك/

/ وامنيتي لا يبلّغنيها إلا فضلك/

/ وخلّتي لا يسدّها إلا طولك/

/ وحاجتي لا يقضيها غيرك

/وكربي لا يفرّجه إلا رحمتك/

/ وضرّي لا يكشفه غير رحمتك/

/ وغلّتي لا يبرّدها إلا وصلك/

/ ولوعتي لا يطفيها إلا لقاؤك/

/ وشوقي إليك لا يبلّه إلا النظر إلى وجهك/

/ وقراري لا يقرّ دون دنوّي منك.

 

دَنَوْتُ كثيراً مِنّي، حتى لقد رأيتني أتعددُ من دون صفر، وأتمددُ بلا هيئة، وتتحدث بدلاً مني أحجار الحائط، وتغرّد خوابي قلبي، وتدمع عيناي بلا بكاء، ويتحدث صمتي إليّ. ( تعال الي ايها الحبيب ، تعال لنعقد مجلسا للمساءلة، وموسما للعياط : من اغتال الثورة ؟ من سلمني الى استخبارات عبدالكريم قاسم ؟ من حفّ حاجبيّ في وكر الطائرات ؟ من ؟  من ؟

من ينسى وكر الطائرات ، يا ابن زهرة المشكور؟  )

 

ورويداً.. رويداً، أحسست بكفّ تربتُ على كتفي اليمنى. كانت ماجي العجوز تطل عليّ من علٍ، مثل قطة البيت الأليفة. قالت:

ـ أرجوك.. غادر المطعم.

رأيت الفراغ على الكرسي الذي يواجهني يتحرك، ولمست خرير الماء، ثم اني سمعت الأنّة الخافتة.. تقول:

ـ أرجوك.. غنّ.

كانت نفسي تحدث نفسي. وعبر الجدار الصلد، رأيت صبية فريق كرة القدم يتحلقون حول رجل ما، ويصرخون:

ـ "مجنون.. ما عنده عيون ".

جاءني صوت الفراغ مرة أخرى:

ـ"بمعزّة عيوني عندك.. .. غنّ"

 

أمسكت بكتف الفراغ اليمنى بكفي اليسرى، وكان قلبي يرتجف، مثل شفة امرأة حبلى لحظة الطلق:

يا لزاء.. يا لياء/ يا لنون.. وأنت يا لباء/

 يا أصل الماء/ يا نجوى السماء/

 هبني قداسة "الكاف" ودورة "النون"/

 لأحتمل هذا العناء.

 

التي أحبها.. لم أرها ولم تلمسني/

التي تحبني.. لم ترني ولم ألمسها/

 فمبارك ـ يا مجنون ـ هذا الحب/ الذي يقود الفناء إلى الفناء.

 

يناديك بيت في ميسان/ أو عريش في الهور/

يفتديك بيت في الكحلاء/ أو كهف في باكِسّايا/

 يتضرع إليك قصر الرمل في الطيِّب/ أو سِكيكٌ في أمْ عَيْن

ما أشدّ تلفي:

وُلدتُ، فمتّ، فبُعثتُ/ بين أينٍ وأينْ/

قلبك ، وزاوية في في شارع المَعارِف .

 

***

 

تناوشني الفراغ وجذبني إليه، فشممتُ عطر زينب. عندها ما عاد الصمت يجدي، وما عادت المعالنة في حاجة إلى إذن.

 بأصابع كفي اليمنى أطلقت سراح شفاهي، وكسرت أسيجة قلبي :

منذ خمس عشرة سنة، صافحتك

منذ خمس عشرة سنة، نسيت كفي اليمنى في باطن كفك اليمنى

منذ خمس عشرة سنة

نسيتُ نفسي ....

 فيك .

 

 

 

2

تاجُ الفَراغ

 

بعد وقت قليل من طلوع ضياء الكوكب الثاني عشر، تجلس السيِّدة الى طاولة في بيتها المطلّ على البحر. امرأة استأذنتها الكهولة لتدعوها الى فنجان قهوة. وعند الساحل، وهاهي الآن تراهم ـ ثمة أطفال، ثلاثة أطفال، يبنون منازل على الرمل.

بي رغبة في اللعب معهم، وقربتْ فنجان القهوة الى شفتيها، وتذكَّرتْ ما قالهُ الليلة البارحة:

لا طريق إليكِ سالكاً.

في كل زاوية مخفر، وعند كُلِّ قنطرة سَريّة.

عندما نادى منادوهم، في الأسواق ومن فوق أسنّة المنائر: "امنعوا المجنون من دخول حيّ زينب "، أسْرتْ بي الريح إليك.

افتكرت مع نفسها: "منذ قرون سحيقة وأنا أبحث عنك ".

غادرت غرفتها المطلة على البحر، باتجاه الشرفة التي تجعلها في مواجهة البحر تماماً. كان فنجان القهوة، في الغرفة الأخرى يرقد ساكتاً فوق المنضدة. وعند الساحل، في مواجهتها، كان الأطفال الثلاثة، قد غمروا نصف أجسادهم في الماء، وبقيت رؤوسهم على اليابسة، وكانت أعينهم تطارد أحلاماً صغيرة.

وكانت أحلامها الصغيرة، قد تجمعت في حلم صغير، حلم صغير واحد لا غير: تقربه الى صدرها، تقبله من جبهته، مثلما تفعل الأم النفساء مع رضيعها البكر.

عرفته ولم تقابله، وأحبته من دون إعلان.

جلست على الكرسي الصغير، واستمرت تنظر إلى الأطفال الثلاثة. وفي النقطة القصيَّة، في عمق الأفق، شافته يرفع يده اليمنى، ويتوجه إليها منادياً:

 

أنتِ الطريق والطريقة

وكلانا روح الفراغ

 

ثم رأته طالعاً، كما كرة برتقالية، معطياً قفاه للأفق، ووجهه يتقدم نحوها. مدّت ذراعها اليمنى نحوه، حتى ناشته، وقربت رأسه الى صدرها، وقبلته في ما بين عينيه.

ـ كنت أنتظرك.

ـ نحن سلاطين الانتظار.

رأته، الآن، في هيئته الكاملة رجلاً جاوز الخمسين من عمره، تستر جسده الناحل دشداشة بيضاء، كما لو أنها كفن، ينظر إليها وظهره الى البحر وسور الشرفة.

كان الأطفال الثلاثة، خلفهما في هذه الآونة يطاردون طائراً بحرياً، قذفت به الأمواج إليهم. طائر أسود اللون. كان أحد جناحيه مكسوراً.

أحسّت بقلبها ينكسر. كانت تعرف أنها تحلم، فلم يكن مجنونها معها الآن، ولا هي معه أيضاً، بيد أنها لا تملك سوى هذه النعمة : الحلم والانتظار.

 

حلمت بك قبل أن أعرفك،

وعندما دعوتك الى صدري،

ذبت في الفراغ،

أنت الفراغ، وأنا روح الطريقة.

 

وأمامها، عند الأفق، كان رجل جاوز الخمسين وامرأة في سن الكهولة، يدخلان حلماً راود الأطفال الثلاثة : على الشرفة التي تقابلهم، كان الرجل الخمسيني، يهبط الى حيث قدمي امرأة في سن الكهولة، ويقبلهما.

رفعت رأسه، بكفيّها، وأَدنته الى وجهها.

للتو، أدركت أنها تشيل الفراغ وتدنيه الى وجهها، ثم رأت البحر يقترب من شرفتها. ومثل جرو صغير يتشمم حلمة ثدي أمه، شَخَصَ البحر أمامها، رجلاً تجاوز الخمسين، وقدم لها زهرة.

ها هي في الحلم مرة أخرى. لا فكاك لها من الحلم.

 إنها الآن على الشرفة وحدها، فلا البحر كان بحراً، ولا الرجل الخمسيني كائناً بشرياً. وحدهم الأطفال الثلاثة عند الشاطىء، كانوا الوجود الوحيد المتحقق.

عادت الى غرفتها. كان فنجان القهوة، لا يزال فوق المنضدة، وحيداً وصامتاً، فيما الغرفة تضج بأصوات الصمت :

ــ  مذا يحدث لي؟

لا جدوى من الأسئلة. لكنها كانت تحسّ احتراقها، وترى طفولتها تنضم الى الأطفال الثلاثة، عند الساحل.

نزلت الى البحر. كان الماء صامتاً وأليفاً. تنفست بعمق، كما لو أنها سمكة ذهبية صغيرة، واندفعت بسرعة في العمق. وهناك سمعته يتحدث إليها:

 

لا طريق إليك سالكاً

في كل زاوية مخفر، وعند كل قنطرة سريّة.

 

كانت هي السمكة الصغيرة الذهبية، في عمر امرأة صادقت سنوات الكهولة، تندفع في العمق المضاء بنور صمتها، والضّاجّ بصمت الأعماق.

أما عند شرفتها، فلم يكن سوى الصمت، ينتظر امرأة ستعود الى غرفتها، وقد ناولها الفراغ كل أسراره .

 

زينب ...

يا تاج  الفراغ

 

***

 

حِينَ يَحينُ الفراغُ

عندما تُسدُّ الأبوابُ في وجهي

وَيُدرجُ أسمي على رأسِ قائمةِ المَطلوبينَ

وَتُلصقُ صورتي على واجهاتِ المطاراتِ

سأفصدُ وريدي،

وبِدمي سَأكتبُ اسْمَكِ

على بَوّاباتِ العالمِ السَّبعِ

***

هُوَ ذا العِراقُ

المُستقبلُ إذْ يَتذكَّر حاضره

الجَبلُ عندما يَعْلو على القِمَمِ

وسَفينةُ الحَقِّ تمضي

 الى ما  بَعْدِ الامل

وكنانة المقاومة

***

تَعالَ إلينا، وتقدَّم بِنا،

 يالمَنذورُ للرحْمةِ ،

أنْحَلَنا السَّهرُ، عَلاماتُنا جِباهُنا ،

 وبَينَ يديكَ

تستوي الحياة والرسالة

آه، يا ولد الغريبة

وضعوكَ في التنُّور وقالوا: ارتجفْ برداً!

***

 " لأنّني لا أمتلكُ شيئاً،

 لستُ مَديونا لأحد " .ً

 ولأنّني سأخرجُ منها، كما ولدتني أمّي،

يهتف قلبي:

 طوبى للذين أحبوكِ

وقُتِلوا بَينَ يديكِ

***

البارحة،

 البارحة فقط،

 طويت سنواتي المائة

ودخلت المدينة ،

 وحيداً، خائفاً ، يلتصق لساني

في لهاتي،

 حتى ليكاد صمتي يكلمني

ولكن ،

بعد أن رأيت وحدتي في المرآة،

 ووضعت قلبي قدّام بصري،

هرب الفزع، واستوى الخوف طريدة،

لأن نسمة منك، يا ولد الغريبة،

دخلت العراق خلسة،

 وصلّت ركعتين

من اجل اليشن.

***

يغلب الدم السيف،

 إذ ترقب الغربة رديفها،

وتخاف الصافنات من رعافها.

يغلب الدم السيف، فيعيط فيّ دمي: نذْرٌ علــيّ لئن عادوا

نذر عليّ لئن رجعوا،

 لأزرعنّ طريق الطّيّب ريحانا

***

شاهد العصر:

نحن شعب الوجد والانتظار

وتكبيرة بين الركن والمقام

***

ذات يوم، أحرقوا جسدي، ثم طحنوا عظامي.

بعدها وضعوا الدقيق في قارورة، وقذفوا بها إلى نهايات تخوم البحر السابع.

عند ذلك البعد السحيق، جاء الــيّ ملك الحيتان، وقال:

 يا ولد الغريبة..

آن للغريب ان يصادق غربته،

وآن للدم أن يغلب السيف

***

لا تسألوا عن ماضيّ،

 قولوا: كان برداً وسلاماً،

 كان روحاً وريحاناً،

قفلاً يتبعه مفتاحه،

 وسيفاً تأبطه الرعد.

***

سيدتي:

 التقت النقطة بالنقطة،

فتوحدتا  في الفراغ !

 

 

 

 

***

ما قبل " قصر النهاية "

 

والفراغ هو السور ايضا .

وقفت بمواجهة السور، وكوّرت قبضتي، ثم همست للطين “ماذا يقول الطين للطين، عندما يتواجهان في  التنور؟”.

 استمع الطين إليّ بانتباه، ونضحت طابوقة عجوز دمعاً أسود، فقلت لذاتي “مرحباً بك أيها الفَقْر”.

نعم ،هو هكذا أيضاً، المجنون ، جمال الدين أبو يسار ، والمهدي

هو هكذا، خلف السور وخارجه، متصادق مع الفَقْر.

 وعندما كانت أمّهُ تقطع الفيافي والقفار، مرة على قدميها، وأخرى بالقطار العادي، وثالثة في سيارات الشرطة، كان يسألها “ماذا تبقى لدينا؟”.

ــ : “ كل شيء. عندنا ما يزاحمنا عليه الملوك والأباطرة ”.

ثم تحلّ عقدة في شيلتها، ويتجه بصرها الى صرّة صغيرة، وتقول له “هاك. هذا الخَطّْ لك”.

يقرأ الرسالة المكتوبة بحروف صغيرة “أيها الفقير الى الله، صُنْ رفاقك، وتِدْ في الأرض قدمك، واحترم العلم والعُلماء، وأعِرْ جمجمتك لله، ولا تصاحب الظلمة.. أيها الفقير اخْتَرْ فقرك”.

من كتب تلك الرسالة ؟ ابو تراب الأبجر ،أم سلام عادل ؟

قالت أمه : هذه رسالة من سلام عادل ، سلمها اليَّ سالم يوسف اسطيفانا .

وقف الخلْق كله ، الكُلُّ تمّ حفّ شواربهم ، وأهدابهم ، وسُملت عيونهم، وكان وجه سلام عادل نصفين : اليمين للأبجر ، والثاني لسلام عادل.

وسمعت صوته وهو على مشرحة التعذيب : انا هو سكرتير الحزب ، وانتم تعلمون بذلك .

ثم عاد الى صمته . وكان "قصر النهاية" مكانا للجنون ، وزنزانة للفضيحة

قال علي حسين الرشيد التكريتي :" اغفر لي يا ولدي ، قصر النهاية لا يرحم " .

ـ : انت ابي .

قال التكريتي : فعلها هادي هاشم .

قلت :وقفت الاعترافات عند اسمي فقط ، لقد صنتُ لقب الرفيق ايها الرفيق . أنا جمال الدين أبو يسار، انا ابوعلي حسن الماجدي ، انا المواطن ع ـ التستري ، أعلن أن الحب ديني ، والعشق مذهبي،  وماركس أحد عباد الله الصالحين .

قال التكريتي : في ذلك اليوم تاكدت من صحة نبوءة سلام عادل : نحن مسدس صديء ، وبلا رصاصة واحدة صالحة للاستعمال .

قلت : من سلمكم ، من كشف الخط العسكري ؟

قال التكريتي : هوالملثم،الاعظمي .

اين كنت في حينه ؟ في جاردينيا ام في زنزانة الانضباط العسكري ؟ هل كنت في وكر الطائرات ؟

ومن كانت تلك المرأة التي تلاحقني متأبطةً زنبيلها ؟ زهرة بنت محمد المشكو ، أم زينب ؟

في البدء رأى أمه، ثم أباه، ثم رفاقه الصبية والفتيان، وبعدهم الذين تقطّعت بهم الديار، أو الذين هاموا على وجوههم في مدن العالم، وأولئك الذين اختفوا في الرمال ومصبّات الأنهار.

وفي ثانية البدء، رأى أباه صورة للفقر.

قال أبوه " شوف ظهري " (وكشف الوالد عن ظهره، فتبدّت آثار التعذيب والتعب). "وهاك يدي " (وبَسَط الوالد كفّيه) لترى بياض راحتيّ ".

قال الكاتب “نعم، رأيت يا أبتاه”.

قال والده “أوصيك باختيار الفقر، فإنه طريق روحك الى صميم العالم. واعلم انك صائر الى الغنيّ، فقل بين يديه: يا رب، هبني روح عزلتي في هذه الدنيا، لأربَحَ فقري بجوار كُرسيِّك”.

منذ ذلك اليوم، اليوم الذي لا يعرف متى ابتدأ، اختار الفتى مصيره، ركعتي صلاة بين “مكة” و”حراء” وعليقة متروسة بالفراغ ، وحلماً بعدالة غير منقوصة.

وحين يسأله السابلة “ماذا تحمل أيها المجنون؟” يرد بقوله “إنما هي نفسي أروضها بالفقر”. وعندما كان لا يمتلك إلا فقره، كان يقرأ كما هو الفقير، ويكتب كما هو الفقير، ويتصرف كما هو الفقير، لأنه فقيرٌ الى الله فقط.

في هذه الساعة، يتذكر المجنون أمه، ووالده، وأخاه، وشقيقتيه، وزينب، وأولاده.. وفقره، وقصر النهاية ، والجنود في ساحة الاعدام ،وحفلات النبذ في سجن الرمادي ، وشعبان كريم ، وسامي احمد العباس ، ومعسكر الحبانية ، ورسالة الاستقالة من التنظيم  ،، ... و 

وأعلن أمام حرفين من اسم جمال الدين ابو يسار وارنستو غيفارا " أنني مخلوق إلهي ، من دون ندم .

رايت مخي يسيل من اذنيّ ، ويسقط نقطة بعد اخرى على كراستي الورقية ، حيث اعيد الان ، كتابة بعض تاريخي . واشير فقط الى نتف من تاريخ رفاق حالمين ، بعضهم اكله الندم فيما بعد ، واخرون انتقلوا من احتفالات النبذ في السجون ، الى كرنفالات واناشيد النصر ، بعد احتلال بغداد .

لم اندم على اي قرار اتخذته في حياتي . 

وكيف يندم من نذرته امه ليهزَ الراية الحمراء على أعلى ذروة فوق قبة الحسين ؟!

 

 

3

رايت الراية الحمراء تنتظر زينب .

ورأيت الرايات ، الرايات الاخرى، فكاد قلبي يطفر من بين أضلعي .

عند ظل راية "بني أسد"، كان ثمة دائرتان: رجال أنزلوا عُقُلَهُمْ حول رقابهم، وشدوا رؤوسهم بكوفياتهم، كنايةً عن رغبتهم بالموت. ونساء ائتزرن بعباءاتهن، وأطلقن شعر رؤوسهن، وطيّنّ وجوههن بالطين، تعبيراً عن حزن لا يترجم له إلا لاميّات اليشــن.

كان موكب اللاميّات مهيبا .كبرت سعدى ام حسين ، وقالت : واعراقاه . ثم اومأت لنساء بني اسد .

 كانت دائرة الرجال تدور حول دائرة النساء من اليمين الى الشمال، بينما دائرة النساء تدور حول نفسها من اليسار الى اليمين. وإذ كان الرجال يحملون بأيديهم سيوفاً عربية، كانت النسوة تلطمن صدورهن وخدودهن، بينما الجميع يشخص ببصره الى حيث المرتفع المقابل للسور.

وتحت راية " بني كعب" اختلط الرجال والنساء في كراديس لا نهاية لها. كان ثمة مهوال ينشد شعراً للشريف الرضي أمام احد الكراديس. وفي مقدمة كردوس آخر كانت امرأة تهزج بأبيات لأبي فراس الحمداني، بينما كانت الصياقل تلصف في شمس تموزية.

اندفعتُ بين الجموع، حتى رأيت نفسي تحت راية " بني تميم" : في المقدمة كان كردوس لشباب بدشاديش بيض، حفاة الأقدام، يقرأون بالمصاحف. تلتهم كراديس لرجال ونساء، يرفعون سعف نخيل وبنادق وأسلحة سومرية قديمة.

كنت أبحث عنك بين هذه الحشود من الرجال والنساء والأطفال. لم أجدك بينهم، لكنني أعرف أنك على مبعدة فترمن قلبي.

تقدمتُ صُعداً حتى وقفت مشدوهاً تحت راية" بني لام ". كان قلبي يحدثني: زينب هنا. أصخت بسمعي، منتظراً سماع صوتك يناديني: يا مجنون الزمان، أنا هنا.

 ولم تكوني هنا،  أو هناك.

على حين غرة، رأيت كوكبة من " الكِنانيَّات " يتخذن الجانب الأيمن من الطريق طريقا، خارج رايات القبائل الأخرى، وبمحاذاة رايات " آلبُومْحِمَّد " . رأيت النسوة السمراوات، يرفعن نعشاً يتوسطه رأس ذبيح: رأس امرأة بنقاب، النقاب من حرير أسود، الحرير يبرز عينين سوداوين:

ـ زينب،

هتف قلبي بكل ما عندي من حيل. ثم شعرت بقلبي يتوقف عن النبض.

 

أنا الموت المؤجل/

أنا ذبيحتك ومجنونك الأخير.

أنا، أنا.. .

وتخشّــب لساني في فمي. انحبس صوتي.

 كيف يتأتى لبشر يراك ولا يصيبه الخرس؟

 

مددتُ ذراعي اليمنى اليك. لمستُ ذيل دشداشتك بأطراف أصابعي، فحضرت الفراديس طائعة.

رأيت عينيك السوداوين، فطارت الجنان وحطت فوق المرتفع المقابل للسور.

كانت الرايات تتجه نحو المرتفع. وهناك، فوق المرتفع الترابي، تحت الشجرة الفارعة تماماً، رأيتك مرة أخرى، من مهجعي هذا، في موتي المؤجل، تديمين النظر الى كراديس البشر.

هؤلاء هم أحبابك ــ سيدتي ــ جاءوا اليك من كل المطالع، عرب وعجم، سمر وبيض، لا يبتغون إلا رؤية وجهك ، وسماع صوتك ، والسلام عليك كما هي اشتياقات العشاق.

لقد عبرنا الأهوار، وجاوزنا الأنهار، وطوينا الفيافي والقفار،

 لا نحمل إلا زوادة المسافر، وليس في علائقنا إلا قراطيس الأشعار التي تمجد قامتك، وتنحني إجلالاً لرب العزة الذي خلقك على عينه.

 

زينب !

يا زينب، يا شرف البلاد وقُرَةَ عينها

يا نورَ السراج، وزيتَ المصباح

يا حارسةَ القوافل

أنت الشهيدة والشاهد.

 

أسْتَيقظْتُ.

عادت إلــيّ روحي. كان لساني يلوب ذرباً في فمي. كنت خلف الرايات، بعيداً عن المرتفع الترابي، نائياً عن الشجرة الفرعاء، لكنك على مبعدة فتر من قلبي.

قالوا: إذا رغبت في السلام عليها، فاتبع مواكب محبيها.

انتظرت هذا اليوم، مُذْ كنت بشهري الثالث في رحم امي ، و رضيعاً في السنة الاولى من عمري. ثم انتظرته طفلاً وصبيا ،ً ثم فتى .

 

 في مَهْديَ سمعتُ بأسمكِ،

 وعند رؤوس مفارق الطرق ذُبتُ بين كراديس محبيك

. وفي أيام الحزن والفجيعة، لبدتُ خلف جذع نخلة، انتظار رؤيتك والسلام عليك.

وهذا هو يومي الموعود.

ارتديت دشداشتي البيضاء التي لا ألبسها إلا في الأعياد، وخلعت نعلــيّ ورميتهما في الوادي القريب. أنزلتُ عقالي حول رقبتي كذلك المنذور ليوم للحسين ، وشددتُ رأسي بكوفيتي الحمراء، كما يفعل اللاّميون في ساعة الهيعة.

 ثم اختلطت بالناس.

الناس، الآن، صعدوا المرتفع الترابي، وأحاطوا بالشجرة الفرعاء. لا صوت أسمع إلا صوت الصمت، ولا غاية لي إلا رؤية عينيك.

لن أزاحم الناس.

 سأبقى في مكاني هذا، على مبعدة فتر من قلبي، لأنني رأيتك في هذه المسافة وأنا في المهد.

أريد رؤيتك وحيداً، أبتغي التملي بجمال عينيك، حتى وان شخصت اليك هذه الآلاف المؤلفة بعيونها.

يكفيني فقري، ونظرة واحدة الى عينيك .

ـ زينب.

ثم رأيتك تنهضين، هناك عند الرابية، ليصلني صوتك واضحاً وحلواً:

ـ يا مجنون الزمان.. اجتبيتك ليوم الصريخ الأكبر.

يا مجنون الزمان ،

 الحقُّ انت . 

 

***

 شَجَرَةُ الأَيْكِ   

 

 ... والحقُّ بَيِّن، والباطل مفضوح.

 فاخترْ  أيها الفتى  موقعك في الكتيبة، وتَوَلَّ أمْرَ نفسك، قبل أن تجاهر الناس بمطالب العامة.

قُطْب المسألة، وفحوى المُساءلة، أن تتولى أمر نفسك، فتكاشفها على الصغيرة قبل الكبيرة، وتحاسبها حتى على عمل اجترحته، هو أرقُّ من جنح فراشة، وأرخص من قلاّمة ظفر.

 

اسْعَ الى نفسك، قبل أن تخاطب الناس في شؤون نفوسهم، فإذا وجدت نفسك راضية مرضية، فاهرع الى كتاب الله فإنه الفيصل والحكَم، ولا تُرهِب أحداً إلا على طريق رضوان الله.

أنت عبدالله، وأنت وليُّه، وإن أولياء الله لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون. فهم الضاحكون في الدَّيْجور، الباسمون في التَّنُّور، المكبِّرون على النَّطْع، الصابرون عند الشدة، والمُصاولون ساعة يدعو داعي الله.

 

لا تَلْقِ حبلها على غاربها، ولا تصعِّر خدك للناس، ولا تمشي في الأرض مرحاً، واخْتَر درب الأسلاف الصالحين، وطريق الهداة المهديين، يلقاكَ وجه الله. وكيف لك أن تحيا يوماً واحداً في هذه الدنيا، من دون انتظار أن ترى وجه الله؟!

 

لا تُلْقِ حبلها على غاربها، ولا تركن الى الدعة، ولا تثق إلا بوعد الله ونصره. فالأيام خدَّاعة، وهي ولاّدة، وأنت اليوم وغداً، كما قومك في كل سهل وجبل وماء، قبالة ساعة الامتحان، وبين يدي لحظة الاختيار، وأمام نور الحقيقة، وبين عيني رب العزّة، تعالى الله عمّا يصف الواصفون.

 

لا تُغْمِضْ عينيك عن الباطل، فإن عين الحق تراك. ولا توافق أرباب الباطل، حتى وإن تهيأ لكثيرين أنهم شراة الحق، فإن الحقّ يغلب الباطل، وهو هزم جُنْدَ الباطل في مواقع كثيرة.

 

جِدْ العذر للفقراء والمساكين وأهل الخصاصة. ولا تأخذنَّك رحمة في المنافقين، الذين يميلون حيث الريح تميل،

 ولا تقرب من هؤلاء،

واهجرْ مجالسهم، واخْتَرْ مجالس أهل العقل والحق، فإن الحق يَعْلو ولا يُعْلى عليه، وجولة الحق ساعة.

 

ورَوِّضْ نفسك على الحب،

 ودرِّبْ روحك على الخلاص من جسدك،

 وتوكَّل على الله في كل كلمة تكتب، أو في كل عمل تنتوي تحقيقه، فإن اقتران الفكر الطيِّب بالعمل الطيِّب، فيه رضوان الله ومحبته.

 

والفائزون، الفائزون، الفائزون، هم أهل الفكر الطيِّب، والعمل الطيِّب.

فآنفرد ،

وتغرّد ...

 

 

 

ــ 4 ــ

 

... وانفردتُ عن الجمع وراياته،

انتبذت مجلسا فوق الصخرة الضخمة التي تقابل الشجرة الفارعة، حيث كنت تقفين. رأيتك عبر الوادي البشري، بخمارك الاسود، تعاينين الرجال والنساء، وتستمعين الى نجوى المكلومين، ودعاء الحائرات، ونشيج المتوسلين.

هذه واحدة من المشاهد النادرة التي أراك فيها، كما أنت عليه، وكما توسمتك دائما: هيئة ابنوسية، يكاد خمارك يستضيء بنورك، فيضيء هذا الحشد البشري الممتد حتى نهايات الجهات التي لا عدَّ لها، فيما الشمس انسحبت خلفك، فكنت شمسا لنا، وضياء للصحراء التي استلطفت حضورك الآسر.

كنت استطيع سماع وجيب قلبي، والامساك بهسيس حركة الاشياء من حولك. حتى دموع النساء المفجوعات كنت افهم لغتها، بينما كان يأتي اليّ صوت طفل استنطقه حضورك، فدفن وجهه في صدر أمه، ونادى عليك:

ـ زينب!

رأيتك ترفعين ذراعك اليمنى، وتهزين رايتك، فأخرجت الصحارى كنوزها،

وضحكت الاسماك الصغيرة في عمق الانهار البعيدة،

وقالت نملة بيضاء لأختها السوداء في جوف جذع الشجرة الفرعاء: هس، انصتي.. هاهي المباركة، ترفع راية أخيها.

كانت رايتك سوداء ايضا، خضبتها دماء رأس ذبيح من عند الرقبة، كنت استروح لون الدم العبيط، وهو ينزّ الآن، مثل عين صافية، اندفعت مياهها من صخرة صلدة.

سمعتك تقولين: هي ذي راية جدي.

سمعت بكاء مكتوما، وشاهدت صليل السيوف، ورأيت الرماح ترتفع فوق الرؤوس، كما لو أنها تستأذنك للمصاولة. لكنك رفعت رايتك باتجاه النهر البشري، فسقطت على رؤوس محبّيك وعشاقك، واخذت الايدي تتناولها. يد تسلمها الى اخرى، وقلب يتنسم عطرها ويحيلها الى القلب الذي يجاوره.

ازددت صفاء حتى تأيّـنت.

لم تكن راية من قماش، ولم تكن ساريتها من خشب، انها تأوهات وذكريات ودموع وصهيل جياد ورغاء ابل وزئير اسود. وتغريد عنادل وغناء فواخت وخرير مياه وعصف ريح، وهفيف نخيل، ونداءات رجال خنقوا بعماماتهم، واستغاثات حرائر، وصراخ اطفال رُضَّع .

للتو، ادركت ان رايتك، هي انت، وان الجموع التي كانت تقبل القماش الاسود، تلثم باطن كفيك، وتستعذب هذا الضوع الذي يفيض بروحك علينا جميعا، فتوحدنا فيك، حتى لم نعد نفرق بين الراية وصاحبتها.

من ألقى برايتك إليّ؟

 أنت،ولا احد غيرك.

أمسكت بسارية الراية، وأخذت أعرضها للفراغ الذي يحيط بنا، فرأيت ما لم تره عين، وسمعت ما لم تسمعه اذن.

 

 كانت الراية تخاطب الناس:

من شافهني فاز بهناءة الدارين

من هزني بيده اليمنى، صار من أصحاب اليمين

من خاصمني خصيمه جدي،

من خاصم جدي،  أكبّه الله على منخريه في جهنم

من أراد قربي، فلينتظر يوم الصريخ الأكبر .

أقبلت على الراية، فضممتها الى صدري. وعند ذلك سريت في الفلوات، فسمعت البهائم تنطق، ورأيت الارض تفتح كنوزها، وأبصرت الراسيات تنفلت من جذورها وتتجه الى حيث شجرتك الفرعاء، وشاهدت سباع الكون تعاف لحم البقر الوحشي، والذئاب تجالس الحملان، وبنات آوى تساكن الدجاج أقنانها.

 

أما أنت، فكنت عند شجرتك الفرعاء، يكاد وجهك يضيء من خمارك الاسود، وتتوجهين اليّ قائلة:

 يا مجنون الزمان، أمحُ نفسك،

جهّز زوادتك،

 وتوكّل .

 

وكنت قد توكلت على الله، قبل ان أنتبذ مجلسي فوق صخرتي الضخمة.

 قبل ان اعرفك كانت الصخرة تتدلى من قلادة على صدري، انها صخرة ثقيلة، صلدة وقاسية، لكنني كنت اكابد ثقلها، واتحمل جبروتها، لأنها طريقتي في تصفية نفسي، حتى اتعرف إليها، ثم اضعها قبالتي، لأقول لها: من يريد لقاء زينب، عليه ان يجاهد نفسه، وينتصر عليها، ليمحوها تماما، بحيث تموت هذه النفس الامارة بالسوء، ويسكن في قلبه، بدلا عنها، حب المنذورة للخير والفضيلة والجمال: زينب.

وهذا أنا  الآن ــ سيدتي ــ بين يديك وفي حضرتك، بعد ان صرعت هيئتي البشرية، واستحلت الى حب.

 من يعرفك ــ يا زينب ــ لا يدين إلا بالحب،

 ولا يصلي إلا كما يتوجه الاحرار الى وجه الله،

 ولا يتهدج إلا مثل أولئك الذين تنز دماؤهم، كلما مر سيل قرب بئر بدر.

هذا أنا  الآن ــ سيدتي ــ لا اعرف نفسي لفرط ما انغمرت فيك، ولم أعد أتبين قلبي، لأن حبك يسكنه.

صرت أنا وليس أنا، حتى لقد تغربت عني، لأنني لا احس إلا بك، ولا اتحدث إلا بلسانك.

كلنا، سيدتي نتحدث بلسانك.

 صرنا حالات في حالة، وجمعاً في مفرد،

 وانت ــ وحدك ــ العاشق والمعشوق.

ورايتك الحمراء في يدي اليمنى. أجَفتُ صدري بذراعي اليسرى، فأخرجت قلبي، ورميته نحو الشجرة الفارعة،

 لم أشعر بأي ألم، أحسست ان صدري عود آكادي يتأوه بذلك اللحن العجيب: ليس منا، من بات ليلته شبعانا، وجاره في مسغبة.

وهذا هو يوم ثرائي ومسغبتي.

 كانت دموعي هي التي تتحدث فقط، عندما رأيتك تزيحين خمارك عن وجهك، فيطلع علينا صبح لا قبل لنا به، ويشرق على الوادي البشري، نور يوم جديد، لم نتعرفه من قبل.

ثم حدث الهيجان، وانطلق الصريخ ولم تعرف كل مرضعة رضيعها، والتمعت السيوف عند الرقاب.

زينب، تلك هي القارعة!

ام هو صباح وجه الله .. !

***

صباحُ الخيرِ، يا زينب

يا حُلوة

يا زَهرةَ العناصر، ودورةَ الأفلاك، وإغفاءةَ الطوفان، والإبريقَ، والكأسَ، ومقام الرِّضا..

يا دورةَ الكأس، وقوسهُ

يا دُنيا

يا بابَ بيت المرايا

 

صباحُ الخيرِ، يا حُلوة

يالدنيا،

يا بُكاءَ الشَّمعِ، وأنينَ السورِ والزيتَ

يالنورُ،

حين النورُ، ماء وهواء،

ومستقبل النار، وذاكرة العماء

لماذا - أنا المفتون بك - أختبلُ حين تُنصتُ الى أسئلتك آســيا وَشَهْرزاد؟

إنتِ، لا هُنّ، الصَّمتُ،

 الظلُّ،

 الأم،

 الرفيقةُ، والصحراءُ .

 أيتها الوجهُ والقناعُ

سلامٌ على خِمارٍ صارَ وجهكِ،

 وسلامٌ على نِقابٍ أنتِ قناعه ونقابه.

 

صباحُ الخيرِ، يا زَينبْ

يا نصفي،

يا نصفَ الكأس الذي اكتمل بي،

يا بابَ الشاهد، ومعراجَ المشاهدة،

استوحشني النورُ، فلمتُ الكأسَ اللّي طافَ بي،

 وبي البلّور خَجلَ منْ عُريهِ،

فانتحب منْ أجلي النورُ

 

زينب ..!

هذا بستانك ازدهر، وامتلأت دنانه عسلاً،

وهذا خرابي الفاتن اللّي فيّ ومنّي، ينادي عليك:

يا انت ، يا زينب

يا دُنياي وزادي

 

زينب ...!

يا أولَ الأسئلة، يا آخرَ الأجوبة

النورُ الأزرقً كتبَ اسمهُ وكتبني، على راحة كفِّي اليمنى،

 وقال لي:

أيها الهَزارُ العاشقُ، السكرانُ،

والمجنونُ،

 إلْقِ الأزرقَ، واقتبلْ وجهي،

تُقبل اليك زينب،

وتقبلك.

يا صورته، وكلمته.

 

زينب...!

يقتفي خطوي البحرُ،

والكلماتُ تهبني براءتها.

 وحدي، حيث لا عاشق قبلي  ، أتْرسُ جراري من نوركِ،

وأرتحل اليّ.

 

زينب...!

أنتِ استقامة ال”1” ،

بابُ بيت المرايا ،

ومرآةُ العدمِ .

 

 

ـ 5 ـ

 

 

 

 

سَــاقِيةٌ رَفيعـَةٌ

 

.... وفي مرآة روحي ،

أكاد أراك ــ حتى قبل ان يتنفس العدم ــ أقرب الــيّ منّي .

وهناك في الأعالي، حيث الصمت الذي يسبّــح بحمد ربك، رأيت صقرين يقتربان ويبتعدان من بعضهما تارة، ويتلاصقان حتى لا يمكن فصلهما عن بعضهما بخيط من ابريسم شعرة من رأسك، تارة اخرى. إنهما عاشقان أرادا ليوم ارتباطهما ان يكون في موسم البركة هذا.

 فجأة.. تباعد الصقران، وأخذا يدوران متعاكسين، ثم هبطا علينا رويداً.. رويداً، فحط الذكر على كتفك اليمنى، ونزلت الأنثى على كتفي اليسرى.

وفي نقطة بعيدة من الأفق الشرقي، شاهدت نقطة سوداء، تكبر ثم تكبر، وتتقدم صوب مطرحك فوق المرتفع المقابل للسور، وتجثو بين يديك.

ذاك هو طائر الهدهد. سمعته يخاطبك: السلام على سيدة الحور العين.

 قد جئتك ــ سيدتي ــ بنبأ يقين.

 اني رأيت قبائل الوحش تغادر أوجارها وأوكارها في الغابات والبراري والجبال، وهي لهفى للمثول بين يديك.

ولقد سمعت الحيتان والأسماك في قيعان المحيطات والبحار والأنهار، تتنادى للسلام عليك ، وتنتظر أمرك بطرد جيوش الغرباء من اليشن .

انسحب الهدهد من بين يديك، ثم ارتفع طائراً وحط على كتفك اليسرى.

قلت للهدهد: لقد أحطت بما لم تحط به. انما يحشر في هذا اليوم كل من هو في مرتبة التكليف.

 استحيا الهدهد من عمره، وسمعته يسارر نفسه: وفوق كل ذي علم عليم. ولا عليم إلا هو.

رأيتك تبتسمين من خلف خمارك وتخاطبين نفسك، بينما كان صوتك يصل الينا جميعاً: لقد خلق الله اللطيف، أرواحاً لطيفة، لا يعلمها إلا هو، ولا يدرك سرها غيره، غير انها تبدي نفسها للذي ينظر الى نفسه والأكوان بعين اللطيف الخبير.

قال الصقر للهدهد: عندما كنت، هناك، في الأعالي، رأيت ما لم تر، وعرفت ما لم تعرف. لكنني استحييت التفوه بحرف واحد أمام الشفيعة.

وسمعت انثاه تقول لعشيرها من فوق كتفي اليسرى:

 أيها الحبيب، ليس هذا وقت الكلام الوجيز، فنحن في حضرة الصمت الذي هو  الأبلغ من الكلام كله .

وكنت مزدانة بالصمت.

 الرايات صامتة.

القبائل صامتة.

 الجبال ساكتة.

 التصقت الألسن بحلوق البشر والحيوان والطير، وكفّت الريح عن الحركة، وأخذت مياه المحيطات والبحار تدور حول نفسها. أما الأنهار فغيرت مجاريها صاعدة الى الشمال .

ـ تحدث إليّ ـ أيها الحبيب ـ كما لو أنك الفراغ.

 هكذا سمعتك تتحدثين إليّ، من وراء نقابك.

 ذات يوم صيفي، كنت عند شط" الكحلا ء " يشافهني الماء، وأتسمع الى وجيب قلوب الهوام ونهايات جذور النخل، فخيّل إليّ أن سمعي غادرني، وبصري لفه خمار لا قبل لي على وصفه، وفؤادي أصبح فارغاً، وجسدي خفّ وشفّ، حتى رأيتني ذرّة دريّة تسبح بين أفلاك لا يعرفها إلا ربك القوي العزيز.

 ثم سمعتك تقولين مرة أخرى:

 تحدث إليّ ـ أيها الحبيب ـ كما لو كنت تواجه الحق والخير والجمال والعدل.

وكنت ـ حينها ـ فراغاً. وهذا أنا ـ الآونة ـ فراغ.

 والفراغ لا يليق به هذا التكوّن، إلا عندما يكون بين يديك.

 وها أنت أقرب إليّ من حبل الوريد، يباعد بيني وبينك التقرب إليك، ويقربني منك ابتعادي عنك.

جئتك محزوناً، فازهرت عيناي فرحا، واقتربت منك منكرباً فسكنت كلّي الفراديس.

صرت المخبّل والعاقل في آن،

وتحولت الى ساقية رفيعة تسع البحار قدّام جمالك.

أواه ـ سيدتي ـ قد كنت أخامر الأوهام، حتى سمعت بك، فعاد عقلي اليّ،

 وكنت خَدين أرصفة الشوارع، فجاء قلبي وسكن صدري بعد أن عرفتك.

وكنت كبير المطاريد، فصرت نقطة الخط الأولى حين اقتربت منك.

وكنت أمير الصعاليك ونقيب العيارين، فشفيت من عللي جميعها، بعد أن شافهتك.

أوّاه سيدتي، لا فاصلة بيني وبينك سوى (الواو) بين (بيني) وبين (بينك)

فأدخليني الى حجرتك، لأرى وجهك، وأتملّى بهاءك، وأدير بصري في الجهات كلها، فأراك في كل الشموس، وفوق رؤوس جميع الجبال، وفي النهايات القصية لأناشيد الشجر.

أوّاه، سيدتي..

وسمعت البشر والحيوان والجماد، كلٌّ يريد أن يقترب منك، ويفوز بنظرة من عينيك، ليرتاح الى أقرب سارية أو صخرة، بعد هذه السفرة الطويلة من أول الآفاق الى مطرحنا هذا، ومن آخر المسافات الى مفترق الطرق التي نحن فيها، وكل منا يحمل في يمينه كتاب الخلاص:

محبتك.

محبتك ـ زينب ـ طريقنا الى الجمال،

 ومعرفتك ـ أيتها الشفيعة ـ دربنا الى الخير،

 والنظر الى قسمات وجهك، مسلكنا الى الحب.

 من ذا الذي يتحدث إليك؟ أنا أم ذلك السبع الضاري؟ ومن يتوجه إليك بالخطاب؟ ذلك الصقر أم هو الفيل الذي يتقدم قافلة أبناء جنسه. ومن يشافهك مسارراً نفسه؟ قائد الثيران المجنحة أم تلك المرأة المرسومة على جدار في كنيسة بشارع المعارف؟!

في موسم الفرح هذا، وفي يوم الشدّة حيث نسيت كل مرضعة وليدها، توجهنا جميعنا إليك، تلتمع الصياقل في أكفنا، وتلصف السيوف في غُمدها، وتتوجع الرماح عند أكتافنا.

 الله الله فينا يا دليل الحائرين، وسلوى الغرباء، وسرية النائحات، ومجالس الخشوع، وسراج المظلومين، وهادية الحيارى، والغالبة ـ ولا غالب إلا الله ـ في ازدحامات الأبطال الأرضيين، وعميدة الثكالى المنتظرات عودة الأحباب من الأسر والغياب الأبيد.

غلبني الوجد ـ سيدتي ـ على ما انتويت أن أكون فيه من تجمل،

 وصرعني الهوى، وكيف لا يخرّ صريعاً من يُشبهُ له أنه رآك في هذه الهيئة اللابشرية،

 وكأنك شمس أشرقت من غرب هذا الكوكب.

وها أنت تشرقين علينا ، من غرب الكون.

أزحت خمارك عن وجهك، فانطبقت علينا الأرض بعد أن أخرجت ما في بطنها من أهوال. وتحدثت إلينا، سافرةً، فبكى البشر، وولول الحيوان، وعلا نشيج الجبال.

سمعناك تقولين: يا أبنائي.. لا تنسوا ذكر الله، ألا بذكره ـ تعالى ـ تطمئن القلوب. فانخلعت قلوبنا، وسقطت لحومنا من عظامنا وهُتك سترنا، واُفتضح أمرنا،

أفبعد ذكر الله ذكر؟ أو بعد صوتك صوت!

نهضت بما عندي من حيل، فوق صخرتي هذه، لأواجهك تماماً، فرأيت سيوف القبائل صارت ساريات للرايات، ورماح العشاق والحيارى والمظلومين، قد نكست الى الأرض.

وعندما قُلت: لقد هتكوا ستري. ضجّ الناس بالبكاء.

وعندما قلت: وأحرقوا خيام أهلي. علا نِياحُ الفِيَلةِ.

وعندما قُلتِ: وقتلوا أطفالي الرُضَّع. لَطَمَت اللّبَوات صدورها.

وعندما قلت: ثم دخلوا خدري. خرجت الثيرانُ المجنَّحةُ من جدران بلدان سومر وبابل وآشور.

وعندما قلت: جَرُّوني من جدائلي، لمعت الصَّياقلُ في أكفنا.

وعندما صرخت: واغربتاه.. قبضنا على سيوفنا ورماحنا.

وعندما عِطْتِ: واجدّاه. دارت بنا الأرض.

وعندما هتفتِ: أبه. يا أبهْ. شقّ قبرك، واطلع علينا. لم نَرَ إلا أنت فوق هذه المعمورة.

... حدث الأمر الجلل، فاقتربت السيوف من الرقاب، وانغرست الرماح في الصدور.

كنت أحث الخطى، نحوك، ورأسي بين راحتي كفيّ، ولساني ينطق: فُديتِ، سيدتي، لا غالب إلا الله.

وكنت أرى رؤوس البشر تنوح بين راحات أكف أصحابها!

وعمّ الصريخ الأرض وما فوقها:

يا اهل السموات والارضين ،

 لا اَبَه لكم ،

 الْيِشِـنْ مُحتلة .

اليشن محتلة !

 

***

 

 

في هذي الصحراء / لا أرى إلا اسمكِ/

اسمك الذي تتغنّى بذكره مجرّات الأكوان.

أنتِ أبلغُ من لاميّة العرب

 وأبعدُ من كلمات التلقين بعد اللحدْ

 

تقولين: يا صاحبي، اقْتَبِلْ

فأهربُ إليكِ فرحاً، كما الزاوية عندما

يلتقي الجدارُ الجدارْ

لأجدكِ تميمة على سطح كل جدارْ

 

ماذا بقي عندي منّي

بعدما جئت إليّ، صرخةً في البيداء

وناراً أعلى من أعناق الابل في بصرى الشام؟

ما تبقّى أنتِ

 

البارحهْ، حلمتُ باثنتين،

أنتِ وميسانْ

أنتِ الرصيف الأخير

وميسانْ..

آخرُ الدنيا

 

سُبحان ربّكِ ما أعظمهْ

سوّاك راهيةً مثل نخلة

وظليلةً كما سدْرة

ودافئةً مثل حضن عروس

سبحانهُ ما أكرمهْ

 

أيتها الرّولة:

ماذا تقول الأرض

 للجذور؟!

 

يا قلبُ،

أنت أيها المنذورُ لمصادقة الفقراء والمهجورين

وعشّاق الموت،

كيفَ يَسْتَوي الحُبُّ حُباً،

منْ دُونِ خِرْقَةْ؟

 

أنت ـ يا منايْ ـ ناعمة وجميلة مثل دورقٍ دُريّ امتلأ حبّاً/ بيضاء الوجه مثل الفجر الأول للبشرية/ سمراء الوجه لأن رعاة الجواميس أوقفوك دهوراً في صحراء العرب /سوداء العينين لأن الليل استضافك في محفّته الأبنوسية ضِعفي عمر نوح.

أنت حلمي الأجمل/ شعرك فاحمٌ مثل حُزنِ الأسَديّات/ حاجباك قَوْسان مِنْ كَهْرَبٍ/ وَرَقبتك مِثْلَ قَصَبَةٍ ميسانيِّة.

أنتِ حُلوةٌ وَناعِسةٌ مِثْلَ حُقّ امتلأ غزلاً / طَويلةٌ وفارعَةٌ مِثْلَ مَرْدِيٍّ سُومَريٍّ

وقلبكِ ـ وَحْدهُ ـ مِيقاتي

 يا مِيقاتي وَعُزلَتي

وَنُورَ حَياتِي

 

 

****

 

 

خلع الملك تاجه عليَّ

والجنرال ناولني صولجانه

قلتُ للملك: أتعرف كم تاجاً طوته الغبراء؟

هتف بي الجنرال: وأنا ماذا تقول لي؟ قلت: لا شيء، يا جنرال!

بعد هذا وجهت وجهي الى فاطر السماوات والأرضين، وهتفت: سبحانك ما أعظم شأنك.

فترجع الصدى: سبحانك ما أعظم شأنك.

* * *

أموت شوقاً الى وطن الماء/ وطن الرايات والقامات/ وطن المرأة النفساء إذْ يحاصرها الطلق تَعيطُ يا " يا علي ".

* * *

سألني "أراغون": يا مجنون الزمان، صِفْ لي زينب؟

قلتُ: التي شعر رأسها حتى حجليها/ المانحة السكينة للظل كما شجرة لوز في الحيرة/ الطالعة كسفينة من غمار أدخنة بحر دلمون/ الفاتنة كما رازقية باذخة في صباح ميسان/ الصابرة مثل "غويفة" في الجزيرة الحمراء.

نهض الشاعر على حيله، ميمّماً وجهه شطر البيت الحرام، وقال:

يا رؤوس الجبال

أنت أيها البحر، وأنت يا صحراء

يا برق، يا رعد، يا عواصف

يا كل الطير والشجر والحجر والهوام

أشهدكم جميعاً: أنا لويس أراغون

أن هذا الفتى المهزول مجنونها الاخير .

* * *

لو مرّة..

لو مرّة واحدة سمعت..

لو مرّة واحدة سمعت المذياع..

لو مرّة واحدة واحدة سمعت المذياع ينطق باسمك..

لفرشت درب الطّفّ ريحانا

* * *

عقب أن ولدتني أمي بساعة، مُت

قالت: دعوه في مهده ولا تدفنوه

مرّ يوم وأسبوع وشهر/ ثم عشر عجاف وعشر سمان،

وكان جسدي الرضيع في المهد مزهراً مثل نار لم تنس ذاكرتها،

وكما حدث ليعقوب، حدث أن مررت جوار مهدي،

ألقيت منديلك عليّ،

فعدتُ الى الحياة.. كهلاً.

* * *

التي أحبها.. هي كل الأسماء

من قبل همزة الألف

إلى أبعد من لا نهايات الياء

هي زينب  ،

الشفيعة ،

 وسيدة الديوان

 

****

 

يا تابوت موسى ..!

 

قالت سيدة الديوان:

ــ الخمسة الأحرار، الشهود، الأبدال، أصحاب الغوث ودرع الصبر، المُلْهَمون وأبيار العِبَر، المتدرّعون بالمحبة وأشواق السّفر، الذين تخشاهم سقر، ويبزغون، كواكبَ، إِذْ الناس في الحُفَرْ.

آه من تلك الحفرْ ــ تقول سيدتي ــ التي يلتقي قرب حافتها الخمسة الشهداء، وإذْ ذاك ينطلق صوتي منادياً بكل فخرْ:

يا سيّد الأفلاك وإِمامَ قاذفي الحجر، بلغ السيل الزبى واستنطقَ الحجز البشرْ، ولاذت الريح في ذاكرة الماء، واستوى الخوف مقلاعاً وتابوتَ سَكِينة.

آه يا مهد المسيح ــ تقول سيدتي ــ وتابوت موسى، وغوث الأمين، وصريخ داحي الأبواب : ها إني أطلّ على الأبواب،

 من "باب قريش"، إلى "باب السلام"، الى " باب المهدي"،

 فأرى الكعبة مُحْرمةً في كسوتها، معتمرةً بردة الحرب، مؤتزرةًعصابتها السوداء، وحولها الحشود تهتف: يا لها من وقفَةٍ عزّ فيها النصير، وقل عندها البشرْ.

آه يا بقايا بشر ــ تقول سيدة الديوان ــ ونفايات الأيام والأمم، وذؤابات ليل مندثر،، هاهم الخمسة الأحرار الشهود الشهداء الأبدال، يقذفون خوفنا بألف حجر، ونحن على الشمال منهم وعلى اليمين، بين أيدينا الكواكب تصلّي للواحد الأحد.

آه يا صلاة الأحرار ــ تقول سيدتي ــ عبوراً بوضوء الدم، من الأقصى الى البيت العتيق، وصولاً الى سدرة المنتهى، واقتراباً من الجمال حتى ليكاد يكشف عن وجهه، ويطلق أسماءه علينا، من النيل حتى النهرين الكبيرين.

 

أستيقظ من تلك الغفوة القصيرة،

 فأرى سيدة الديوان، تستقبل نهر الشارع، حافية القدمين، لا يستر جسدها إلا خفرها، ولا يعصّب جبهتها إلا خجلها، ولا يطيق فراقها إلا محبوها،

 وهي تنادي عليّ:

 

يا رفيق الهجرة، وضجيع الأغوار

يا نور العين،

يا أروع صلاة في حضرة الزّين

لا يأتي ــ ولن يأتينا ــ المَيْن

ما دام فينا عرق واحد

ارتوى ماء

واستوى حجراً

في موكب محمد.

 

أستيقظ ثانية، وثالثة، وعاشرة، وللمرة الألف، وللمرة التي لا أعرف ولا أدري،

 بيد أن هتاف سيدة الديوان، يصل الى سمعي متصلاً بانشخاب نافورة دم من اقاصي ميسان :

 

يا ولدي، وحبيبي، ورفيق السفر

هذا الصريخ يستصرخ

من عاش، ومن مات،

 ومن لم يزل بَعْدُ، في رحم الغيب،

 بانتظار نداء السحر.

 

 

***

يا غريب الدار:

إنْ هو وحي يوحى من النور

إلى النور،

فتسقط جزيرة العرب

في الماء

فمبارك عليك، يا غريب الزمان

هذا الحب الذي

يقود الفناء إلى الفناء

 

 على طريق قلبي ،

 في الطريق إلى مسجد محمد، بين مارة كثر، وألسنة أكثر، التقط سمعي نحيبها:

 

يا لْولد يا بني، أخذوك مني، وغرّبوك في البيداء،

تعال.. تعال يا وليدي، من أرض الويل والبلاء.

تعال اليَّ من كربلاء

 

اتجهتُ إليها بقلبي وكياني: امرأة تجاوزت الخمسين من عمرها، تأتزر بعصابة راسها، وتشدّ رأسها براية سوداء، وحولها ثلة من الحجاج، شباباً وشيوخاً، يحيطون بها كما يحيط السوار بالمعصم.

سلمتُ على الجميع، وقلت لأحدهم، وكان في مثل عمري: ناشدتك الله يا أخي، ما أمر هذه السيدة، وماذا ألمّ بها، ولِمَ هي في مثل هذا الانكراب، وهي إلى جوار مثوى الرسول الأعظم؟

بعدما ردّ عليّ الرجل تحيتي بتحية أحسن منها، قال: هذه السيدة الميسانية فقدت ابنها الوحيد في الحرب، وجاءت إلى هذه الرحاب تعرض على أبي القاسم انفطار كبدها، وانكسار ظهرها، وقلّة ناصرها، وجور الزمان عليها، وانفراط الناس عنها.

اندفعت في موكبها، مردداً مع نفسي:

 

أنا سيف هاشمي محبوس في قطرة ماء

. الماء في جُبّ. الجبّ في فلاة.

الفلاة في بيداء. البيداء في صحراء. الصحراء في قفر. القفر في مدى.

المدى في سماء. السماء في عماء.

والعماء قلبي وجزيرة العرب التي سقطت في الماء.

 

توقفت السيدة لحظة، فرأيتُ السيف الهاشمي في يدها اليمنى، وهي تعيط :

يا حسين يا وليدي..

جدك أبو الحسنين.. جدك رسول الله..

وما قمّطك غيري.

 

وجدت لساني ينطلق ذرباً وصامتاً:

أنا وليدك المذبوح من خلف الرقبة

صرخة التكبير قبل همزة "الألف"

وأبعد من لا نهايات "لياء"

وأنت الراية الوعد

في زمن الابتلاء

 

صرتُ وجداً.

غادرني جسدي، ورأيت روحي وحيدة وقد انتبذت مكاناً شرقياً، بينما المدى يلهج بذكر الله:

 

ماذا يريد المؤمن غير لقاء ربه؟

ماذا يبتغي السيف غير الإشهار؟

ماذا يريد الرأس غير العودة إلى الجسد؟

ماذا تهوى الكلمة غير شرفها؟

ماذا يطلب الشهيد غير لقاء ربه؟

وماذا يريد المنفيّ غير وطنه؟

ايريد الحسين غير الاصلاح ؟

  

 

ليلة الوداع الأخير للكعبة ، داخلني خوف وحزن واضطراب، كيف يفارق الانسان هذا المشهد، وهل يمنّ الله عليه بعودة أخرى إليه؟

وبينما كنت، من شدّة لهفي، أسمع وجيب قلبي، غمرني نور صوت يأتي من أقصى نقطة في الكون:

 

أتراك بعد الايمان بك تعذبني، أم بعد حبّي إيّاك تعذبني؟

أم مع رجائي لرحمتك وصفحك تحرمني، أم مع استجارتي بعفوك تسلمني..!

حاشى لوجهك الكريم أن تخيّبني.

ليت شعري.. أللشقاء ولدتني أمي؟ أم للعناء ربّتني؟ فليتها لم تلدني، ولم تربّني.

وليتني علمتُ، أمِنْ أهل السعادة جعلتني؟ وبقربك وجوارك خصصتني؟ فتقرّ بذلك عيني وتطمئن له نفسي..

إلهي..

أجرني من أليم غضبك، وعظيم سخطك، يا رحيم يا رحمن، يا جبّار يا قهّار، يا غفّار، يا ستّار، نجني برحمتك من عذاب النار، وفضيحة العار، إذا امتاز الأخيار من الأشرار، وحالت الأحوال وهالت الأهوال.

إلهي..

هذا لساني لا يخرسهُ أحد إذْ ينطق بالثناء على مجدك وجلالتك.

ولا أحد قادراً يستطيع إسكات صوتي، لأنه يمتاز في ذكر جمال وجهك.

إلهي..

إلهي،

 

 

ــ 6 ــ

 

انها الحرب ، سيدتي

حربي ضد نفسي .

تلك التي ربحتها .

وتلك الحرب الاخرى

الحرب التي لم نخضها ،

حرب الحكومة واحزابها ،

حرب المعارضة ومخلوقاتها ،

الحرب التي لم تكن حربنا ،

الحرب التي ربحها الغزاة ، من دون خوض غمارها ،

الحرب التي ولدت ميتة .

اما حربي انا ،

فهي الحب

حين لا يجد سوى الحرب ، ..

.....  حبا

 

***

 

الرايات الســود

 

تقول مريم: نأتْ عنك البلاد،

فأرى ميسان في عينيها، وقصيدتي المؤجلة.

البلاد رايات سود،

 أقمار وأطمار،

 أسوار وزنازين،

 مريم المشبعة باليورانيوم،

 وكلمة الوعد والنور الوبيل.

ميسان التي في خاطري، كما عينيّ مريم،

 ضوء أسود غارق في النور،

 ونور نسي نفسه داخل بطاقة التأمين الصحي.

تقول مريم: ماذا أعددت لي يا أبي؟

 فيأخذني إليها الحنين والسؤال.

 

* * *

يا بنات ميسان وأروك،

 أنا مريم ابنة حيدرة، عائدة الى الملاعب والمنائر والمقامات،

 لكن الباشوات ،

 والجنرالات ،

 وتجار السوق السوداء ،

 أخذوا حفنة من ضوء عينيّ ،

وتركوني وحيدة في الزقاق

 

يا فتيان الشعب ذي الشعر الاسود ، عندما رآني المليك مكلّلة بنوري الأسود،

 استحيا من نفسه، وتنازل عن أسمائه المائة.

احيقار ... ،

أيها الحكيم " أحيقار" :

من يحاصر حصاري ، بعدما اطبقوا حصارهم

على بابل وميسان

من العراق ..

 الى العراق ؟.

 

* * *

أنا مريم العمياء ،

 صحيفة المطر،

 كتاب الأوراد، وكلمات التلقين

آه آبائي : .

 سرقت امريكا نورعينيّ، ورماني الجنود في زقاق لا نافذة فيه.

 

لا سلطان عليّ إلا نوري .

أنا الموجوعة الحزنى،

 طريق إبصاري مثل لحظات جلجلتي،

 ولا شيء يواسيني  سوى هذا النور الذي ارتدى قميصاً أسود.

 

ليأخذوا مياه دجلة.

 ليكتروا الحدود والآفاق والثيران.

 لكن ـ يا شعب النخيل والماء ـ اتركوني وحيدة

 لأرى في نوري الاسود ، ما لا يبصره الغزاة

 في قيظ تموز.

 

خذوا الغلال والفلوات ،

 بقايا الدعوات والسرر السود.

 لكن ـ يا شعب العَماء  ـ اتركوني مع نوري الأسود ،

لأرى الغراة ،

ويراني الغزاة ..

 

* * *

لهم اناشيد الحرب،

 التبر والتراب،

 الليل والنهار، السهول والأهوار،

 أنواط الشجاعة

 وصراخ الإذاعة،

 

 يا حيدرة ! ..

 لم تتركني وحيدة ؟

* * *

حتى لو بلغتُ آخر العمر،

 أو قذفت بي مديرة الملجأ خارج السور.

حتى لو أغلقوا النافذة الوحيدة في قلبي،

 أو دهنوا سور مدرستي بالقار.

سأهتدي إليك يا نوري، صارخة :

 علي،

يا أبي، لا تتركني وحيدة.

* * *

أنا مريم ابنة حيدرة !

قلبي مقبرة أطفال

ونوري الاسود سياج العراق

 

* * *

أخذتم نور عينيّ، وآبار البترول.

 توشحتم بالخناجر والنياشين،

سرقتم صريخ جلجامش.

 عرضتم النخيل في سوق النخاسة،

اختطفتم سومر وبابل ،

 لكنكم لم تستطيعوا تجفيف بحيرة الضوء الأسود

 في قلبي .

 

يا قلبي!

 كيف أبدو وحيدة،

 وفي قلبي ينعس أبي ،

 وتتشمّس قطط عمياء في ذاكرتي؟

 

حبدرة !

يا حيدرة..

ماذا أبقيت لي غير الرضا والمشاهدة ؟

* * *

أنا مريم العراقية،

 صَيَّرتني شمسُ السماوة ، غزالة يطاردها اليورانيوم ومفتشو الأمم المتحدة،

 لكنني ما زلت سوداء مثل شمس بلادي.

يا أبَهْ :

 مزّق كفنك، واتبع شمس العراق ،

 التي مثل نوري.

 

* * *

غداً، سوف أستيقظ على مواء قطة صغيرة عمياء،

 فألقي عليها بورق الأس والورد الجوري،

 ونذهب معاً الى النخلة الوحيدة المزروعة في قلبي.

 

حيدرة يا أبهْ:

 أنا مريم السوداء،

 في عينيّ نور أسود،

 وفوق رأسي شيّدتُ مملكة الظلام

ابة !

 ماذا تبقّى من مريم؟

***

 

 

يا من أخذتني مني، لا تردني اليَّ.

يا من لا أول قبلك، لأنك الاول، ولا تالي بعدك،

 لأنك المحيط،

هيمتني الأفلاك، فهمتُ بك،

 واستوحشتني الفلوات، فانثنيتُ طوع يديك،

أواه،

 ما أشقاني ، لأن الناس عرفوا حبي،

 وما أعظم سعادتي ،

 لأنني غادرت الكهف.

***

 

منذ دهور،

 حتى قبل أن تخلق الماء،

 أقف عند بابك، مرتقباً نورك،

 ومنتظراً تلك اللفتة الكريمة.

***

 

اخرج عليهم بقلبك

هذا زمن الخرقة والعصف والعسف

 وانتصار الدم على السيف .

نعم،

 لا خرقة إلا عاصفة،

ولا قلب تأدَّمَ بالحب، إلا باختيار العنف

اخرج عليهم ــ فُديت ــ هذا زمان الرقص والمشاهدة.

قل لهم:

  جَددتُ السفينة،

                  أكثرتُ الزاد،

                                    أخلصتُ العمل،

                                                 وخففَّتُ الحمل

 

***

 

اذا نودي على العاشقين، لم  يبرز سواك،

 خرقتك القميص، ودمك الفيصل

لا أحد يباريك في حبك،

 او يستوي كما أنت،

يا قلب القارعة!

***

 

تعالَ.

 أنحلنا السهر، وملّنا الانتظار،

  جباهنا علاماتنا، واشاراتك الرايات من كل حدب وصوب،

 وبينك وبيننا عمود نور،

 بين الركن والمقام.

 

الله الله في غربتنا،

الله الله في تكالب الزمان علينا،

الله الله في موتنا اليومي ،

من كربلاء الى كربلاء

ومن مبيان الى مبيان.

 

نفديكَ بماء العين،

ونمدّ قلوبنا بُسَطا لمقدمك.

نأرقُ لأنك تأخرتَ،

نجمع قراطيس شجرات عائلاتنا لنكتب حكايتك:

وندوخ ــ يابقية الله ــ لأن الزمان، أبطأك علينا.

 

***

 

أكاد أراك،

 يدي بيدك،

عند مسجد السهلة ،

بجوار محراب براثا ،

 قرب بطاح ميسان وأور ،

وفوق اسوار القدس،

 منصوراً بالرعب، مؤيداً بالنقمة.

***

 

عندما يتدُ المجنون قدمه فيى الارض،

يصبح ــ بمشيئة الحق ــ هو الأرض،

 فينطق الحجر، وتحمحم في السماء خيول الرعد،

وتعلن التكبيرة الوعد الحق

***

 

من يجهل النقطة

لا يعرف الخط

***

 

قال لي:

الواقفون على الابواب كثر،

 والجالسون عند الاعتاب اكثر، الهاربون اليه بعدد الحصا،

 والذين أحبوه لا مقدرة للبشر على احصائهم

 

 

***

 

حُبٌّ مُعْلنٌ

 

ولماذا يَتَكَتَّمُ المُحبُّ؟

كأن البحر، ماءنا، كان بستاناً من زرد،، حين كانت ميسان تنتبه إلى اكتمال جمالها، بعدما استفاقت من القيلولة، وتذكرت ذلك الأمس الذي استدعاه أبناؤها إلى يومهم هذا، كما كان يفعل حراس الماء منذ قرون.

في ذلك العصر، بعد تلك القيلولة، قرأ الماء على رؤوس الأشهاد، كتاب الضاد.

أما بالقرب من عتمة الأرباض الشفيفة، بين شارع المعارف، والمعبد اليهودي، قرب الكنيسة القديمة، فقد كانت جسوم الإبل تطلق تلك الرائحة التي يكاد حادي العيس يلمسها بأصابع قلبه.

لماذا تحن الناقة، يا كوثر أرضنا؟

وعلا صوت الهاتف: “تعال، أخي، إلى كوثرنا الذي أعطيناه، مثل نعمة، بين الأمل والرجاء، وهو كان في البدء كلمة على لوح في الماجدية، وها هو الآن شجرة باسقة، أصلها يندفع عميقاً في ضمير الأرض، ويعلو ساقهاا عالياً، وعالياً ، حتى ذرى الأعالي، فوق بستان الماء”.

وحين هبط الغروب، مع صوت المؤذن، قلت: إنه الفجر.

تلك هي ميسان، محيط العزير وماني ويحيى وغلي، تجالس تاريخنا على هذا البحر العربي، وتتذكر.

كيف تحلم مدينة، جذورها في “الطيب”، وقلبها بين الرمل والماء، وكفها تطوف بين بساتين دلمون؟

ها هنا الإبصار الشديد، الذي من شدّته، تقدر على رؤية شجرة سدر تطلع من بين غابة اسمنت، أو في برحيّة تركت جدائلها حرة، كما لو أنها خبيئة عمرها ستة آلاف سنة !.

من هنا، ولم ينتهوا عند مزون، تقدم كواثر الأرض نحو بستان مائنا الذي نخيله زرد، وأطياره أحلام حراس الأرض والشط، وصولاً إلى قمة تقود إلى قمة تالية، كما هي الموجة وليدة موجة تالية، بينما هوادج الأرض تردد أناشيد الصبر والكبرياء والشجاعة والأمل.

لقد كتبوا على الماء، على ماء من زرد، نشيد المقاومة :

 

من ينسى حرائق الهور؟

من لا يتذكر الشايب الأعمى في ناحية السلام؟

من ينسى مسيرة الفراتيات في ذكرى زيارة الاربعين؟

مدينة بمستوى تاريخ.

ألبسها تاج الفخار، أبناؤنا الشعراء، وأهل الرأي، والناطقة قلوبهم قبل ألسنتهم، هياماً بالحسين.

وبين سدرة وأخرى، يعلن عن هويته البلد الأمين، ويقبل بستان الماء نحو كوثر الأرض، مثل أخوين التقيا بعد فراق.

 

يا منديل يعقوب.

ويا بلداً أوسع من الدنيا.

رَمدتْ أعينٌ لا ترى فيك الكوثر، والأرض، والبستان، والماء

ميسان ،

يا كتاب المعرفة ،

وجِفْرَ المقاومة .

 

7

 

 

متوغل في تلك المعرفة / سكران في مشاهدة انشقاق السماء / ضاحك لانهداد الارض / مفتون بالوجه الذي صار انا / لابِدٌ في الكلمة التي سقطت عليّ فآخترتها كما اختارتني / نزعتُ عن جسدي قميصكم : صرتُ كما يشاء واشاء/ تجولتُ في التضاريس والحياة والانواء /

 عند ذاك رآني بعضكم وردة / واسماني آخرون المقتول.

 

لا بأس عليكم

تعالوا من هاته المطارح

او اقدموا من ابعد نقطة في الزمان

سأستغفر لكم .

 

اهبطوا على دارتي بمركبات التحالف الدولي ، وركائب الحديد المدرعة

اشتموني في اسواق العامة

ارجموني بالكلمات والحجارة

انا ساقي الخمر في ليلة القدر

قولوا عني ما شئتم

فلن يفيد ذلك في شيء

لانني نزعت قميصكم

وغادرت مقاسات السوق

وهجرت حراس الزمن الدنيوي

واختصمت مع قطبي الجدل

وخرجت من جسدي.

 

كاني سعدون المجنون ، في حلقة المصري ذَنُّون  :

ـ يا ذا النون ، متى يكون القلب اميرا بعد ان كان اسيرا ؟

ــ اذا اطَّلعَ الخبيرُ على الضمير، فلم يَرر في الضمير الا الخبير

 

السلطة ـ يا حكمة الشامي ــ 

هي السلطة ،

في خطبة الجمعة ،

في نشيد الصباح داخل الحرم المدرسي ،

بين اسطر افتتاحيات الصحف الحزبية ،

في الدستور المؤقت ،، او الدستور الثابت ،

تحت قيادة الحزب الوحيد والواحد ،

او في اهاب الجبهة الوطنية ،

وائتلافات الطوائف ...

 

فحذار ....

حذار يا مجنون الزمان ،

من مصادقة السلطة .

وحذار يا مجانين العصور من رعايا  محتلي اليشــن .

 

ــ 8 ــ

زينب ،،

سومر ،، التي هي جسدك ...

محتلة ،

زينب ،،

الجنرال" شمر" بزيّه الامريكي ،

محاطا بمعاونيه من بقايا احزاب المعارضة المشتراة ،

وبقايا اعوان السفياني

يحتلون جسد قمر بني هاشم

ويسكرون  في براثا

وحدي ،

في زرقة روحي ، اجالسك ... وروحي

9

 

رُؤْيا الزَّوْرَقِ الذَّهَبيّ

 

في الزرقة الشفيفة ، تجلس السيدة ، في غيهب طاحونة الموت ، تغزل صوفها انتظارا لمجنونها الاخير ، وترسم في مرايا قلبها  صورا محطمة ، ثم تسأل : ماذا كان سيحدث لي لو انني لم أولد في هذا العصر، أو كنت زهرة برية منسية ، حيث لا أسمع أنين الطوفان ، ولا احترق ألماً وانا ارى صورة المجنون ، تصرخ في وجهي  :

 ـ زينب ، من ترك اليشــن نَهباً لخيول الغزاة ؟

وفي تلك الزرقة ، في الكوخ شبه المهدم ، حيث المساء يعج بالفراشات والرسائل البريدية ينقلها راكبو الهجن  ، ترتاح السيدة الى الجدار المجدور ، وتتلو الشهادتين . وقبالتها ، من عند الصورة ، يخرج المجنون ، ليقف في وسط الكوخ ، ويعلن بين يدي سيدته :

 ـ  لا ابرأ من محمد والدين فقط ... بل ابرأ من نفسي ، اذا سمحت لاي كائن  ان يمنع جنديا من توديع امه ، وهي تنطق بالشهادتين .

 

اسأل نفسي :

ماذا تصير الفراشة ، متخلية عن جناحيها

البلبل العراقي ، متخليا عن تغريده

الغربة عن الشرف

والطريق عن الرفيق ..؟

 

الصديق عن الصديق

الماء عن عنصريه

الرسول عن الرسالة

الدموع عن البكاء

الفارس عن سيفه

والقصيدة عن الشعر .....؟

 

حسنا أيها الوقت

لن أغلق نوافذ  قلبي

لن أغلق مسامة واحدة في جلدي

ولن أقيم اختصاما بين الماء وعنصريه

 

10

أتذكرك

فأمد قلبي اليك يدا

يا قلبي ...!

ها قلبي اقدمه لك مثل صرّة

خذيه قرط لاميّة من ميسان

او محبرة .

 

خذيه ..

صندوقَ عُرسٍ

صَحنَ كُحلٍ

او سريرَ مرود .

 

خذيه ..

منديل زفَّة

او  " بُقْجَةَ "  خطوبة ميسانية .

ها قلبي  ، اليك مدّ يده !

11

بعدما تناولنا شاي العشاء

ادنى البحر فمه مني وقال :

 ـ الق عصاك ،

وكنت انت ، سيدة الديوان ،

عصاي ،

 وكلانا البحر ،

والقيامة .

 

***

 

قيامتي ،

طفولتي ،

الانهار والاهوار

وارتحالاتي .

لا مثوى لي الا اعشاش العنادل ،

يا مثواي وسدرتي .

 

انا سمراء ميسان ،

هوسات الماجدية ،

انا حنين القصب ،

ومنبع انين الصّحين ،

ولدت، وبين اصابعي ، ازهرت

صولجانات اور ،

ومظاهرات الطلاب .

 

أنا سمراء ميسان

لي بيت في " الميزرة "

 وعَمٌّ في معسكر الرشيد

اسمه : حِسَن بن  سْرَيَّع .

حِسَن ،

يا حِسَن ،

من سلمك إلى فالانج الحرس القومي ؟

 

هذه قيامتي ،

العاصمة ،

الشاكريَّة ،

واطمار الفقراء .

قيامتي ،

اقمار الفقراء .

 

آه قيامتي ،

وحدي فزت بتقبيل ازار الكعبة ، عندما اعلنت حربي على نفسي ،

وحين بكيت شوقا

الى قبلة عند خط نحره ،

بعد صلاة الوحشة .

 

آه ميسان ،

انا سمراء الماجديَّة ،

 وحدي خضت حروبكم ، وليس معي الا زوادتي ، وخنجري الميساني ،

 بينما كنتم تلاعبون سنوات المال والقدرات المشتراة والسلطة المفترضة .

 

وحدي ، انا والحب ،

يلاعبنا الهوى والويل ،

فينهمر من ارداننا الليل .

 

قيامتي ،

طفولتي

النخيل ..

وكُوتُ المطبعة .

 

وطني مذود !

وفي الطريق الى ميسان واوروك ،

شافهني ابن آزر ، قال :

تقدم ، فُدِيتَ يا روح سومر ،

ها هو يرحب بك الآس والسدر والنخل ،

البردي والقصب والسِّعدُ والدَّيْرَمُ

الدَّيْري والبَربَنُ والطلّيع ،

داحي الباب ،

الكُمَيتُ ،

وسَيِّد مْحِمَّدْ ،

الزقورة والهاشمي والبصراوي ،

مسعود العمارتلي وداخل حسن ،

فَدْعَة ،

ولقالق القُشْلَة .

دمُ القامات

ونحيبُ المنابر ....

 

يا صَفْنَةَ النخيل ساعة السحر ،

يا فيلق العنادل ،

 انت مذود الوطن

وانا هزار ميسان 

 

 

12

 

 لك أيتها الميسانية ،  نوافذ  القلوب وشوارع الروح .

ابتهالات الاجساد التي بلا رؤوس ، وصبر الاقدام التي تبحث عن اصابعها ،

 حلوى الاطفا ل المنفين ، وهاجس الموت يزامل الوردة في باكورة الفجر .

للسومرية .

 للمليكة الطريدة ،

 الحزينة ، الضاحكة ، المسبية ،

 المتهودجة ، بين ميسان والمنائر ،

 حملنا خبز الصباح الجنوبي ، اسمر مثل نصل لم يستخدم بعد .

وللميسانية ،

 قوس تقوّس كاستدارة عينيها .

ولها ، نوقد شموع الفرح ، عند كل طابوقة من اسوار اوروك وبابل ونينوى .

وللسيدة السومرية ،

للمحناة بتراب ميسان ،

تنحني الراية الحمراء  على سنام قبة ضريح الحسين :

            يا شُبَيْر

                       ياشُبَيْر

                                           يا شُبَيْر

الشِّمْرُ الامريكي ،

 بعد السُّفياني الاهلي ،

يزني في كربلاء

والغزاة يحكمون  اليشــن !!

 

***

سيعلن المجنون كما كان جدي يكبّر ، في صبيحة هذا اليوم،

اليوم الأكثر اشراقاً في تاريخ وطن الماء،

 اليوم الذي وجدت فيه برديات الحرية :

 

يا ناس اليشن،

مباركة أيام الحرية.

والحرية مذهبي، وطريقتي.

 

فتعال، أخي، من أي الاصقاع أنت، ومهما كان لونك، وأيَّاً هو اعتقادك، لنؤلف عصائب للحرية، وسفرا للثورة نكتب صفحاته بدموع أطفالنا التواقين إلى يوم لا مكان فيه للسجون،

وغدٍ لا دفتر فيه للجوع والخوف.

 

يا شعبَ اليِشِنْ،

 طوبى لمن خرج من داره اليوم،

مسلحاً بالكلمة،

متدرعاً بالسؤال،

مقترناً بهيبة الفن،

ومنذوراً لمصائر الشجعان.

 

طوبي لمن يخرج  للشِّمر الامريكي ،

كما خرج اجداده للسفياني الوطني ،

شاهرا مرديّه السومري .

 

يا شعب اليشِن ..

 الى المرادي ،

 الى الفالات ،

الى الفالات !

 

مرحباً، أيتها المقاومة.

ها هو ضمير اليشن، يحمل مصيره على راحة كفه اليمنى، ويقرأ على شعوب الماء والرمل ، مقولات العصر.

الحرية مراد الهاربين من أنفسهم إلى الله

الحرية دنيا الركّاضين منه إليه

الحرية نشيدهم في صريخ : يا هُوْ 

.. ياهو

         ...  ياهو

                           ....  ياهو

 

مرحباً يا هو ،  

يا راية  الحرية.

ليقل الرجل كلمته الآن، ولتعلن المرأة رأيها الآونة، ولينطق الطفل الحروف المقدسة، كما لو أنه ينطق للمرة الأولى باسم ابيه : حُريّة.

 

مرحباً، ايتها الحرية.

من هذا القلب إلى ذلك القلب، ومن ذلك الماء إلى هذا الماء:

 لا ميسـانيّ إلا والراية الحمراء قميصه.

 

مرحباً، ايتها المقاومة.

ايتها الراية التي لم تُنكّس، ولن تنتكس.

العشاق المعاميد، الفقراء الأحرار، الشعراء ونظراء الكلمة، الموعودون بملاقاة تاج الزمان، المبشرون بميلاد الحق من أعالي الأطلسي حتى ذرى التيبت،

 امتشقوا أقلامهم، وترسوا محابر أقلامهم من سُوق اشجار الفردوس،

وها هم الآن في ساحات القرى،

عند جسور المدن،

قرب الكواكب الاثني عشر، وما بعد الثقوب السود كلها،

ينشدون باسمك ... ايتها المقاومة

 

مرحباً، أيتها الميسـانية

يا امرأتي الموعودة، وصديقتي المتمناة، وفردوسي الأخير،

لم يعد غيرك سلوى،

أنت الحصة ما بعد السادسة في كتاب صلواتي،

وأنت تاجي الذي منه كلماتي.

 

مرحباً يا صريخي ،  

مرحبا  ،،  

يا رب اليشــن

 

 

***

 

القبائلُ عند ايْشانِ اُمِّ الهِنْدِ

 

نقلت زينب الراية الحمراء إلى يدها اليسرى، وتقدمت بيدها اليمنى إلى نافذة بوابة العالم السفلي، وفتحت النافذة رويداً رويداً، فأطلَّت الحيَّات برؤوسها ، واشْرأبّت العنافيش بذرواتها ، وعاطت الخنازير البرية، وسخطت الثيران المجنحة عند قيامة بابل، وزأرت الاسود، وصرخت الجوارح من كل نوع وصنف ولون، فقال القائل باسم الاسود : لبيك ، زينب.

 وأعلن امير الجوارح : يا سعدَيْكِ ، زينب .

 ثم ظهرت المسوخ التي كانت مربوطة بامر ربك حتى هذا اليوم . مسوخ كان الناس يسمعون انينها حين يمرون بالقرب من اليشان على مرّ الدهور والعصور ، وأعلن شيخهم : مرحبا بيوم الفصل .

عند ذلك اعادت السيدة الراية الحمراء الى يدها اليمنى ، ورفعتها عاليا ،

 عاليا في السماء ،

 عاليا وعاليا في السماء ،

حتى خلنا أنها لامست قوائم عرش الله ،

 ثم قالت :

 

لا يُنْكرني إلاّ جاحدٌ.

أنا سَوْسنةُ القدسِ والكوفةِ،

 راياتُ أبي في سامرَّاء وتطوان ودَلمون.

 راياتُ أبي وسيوفُ حبيبي وبيارقُ ابنائي في يَثرب وبِنتِ جُبَيْل.

 

لا يُنكرني إلاّ جاحدٌ.

أيتها البُروقُ والرِّياحُ،

 يا الجُنودُ السَّماويّون السَّائرونَ مع تُرابِ شِسْعِ أبي:

 ماذا ستقولُ الدِّماءُ للأعناقِ المقطوعةِ،

حينَ يخرجُ الناسُ منْ قبورهم ، وتكون الجبال كالعِهْنِ المَنفوش؟

 

كيفَ سينظرُ في وجهِ أبي الخونةُ؟

أنا كَوثرُ بغداد، وقَمرٌ على بيروت،

 انا ثُريَّا العُرْب والناس،

 حَيثُ لا فتى إلا مُغاور،

ولا راية عراقية ، إلا الراية الحمراء

فكيف سينظر المارقون في وجه المنشق الميسـاني؟

 

انا المنشق الميساني

أعرفُ أن دارَ الحُكمِ إلى تَبدُّلٍ.

أعرفُ أنهم صلبوا مَيْثماً عند بوابة الكوفة.

أعرف أنَّ الأميرَ الامويَّ صلّى العَصرَ جَمْعاِ وقَصْراً، ثم ذبح أبنائي،

 وتصدّق على سيّافيه.

 

أعرفُ أني أعرفُ نفسي، كما أرى الله.

اعرفُ انه يَعْرفُني ،

أعرفَ أني أعرفُ الجاحدينَ، وسماسرةَ السوقِ،

تُجارَ العملةِ السَّوداءِ عند ساحة الكرملين،

زَبائنَ البَنكِ الدوليِّ،

مُرَوِّجي شهاداتِ الحكوماتِ الكارتونية،

 وسلطات حكوماتِ المَوزِ الأسلاميّةِ.

 

أعرفُ الارهابي

أعرفُ المثقفَ المُتواطئَ.

وأعرفُ السياسيَّ المُباعَ.

 

أعرفُ البائعَ والشّاري،

أعرفُ خَونةَ أبي، مثلما أعرفُ دناءاتِ حديثي النِّعمَةِ،

اعرفُ نذالاتِ السوقةِِ،

الخطباءَ الجَّهلةَ،

 أعرفُ مُفتي البنك الرَّبَويّ ،

وأنا الذي حاربت أئمة الطوائف ، فاشهدي عليّ

يا ميسان

 

يا دارةً في بغداد وعامِلَة

 يالقاهرةُ الفاطمية الزهراء.

أيتها الأزقةُ التونسيةُ، تعْشبُ عند أردانها أشواق الفاطميات.

أيتها الشقائقُ الحُمْر، عند أضرحة السَّعديين بمراكش.

أيها المُقيَّدونَ إلى الوعد في دَلْمون،

 القابضون على الجمر في الخليل وغزة ومدينة الصدر وعيتا الشعب والأعظمية.

يا أحبابَ أبي،

يا أحرارَ العالم

 ياإخوتي في الإنسانية.

يا أطفالَ الصلواتِ ، والتكبيرة الخالدة.

 

هذا رَبيعُنا الرحيمُ.

هذا رَبيعُنا القاسي،

 حيث تلتفّ السّاقُ بالسّاق،

وتشتبكُ السوقُ بالسوق،

 فقيل طوبى للنصر

وطوبى للمقاومةِ.

 

اليوم هذا نَشيدُنا :

يا مُحتلي بلادي ،

 يا خَونة العِراق.

...... أيْنَ المَفَرّ؟

 

 

 

***

 

مثلَ شَهيدٍ حُنوطهُ عُرْيه، وَكافورُهُ دَمهُ: هكذا أنا، لا يستطيع قلبي نسيانكِ.

وَمنذُ حِقبٍ، بَلْ منذ دُهورٍ،

بَلْ قَبْلَ العَدَمِ، كُنتُ أنادي على الخَلْقِ:

لَيْسَ بَعْدَ اللّه

إلاّ العراقْ

 

 

أتشرفُ اذْ اعلنُ : أنا عِراقِيّ.

لأنَّ الكلامَ بينَ يديك، ينادي: عِراقْ

والفُرات يَصطخبُ: عِراقْ

وسومر تزغرد: عِراقْ

وها هو الجَمالُ، يا عِراقٌ، بَعضُ جَمالهِ

مِنْ جَمالِ العِراقْ



 

 ادْفُنوني بينَ نَخْلتينِ

 في مبسان .

نَجمةٌ في كَفِّ زَيْنَب،

وأخرى

على جَبينِ الحُسَيْنِ،

قَمَرٌ على بغداد،

قَمَرٌ يُرتِّلُ آياً مِنْ كتابِ الكونِ

قَمَرٌ يبكي، ويضحك

ويغني:

ليْسَ بَعْدَ الله،

سِوى العِراق

 

 

تعالَ، يا حلم روحي

أكادُ أراكَ، بعد دهور من النَّفي

مثل هَفيفِ قُبلة

وحيث تقعد السيدة الميسانية،

تنتظر

مجنونها الذي غيبته الحروب

 

 

اقتربتُ منك، حتى توحدنا

أنت قصيدة الكون

وآشور قيثارتك، وحنينك

وتلك هي المنفية خارج حدودك، التي شاهدت أطفالها يغرقون في محيطات القتلة.

تنادي:

منصورة .. يا .... ميســــان !

 

 تلك هي البلاد، تطلع من "ايشان ابو الذهب"

مَدينة العِلْمِ التي بابها عَلِيّ،

وحيث يُنشدُ بَحّارةُ القاربِ الذهبي:

 

حَيْدَرَة

    يا حَيْدَرَة

             يا حَيْدَرَة .

                           مُقاوَمَة ،

 

                          مُقاوَمَة ،

 

                         مُقاوَمَـــــة !

 

 

 

 

** ــــــــــــــــ  **

 

 

 

انتهى كتابُ ( عُيونُ  زَيْنَب )

ويليه :( خطبة الكتاب )

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الخُطبَة

 

 

 

أُناديكِ باسْمِكِ

أنتِ ميسان ونوش،

انت الحرية !

 

بقُوَةِ كلمةٍ

أستَعيدُ حَياتي

وَهَلْ وُلدْتُ ألاّ لأعْرفكِ

َوأُسَمِّيكِ

يا حُريَّة !

                          (ايلوار ـ مخاطبا " نوش")

 

1

واقفة فيً ،

أيتها المَليكةُ ، والفَقيرةُ ،

 الِبنتُ التي تَحلمُ واقفةً ،

 بينما قَلبُها يَهدي إلى الشَّعبِ الأمانَ والحُريّة.

انت نوش وميسان

وانت عين ميسان ، قبل ان يخلق الله ميسانَ

في هذي البريّة .

 

مَعي ، مَعي

حيثُ أسافرُ ، وحينَ أعودُ

أنتِ دَورةُ الأرضِ ،

وُجوهُ القَمَرِ

واكتمالُ الفُصول .

 

أنتِ وحدكِ التي تعرفني ،

حيث تُنكرني الوجوهُ ، واضاع الفتى النبيلَ ،

سماسرةُ الاحزاب .

 

2

 

واقفة فيً

مَدفونةً معي في طوف البستان

أنتِ مَعنايَ في " نقرة السلمان "

ونداءاتي على الحياة في " سجن الحلة ".

 

أنتِ صمتي ،

وصبري ،

وصبوتي ، في " باستيل بَعْقُوبة "

حيثُ خانَ الخائنون

وانزوى بعيداً عنِ الحَشدِ ، النُّبلاءُ

 

3

 

 

واقفةً فيً

شعركِ الأسود يُعيد تشكيلي

ونُعاسكِ فَضاءُ يقظتي .

انا في نعاسك حلمك بي ،

بينما في شرايين دمي ، تتشمّس سباع بابلية .

 

أيّتها الكلماتُ والأفكارُ

يا نافذةَ الكونِ الوحيدةَ على رُوحي .

 

مَرَّتْ حِقبٌ

وَهَربت دهورٌ

ولا أزالُ انتظركِ ، أنتِ ونُعاسكِ

حيثُ يقظتي الأبديّة ، بانتظاركِ

 

4

واقفةً فيً

عِندَ قَلبي الذي هُوَ أنتِ

وفي مَساراتِ دمي

ومعَ كلّ دَمعةٍ مِن ضَميري

وفي اصطباري على ابتلاءاتي

وخَجلي مِن نُوري

 

 

5

واقفاً فيكِ

قلبي مَتحفُ التُّرابِ

وحيثُ لا أحدَ حَولنا سوانا ،

" اسميكِ :

نوش وميسان

اسميكِ

 الحرية "

ــــــــــــــــ

نوش : زوجة بول ايلوار الالولى ، وهو كتب قصيدته

عندما كان في صحبة صديقته الرسية غالا ، التي كانت

زهرة السورياليين .

 

انتهت ( خطبة الكتاب )

ويليها :

كتاب ( عيون زينب )

 

 

****

****

تم الانتهاء من كتابة هذا النص في :

31 ـ 12 ـ 2009

 

===

 

 

إشارات

( 1 )

يتحرك هذا النص ، من حيث رموزه وشخصياته وثقافته ، في فضاء " مملكة ميسان التاريخية " ، جنوبي العراق . وتمتد أحداثه الى سوريا الكبرى ومناطق أخرى من كوكبنا ، كمل يرد ذلك تصريحا أو تلميحا . والثابت الآن أن ما نسميه " دولة ميسان التاريخية " نشات في جنوبي أرض بابل ، تحت حماية السلوقيين ( 311 ق.م – 247 ق.م ) . وعندما ضعف شانهم في الفترة الواقعة بين عامي ( 223 ق.م – 187 ق.م ) ، نالت استقلالها وتدرجت في سلم القوة حتى اصبحت دولة مهمة ، حكمها ثلاثة وعشرون ملكاً ، على امتداد ثلاثة قرون ونصف القرن . وأدت دورا بارزا في الأحداث السياسية والاقتصادية في خلال الفترة من منتصف القرن الثاني قبل الميلاد إلى الربع الأول من القرن الثالث للميلاد.

 

(2)

ميسان

ميسان – لغة – من الفعل : ماسَ ، يَميسُ ، مَيساً ، وهو التمايل والتبختر . فتقول تَمَيَّسَ الرجلُ: مشى وتبختر. فهو : مائس ، ميّاس ، مَيسان ، ومَيوس.

وميسان وردت في اللغة الإغريقية بصيغة : Mesene ، بينما في الآرامية : ميش ، أي المدينة المُسوَّرة . وفي اللغة السريانية : ميشان . وفي العبرية : Mesun . أما في الكتابات الأرمينية القديمة ، فجاءت بصيغة : ميشون ، Mesun

وسُميِّت ميسان باللغة الفرثية : ميش ، وميشان . وورد اسمها في التلمود البابلي : ميشا.

(3)

العمارة

مدينة العمارة ، مركز محافظة ميسان بعد تأسيس الدولة العراقية . وهي عُمارة ، بضم العين والمقصود بذلك ( عُمارة بن حمزة ) الذي عينه الخليفة العباسي أبوجعفر المنصور ( 136هـ - 158 هـ ) على كور دجلة الذي يشمل ميسان ودستميسان وأبرقباذ ، وضمت له ولاية البصرة وما تبعها.

والعمارة ، دار هجرة عائلتي من منطقة على الغربي . وبها محلة ( الماجدية ) مسقط راسي، التي بُنيت سنة 1940 في عهد متصرف " لواء العمارة " ماجد مصطفى . وذُكر اسم العمارة ، ونهر العمارة ، وكوت العمارة ، في مؤلفات قديمة لا تقل عن الخمسة عشر بين مخطوط ومطبوع ، بينها العربي والتركي والفارسي والايطالي والفرنسي والبريطاني.

ووردت أخبار العمارة ووقائعها وأحداثها في كتب عدد من الرحالة الأجانب . منهم الرحالة سبيستياني في سنة ( 1656م ) . وذكرها الايطالي ديللافاليه في رحتله الشهيرة إلى العراق سنة ( 1615 م ) ، حيث شهدت بغداد بعد تلك السنة ، إحدى أعذب قصص الحب وأشرفها ، بين هذا الشاب الروماني ، وفتاة عراقية من أسرة مسيحية ، هي السيدة معاني بنت حبيب جان جويريدة.

وافرد لها الكاتب والرحالة البريطاني السير ويلفرد ثيسيجر ، المعروف في منطقة الخليج العربي باسم : مبارك بن لندن ، كتابه القيم : "عرب الأهوار" . وسار على هذا الدرب زميله "كافن يونغ" ، في كتابه : "العودة إلى الأهوار" . اما الضابط السياسي البريطاني في مدينة العمارة : هدجكوك ، وزوجته ، فقد افرد للعمارة كتابا بعنوان :"الحاج ريكان – عرب الاهوار".

ـ شارع المعارف : شارع مهيب في المدينة . بيت المكتبات . مثابة المعبد اليهودي . الشاهد على قصص الحب . عنوان المقاهي الفريدة.

ـ مسعود العمارتلي : فتاة من الاهوار ، تزيَّت بزي الرجال ، وصارت مغنية معروفة .

ـ داخل حسن : مطرب مدينة الناصرية المعروف ، الى جانب حضيري ابو عزيز وناصر حكيم .

(4)

اليشـن

سكن في ميسان أقوام عديدون ن بينهم السومريون والعيلاميون والمندائيون واليهود والعرب . واستوطن بها أناس من إيران وشبه الجزيرة العربية والهند والكرد الفيلية . واعتبرت مثابة مثالية لأفكار العدالة المثالية في العصور القديمة ، كما في الأزمنة الجديدة.

ثمة الكثير من المواقع الأثرية في ميسان، حيث يبلغ تعدادها 226 موقعا إلى يومنا هذا ، تعرض بعضها الى حفر عشوائي بحثاً عن اللقى الاثلرية من الذهب الذي تدور حول وجوده قصص وأساطير، وبخاصة في ( اليشن ) ، التي مفردها ( ايشان ) ، وهي كلمة سومرية تعني المرتفع أو التل الذي يحتوي اثارا. وقد استخدمت فيما بعد مقابر للأطفال . كما تم العثور فيها على عدد من الأواني الفخارية والخزفية المزججة التي يعود تاريخ بعضها إلى " عصر الوركاء " الذي استمر إلى 3500 ق.م

ويتداول الأهالي الميسانيون قصصا وحكايات حول هذه ( اليشن ) فيقولون إنها بقايا مدن غضب الله عليها فأحالها وأهلها ركاما . ومنها ( ايشان أبو الذهب ) الذي يتسلل منه "الزورق الذهبي" كل اربعين جمعة ، متجولا في انهار مملكة ميسان . ويقول بعض الأهالي أنهم يرونه باستمرار ولا يتعرضون له ، لان الذين فعلوا ذلك من قبل، تعرضوا الى عقوبات طالت حياتهم وحياة عوائهم وأرزاقهم.

وفي قضاء الكحلاء هناك أسطورة ( ايشلن أم الهند ) التي تتعلق بالعالم الآخر أو "العالم السفلي " والموت والعقاب والثواب ، فهذا ( اليشان ) يُعدُّ نافذة على هذا العالم . ويقول الأهالي أنهم حين يمرون به في بعض الليالي، يسمعون استغاثات الموتى الذين ارتكبوا آثاما في حياتهم اوظلموا من حولهم. ولذلك فهم يعاقبون على أفعالهم تلك في الحياة الأخروية.

اما ( كنز حفيظ ) فهو أشهر من نار على علم . وقد تحدث عنه نقلا عن السكان بعض الرحالة الأجانب الذين أدهشهم عالم الاهوار وسلالات السومريين والميسانيين ، التي لا تزال تعيد إنتاج تلك الأسطورة . وهذا الكنز هو كمية هائلة من الذهب والمجوهرات يحرسها الجن وكبيرهم ( حفيظ ) ، وقد كتب عنه الرحالة ماكسويل حكايات مثيرة في كتابه ( قصبة في مهب الريح ).

 

+++

في سنوات سجني التي استمرت نحو ست سنوات متصلة ومتواصلة في اغلب سجون العراق ومنها : معتقل معسكر الحبانية , معتقل مقر الانضباط العسكري ببغداد , موقف مدينة الديوانية , موقف السماوة ، سجن نقرة السلمان , سجن الحلة المركزي , سجن بعقوبة , سجن الموصل , موقف مديرية الامن العامة ,...  قادتني تأملاتي الي التفكير في هذه المنطقة التاريخية التي زارها الاسكندر المقدوني , وبنى فيها مدينة "الاسكندرية" العراقية : "الكرخة" , حاليا , الي تاسيس " مدينة مفترضة " سميتها : " مدينة اليشن "  التي اكتملت في مجموعتي القصصية الاولى : " من قتل حكمة الشامي " ، التي كتبتها  بين السجون والحرية , وابقتها الرقابة الحكومية زهاء خمس سنوات داخل ادراجها ، الى ان أُطلق سراحها بعد حذف قصة : "وثائق للوحشس" التي اعدتُ ضمها الي المجموعة القصيصة الاولى , في طبعة " الاعمال القصصية" الصادرة عن : المؤسسة العربية للدراسات بيروت سنة 2004

وصارت "اليشن" في كتابي القصصي الثاني :"اليشن " مدينة كاملة يحكمها " مجلس علماء " له رئيسة ، وجهاز امنه , والناس الذين تحت حكمه المتسلط . ثم هؤلاء  الاغراب عن المدينة ، الذين كانوا يعدون العدة لغزوها من الخارج ، بالتعاون مع نفر من الاهالي المتعاونين معهم ،كما ورد ذلك في رواية : " المقامة  اللامية " ، او احتلالها كما يبدو واضحا في نص : " عيون زينب " .

وفي " اليشن " ثمة المعارضون والشهداء والمجانين والعاهرات , والشحاذون والانتهازيون والجواسيس والجنرالات والمغلوبون على امرهم.

(5)

كربلاء

كربلاء تعني : الحسين بن علي بن ابي طالب ( رضي الله عنهما ) , شهيد الواقعة المرتبطة باسم هذه المدينة. وجاء في (مروج الذهب) للمسعودي انه تمَّ بناء وتجديد ضريح الامام الحسين ، من قبل "عضد الدولة" بن ابي الحسن بن علي بن ابي شجاع البويهي ، الذي بنى بجانب القبر مسجدا ، كما شيد دورا للسكنى . وهكذا اخذت المدينة تتوسع شيئا فشيئا . ولم ينقض القرن الرابع الهجري الا وفي كربلاء زهاء (2400) نسمة من الاسرة الهاشمية الشريفة فضلا عن غيرهم من العرب المسلمين.

واستغرق بناء الحائر الحسيني _ قصبة كربلاء , زهاء ثلاث سنوات حيث تم البدء في البناء سنة 369هجرية .

ولاتزال الراية الحمراء مرفوعة على قبة ضريح الامام الحسين الي يومنا هذا . وكانت العرب في ايامها القديمة , ترفع علما احمر على ذروة خيمة الشخص القتيل ظلما وغدرا , ولا يتم انزال الراية  تلك , الا بعد الاخذ بثأر ذلك القتيل .

وارتبطت كربلاء في العصور الحديثة ايضا , بفكرة المقاومة والحرية . حتى قال القائل :" كل يوم عاشوراء , وكل ارض كربلاء ".

في النص , وبجوار كربلاء  , يعيد النص حكاية مدن الحرية والمقاومة جميعها ـ زينب ,هي سيدة الديوان , الشفيعة , والسيدة التي حفظت نسل بني هاشم ورسول الاسلام .

ـ العباس : هو العباس بن علي بن ابي طالب ( رضي الله عنهما ) ، قمر بني هاشم ، وشهيد كربلاء . مدفون بجوار قبر الحسين ، ويحظى باحترام خاص لدى العراقيين .

ـ مسجد السهلة : مسجد تاريخي قرب الكوفة .

ـ جامع براثا : جامع شهير في بغداد .

ـ ابوتراب ، داحي الباب ، الابجر : من اسماء وصفات الامام علي بن ابي طالب ( رضي الله عنه ) .

ـ الشَّمْرُ : الشَّمْر بن ذي الجَّوْشَن ، احد قادة الجيش الاموي الذي حارب الحسين بن علي في كربلاء . وهو الذي شارك في ذبح الحسين ، وسار براسه الى الشام . وبعدما مات يزيد بن معاوية ، قتله جند " المختار الثقفي " ثأرا للحسين بن علي .

 

(6)

قصر النهاية

 

 منزل صغير شيده الامير عبدالاله ، من دور واحد اول الامر، ليكون منزلا للعائلة المالكة بالعراق ، في جانب الكرخ ببغداد ، سنة 1937 . ونصحه احد المسنين من افراد العائلة بتسميته " قصر الرحاب " تيمنا باسم قرية " رحاب " القريبة من مدينة الطائف المعروفة . ثم اطلق عليه العراقيون اسم " قصر النهاية "

وبعد انقلاب شباط \ فبراير سنة 1963 الذي اطاح بالزعيم عبدالكريم قاسم ، حول الانقلابيون "قصر الرحاب " الى معتقل بشع يمارس فيه افراد " الحرس القومي " عمليات التحقيق الرهيبة مع المعتقلين السياسيين ، والتي امتدت الى ما بعد سنة 1968. وكانت الفاتحة مع الشيوعيين وانصارهم بعد ايام من ذلك الانقلاب الدموي . وكل من دخله لا يخرج منه إلا شهيدا او منهارا .

ـ سلام عادل :

الامين العام للحزب الشيوعي العراقي , حرى قتله تحت التعذيب في " قصر النهاية " سنة 1963 .

ـ علي حسين الرشيد التكريتي , سالم يوسف اسطيقانا , محمد منير , علي صحن الطاهر الموسوي , جمعة عيسى ، عباس خلف ، محمود عبدالكريم ، ماتيلدا رحيم ، عبد جاسم السعدي ، فياض موزان ، صباح حسين ، خضير اللامي ، سامي احمد العباس ، شعبان كريم ، وهادي هاشم ، من ضحايا ذلك الانقلاب .

 ـ حسن سريع : جندي برتبة نائب عريف ، قاد "انتفاضة تموز يوليو" 1963 ، ضد انقلابيي 8 شباط \ فبراير 1963 ، انطلاقا من معسكر الرشيد .

ـ منذر الونداوي , الطيار الذي قصف بطائرته الروسية مقر الزعيم عبدالكريم قاسم ببغداد صبيحة 8 شباط \ فبراير سنة 1963 .

(7)

جاردينيا :

 حانة عراقية شعبية , بشارع ابي نؤاس البغدادي الشهير ، على الجهة اليسرى من نهر دجلة ، كان يرتادها عدد من الادباء والكتاب العراقيين الشباب ، اعتبارا من بداية العقد الستيني من القرن الماضي . اما بالنسبة للكاتب فقد كان على معرفة بهذه الحانة منذ سنة 1958 ، ثم تحولت الى نقطة لمواعيد حزبية بعد سنة1960

(8)

ماجي العجوز

شخصية قصصية من اعمال الكاتب ، استوحاها من شخصية احدى السيدات الآشوريات في معسكر الحبانية ، ثم كررت نفسها في شخصيات نسائية اخرى ، مثل : مريم بنت مطر ، سليمة ، سافرة عبد المسيح .

اما حكمة الشامي ، ابوعلي الماجدي ، جمال الدين ابو يسار ، وغيرهم ، فهم شخصيات في اعمال الكاتب .

(9)

زهرة بنت محمد المشكور : والدة الكاتب .

.

 

 

 

*****

******

 

 

الكاتب

جمعة اللامي

ــ قاص ــ روائي ؛ وصحافي عراقي . غادر العراق سنة 1979 ، الى بيروت والكويت . وهو  مقيم  بدولة الامارات العربية المتحدة منذ سنة 1980 .

 ــ نشر اعماله الادبية في الصحف والمجلات العربية منذ سنة 1965 ؛ وتُرجم بعض اعماله القصصية الى عدد من اللغات الاجنبية ؛ من بينها : الانجليزية ؛ الفرنسية ؛ الالمانية ؛ والروسية .

ــ عمل بالصحافة العراقية والعربية منذ سنة 1965

 

جوائز ادبية

 

·        الجائزة الاولى في ميدان القصة القصيرة ، في احتفالية المؤتمر الاول للادباء الشباب العرب ، سنة 1977 ـ بغداد

·        جائزة السلطان قابوس للابداع الثقافي ــ مجال القصة القصيرة ، سنة 2006

·        جائزة العنقاء الذهبية في مجال الرواية العراقية سنة 2007

 

الأعمال الأدبية

.

1 – من قتل حكمة الشامي ......... مجموعة قصص قصيرة

2 – اليشن .............................مجموعة قصص قصيرة

3 – الثلاثيات ........................ مجموعة قصص قصيرة

4 – التراجيديا العراقية ........... الأعمال القصصية الأولى

5 – المقامة اللامية ................ رواية

6 – مجنون زينب ................ رواية

7 – الثلاثية الاولى ................ رواية

8 – على الدرب ................... قصص قصيرة (( إعداد ))

9 – عبد الله بن فرات ............  نصوص

10 – اشواق السيدة البابلية ....... نصوص

11 – الحرية والثقافة  ــ ذاكرة المستقبل  ..........     مقالات ومواقف في حرية الضمير

12 – الأعمال القصصية الكاملة 

13 – الاعمال الروائية الكاملة

 

14 – دفتر الشارقة – 1 : ابن ميسان في عزلته ... نصوص

15 – دفتر الشارقة – 2 : مدينة الحكمة ؛ بوابة الكلمة ... يوميات ثقافية  في شخصية  المكان

 

دراسات وبحوث

 

16 – زايد : حلم مأرب  ........ دراسة ثقافية – تاريخية في الشخصية العربية

17 – الأبل في الأمارات العربية المتحدة  .... دراسة ثقافية – تاريخية – ادبية انثروبولوجية

18 – المسألة الفلاحية في العراق .... بحث في الأقتصاد الساسي  للريف العراقي

19 – قضية ثورة : الصراع والوحدة في منظمة التحرير الفلسطينية

 

 

 

 

*****

*****

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تقريرُالمُواطنِ المِيسانيَّ حِكْمَة الشَّاميِّ ،

الذي عَرفهُ أهلُ "أَلْيِشِنْ " ، باسْمِ : " جَمال

الدِّين أبو يَسار" و"المَجنون " و"المَهْدِيّ "

إلى حَارسةِ بَساتينِ العِراق

 

 

 

رجوع




 

  بحث

Search Help
 
 

 

 

 

 

 
 
 
 
 

Copyright 2007, www.jumalami.com.

Powered and Designed by ENANA.COM