مجنون زينب
 


غلاف الطبعة الاولى 1998

تصميم محمد المزروعي

 


اهداء / إلى : شهرزاد:


وإني لأستحييك حتى كأنما
         عليّ بظهر الغيب منك رقيب
ولو أن ما بي بالحصى فلق الحصى
        وبالريح لم يسمع لهن هبوب
ولو أنني أستغفر الله كلما
        ذكرتك لم تكتب عليّ ذنوب
يقولون من هذا الغريب بأرضنا
        أما والهدايا إنني لغريب
 

ابن الدمينة




المقامة البَصْريَّة

المقامة الخمسون ـ مقامات الحريري



قال الحارث : شعرت في بعض أيامي بهَـمٍّ ضاق به صدري، فقصدت مسجد البصرة، وإذا برَجلٍ ذي ملابس بالية واقف على صخرة عالية وهو يعظ ويُذكِّر ثم قال : أما أنتم يا أهل البصرة فإنكم من خير الناس. وأما أنا فأحدثكم عن نفسي : أنا أبو زيد صاحب الخدع والضلالات والأكاذيب والخرافات، كم من المنكر ارتكبت، ومن المعاصي أتيت، ولكن أشهدكم أني أستغفر الله من ذنوبي فأدعو الله أن يقبل توبتي ويغفر ذنوبي. فكلهم بسط يديه ودعا له وقدم له شيئاً من العطاء فقبله منهم وشكر لهم ومضى.

قال الحارث : فتبعته حتى أدركته، وقلت له : لقد أسرفت في التوبة هذه المرة. فقال له: والله لقد بدأت غير مخلص، ولكن ببركة دعاء أهل البصرة قبل الله هذه التوبة وصرت تائباً، ثم ودعني.

قال الحارث : وصرت بعد ذلك أبحث عنه، وأسأل كل من أقابله، إلى أن علمت أنه عاد إلى بلده سَروج، وأنه لبس الصوف وأصبح يؤم الصفوف، فارتحلت إلى سروج وأُرشدت إلى مسجده وقرارة معبده، فوجدته من خير من اتقى الله، ثم حياني بسبحته وأقبل على أوراده وتركني أعجب به من اجتهاده. ثم صحبني إلى داره وأطعمني من قرصه وزيته ثم نهض للصلاة، وتخلى لمناجاة مولاه.


 



بسم الله الرحمن الرحيم

رؤيا الطيِّّبة
مدخل تأويلي




قُلتُ : أريد اثنتي عشرة ذراعاً من ذلك القماش الأبيض.
نظر إليَّ الرجل مستفهماً، لكنني أردفتُ : تلطف عليَّ وقَسّم قطعة القماش إلى نصفين.
سأل القمّاش :
تريدهما جلبابين؟
-كفنين.

دفعت لصاحب دكان الأقمشة خمسة وثلاثين ريالاً، ووضعت الكفنين داخل صرة من قماش أخضر، وعدت إلى غرفتي في »فندق الرحمة« بالمدينة المنورة.
حدث ذلك، في موسم الحج، قبل عدة سنوات.


- 2 -
جلستُ وحيداً إلا من نفسي في غرفتي بالفندق، وأخذت أسترجع بعضاً من وقائع الأيام الستة الأخيرة.
في اليوم الأول جهزت كل مستلزمات الرحلة، وفي اليوم الثاني أخلدت إلى نوم عميق، فرأيت فيما يرى النائم، رجلاً شيخاً يقول لي : موعدنا في طيبة. وعندما أفقت من نومي، كان صوت المؤذن ينادي لصلاة العشاء.
في اليوم الثالث، فجراً، قصدت البحر، لم يكن ثمة، إلا نوارس ومياه شبه راكدة، اتكأتُ إلى شجرة غاف وأخذت أرقب الأفق البعيد، كان هناك ضوء أبيض خافت وأبخرة، وعندما أدَمْتُ النظر، رأيت رجلاً شيخاً ينهض من بين الغمام، يومىء إليَّ بيده اليمنى، ثم يعود ليغوص في الماء.
في اليوم الرابع جمعت أسْرتي، بعد صلاة الظهر، وتحدثت بصوت عالٍ ليسمعني الجميع : أنا ذاهب لملاقاته.. اصفحوا عني. وبعد صلاة المغرب، قصدت مكان عملي، فوجدت جميع الزملاء يجلسون إلى مكاتبهم.
ناديتُ بصوت عالٍ ليسمعني الجميع : هذه رقبتي، وهذا ظهري، فمن له حقٌ عندي، فليأت ويضربني. ثم كشفتُ عن رقبتي وظهري.
ذُهل الزملاء، سقطت الأقلام على الصحف، وسأل أحدهم : ماذا أنت فاعل؟
-ذاهب إلى محمد.
في اليوم الخامس، قبل أن أركب الطائرة التي أقلَّتني إلى يثرب، عاودت زيارة البحر: كان ذلك بعد الصلاة، هجع الطير إلى أوكاره، وثمة أناس يجلسون بين الأشجار، بينما كان الأفق مضيئاً ورائقاً. ثم كاد قلبي يخرج من صدري عندما رأيت رجلاً شيخاً، يخرج من ذلك الأفق المضيء والرائق، ليقول لي : ألقاك في يثرب.


- 3 -
أجلس وحيداً في غرفتي إلا من نفسي، وصرة خضراء، بداخلها قطعة قماش بيضاء طولها ست أذرع، وقطعة بيضاء أخرى طولها ست أذرع أيضاً. الأولى هي كفني، والثانية هدية مؤجلة.
من نافذة الغرفة، شاهدت المسجد. وفي الطريق إليه تذكرت: قبل اثنتي عشرة سنة أعددتُ نفسي »للعُمْرة« والسلام على الحبيب. وقبل أن أتوجه إلى المطار بساعات، جاء إليّ من يخبرني : »لن تستطيع السفر«.
كبُرَ عليّ الأمر، وبقيت أشهراً، بل سنوات، أمنّي النفس بالسلام على الحبيب والطواف حول الكعبة، وعندما كان أحد جيراني يهمّ بالسفر إلى يثرب، قصدته وأوصيته : وأنت تقترب من قبر الحبيب انقلْ إليه رسالتي التالية : »ردَّني البَشَرُ عنك... فهلاّ قبلتني قرب روضتك؟«.
وعندما رجع جاري الحاج إلى أبو ظبي، أخبرني والدمع يترقرق في عينيه : »نقلت رسالتك إلى الحبيب، كما أوصيتني، حرفاً بحرف«.
وكانت عيناي تنزفان دماً، وأنا في طريقي إلى الروضة المباركة.


- 4 -
حاسر الرأس وحافي القدمين، وقفت على مقربة من الروضة، بين جمع شاكٍ وآخر باكٍ، آلاف مؤلفة من البشر تمدّ أذرعاً وقلوباً باتجاه مثوى الحبيب، حتى لقد التفت الساق بالساق، ولم يعد مكان إلا لمشتاق.
هذا أنا قريب منك أيها الحبيب. وكنت أختضّ من قمة رأسي حتى أخمص قدميّ : يا جد الحسنين، يا نور الله. وكنت أبكي، بل كنت أعيط.
وانتبهتُ على كفّ تربت على كتفي. كان شيخاً طاعناً في السنّ. رجل نوراني طوقني بذراعه اليمنى وانسلَّ بين الجموع، مجموعة فمجموعة، وكتلة بعد كتلة، وصَفَّاً بعد صفٍّ، والابتسامة لا تفارق محياه، لم ينبس ببنت شفة، بل كان يشير بسبابته إلى حيث مثوى الحبيب.
قال : أُدنُ، هنا يرقد الحبيب.
وصرخت : الغوث...الغوث.

- 5 -
-أنا حسين بن منصور.
رفع الشيخ وجهه إليّ، فرأيت جلالاً، وشعرت برهبة، أحنيت رأسي، وأغضضتُ بصري، وقلت في سرّي : »لا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم«.
- أعرف أنك هو.
ابتسم الشيخ في وجهي وقال :
- وأنت المجنون.
- أعرف أنك تعرفني.
وسمعت الشيخ يردد في سرّه : »لا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم«.
كنا قد وصلنا، قبل نحو ساعة، الى منزل يبدو أن الشيخ يأوي إليه، هناك رأيت مجموعات من الحجاج يتوزعون على فرش من سعف النخيل. جلس الشيخ على حصير منفرد، وجلست بين يديه.
-أهلاً بك، يا مجنون الزمان.
-وبك أكثر يا أبَهْ.
-كيف حال الناس في ميسان؟
-يدعون لك بلقيا الحبيب.
رفعت بصري إلى الشيخ : إنه هو، الرجل ذاته الذي كنت أراه طالعاً من الآفاق ومن بين الأبخرة والمياه.
-سأعود بعد قليل. لا تبرح المكان.
ثم نهض قائماً، وغادر الحوش.

- 6 -
حُلُم :
وضعت الصُرّة في حجري، وقلت لنفسي: لا شيء يُهدى، أعزّ من الكفن، ثم رأيتها ترفع برقعها وتنظر إليّ، لكنّ بازاً ضخماً هوى من علٍ وحطَّ في شليلي. ارتجف الطائر وباض، ثم انتفض طائراً إلى الأعلى، فأمسكت بفخذيه وطرنا سويّاً.
في الأعالي رأيت ما رأيت : تعرّفتُ إلى الغيوم والعواصف والأمطار والرياح، ورأيتُ اليابسة والبحار والجبال والبشر والحيوان والطير وأصغر سلالات النّمال.
في تلك الأعالي، مررتُ بسماوات زرق وحمر وسود وصفر وخضر وبيض، وكان الباز يصّاعد دون أن يكلمني، وكنت أمسك بفخذيه، وصرّتي في حجري، حتى وصلنا إلى فراغ عميق، فتوقف الباز عن الطيران، فارداً جناحيه، كأنه يستعد للهبوط.
فراغ. رأيت إلى الباز، فوجدت ريش رأسه قد تساقط كله. أما بقية الريش الذي كان يغطي بقية جسده فكان لونه أشهب.
-أنت المجنون، حقاً.
لم يهتز جسمي لكلام الباز، بقيت صامتاً للحظة، ويبدو أن صمتي أغضب الطائر الضخم، فقال:
أردت إبعادك...
وأكملت مسرعاً : منه .. ومنها.
توقف الباز عن الكلام، رأيت إليه من أسفله، فوجدته مثل قبر قديم، وعرفت للتو، أنني لم أصرخ، ولم أطلب النجدة، عندما اختطفني هذا الطائر الضخم.
- لماذا لم تصرخ؟ لماذا لم تطلب النجدة؟
قلت هادئاً : الذي خلقني، وسوّاني، فصيّرني، يعرف أنني تعوّذت باسمه من كل شيطان رجيم، عندما كنت في المشيئة، وعندما خُلقت، وبعد أن خُلقت.
قال الباز : أشهد أنك غلبتني.
- بل قل : باسمه غلبتك.
- والصرة، ماذا بداخلها؟
- كفنان
- واحد لك.. والآخر،
- لزينب.
ارتعد الباز إذ سمعني أنطق اسم زينب. فحاول أن يصّاعد نحو الأعالي، لكنَّ برقاً صاعقاً ضربه فجأة، فتحول إلى كتلة من لهب ودخان، بينما كنت أهبط من علٍ، وأسقطُ على حصير من سعف النخيل.
وعندما أفقت، وجدت الشيخ يجلس إلى جواري، على حصير من سعف النخيل، هامساً بصوت عذب ورقيق :
إلهي..
كَسْري لا يَجْبُرُهُ إلا لُطْفُك وحنَانُكَ * وفَقْري لا يُغنِيه إلا عَطْفُكَ وإحسانُكَ * ورَوعتي لا يُسْكِّنُها إلاّ أمانُكَ * وذلّتي لا يُعزّها إلا سلطانُك * وأمنيتي لا يُبَلّغنيها إلا فضلُك * وخَلَّتي لا يسُدُّها إلا طولُك * وحاجتي لا يَقضيها غيرُك * وَكَربي لا يُفرّجُهُ سوى رحمتك * وضُرّي لا يكشفُهُ غيرُ رأفتك * وغُلّتي لا يُبَرِّدُها إلا وَصْلُك * وَلَوْعتي لا يُطفيها إلا لقاؤك * وشوقي إليك لا يَبُلُّهُ إلا النظرُ إلى وجهك * وقراري لا يقرّ دون دُنوّي منكَ * ولهفتي لا يردُّها إلا رَوْحُك * وسُقمي لا يشفيه إلا طبُّك * وغَمّي لا يزيله إلاّ قُربُك * وجُرحي لا يُبْرئه إلا صفحُك * وريْن قلبي لا يجلوه إلا عَفْوك * ووسواس صَدري لا يُزيحُهُ إلا ّ أمرك..فيا منتهى أمل الآملين * ويا غاية سؤل السائلين * ويا أقصى طَلَبَة الطالبين * ويا أعلى رغبة الراغبين * ويا وليَّ الصالحين * ويا أمانَ الخائفين * ويا مجيب دعوة المضطرين * ويا ذُخْر الـمُعْدَمين * ويا كنز البائسين * ويا غِياث الـمُسْتَغيثين * ويا قاضي حَوائج الفقراء والمساكين * ويا أكرم الأكرمين * ويا أرحم الراحمين.. لكَ تَخَضّعي وسُؤالي * وإليك تَضَرُّعي وابتهالي * أسألك أن تُنيلني من رَوْحِ رضوانك * وتديمَ عليَّ نِعَمَ امتنانك * وها أنا ببابِ كرمك واقفٌ * ولنفحاتِ برّك متعرض * وبحَبْلِكَ الشديد معتصمٌ * وبعروتك الوثقى متمسكٌ..
إلهي..
ارحمْ عَبدكَ الذليل * ذا اللسان الكليل والعمل القليل * وامْنُنْ عليه بِطَوْلِكَ الجزيل * واكْنفه تحت ظِلّك الظليل * يا كريم يا جميل * يا أرحم الراحمين *

- 7 -
لم يقترب الفجر بَعْدُ منا، بيد أن أغلب الحجيج غادروا المسجد.
- رأيت قبل ساعات، رؤيا عجيبة.
ردَّ الشيخ هادئاً : قل : قبل هنيهة.
-إذن، عرفت!
- أو لم تعرف؟
كانت صرتي أمامي تبعث ضوءاً لم أره من قبل. نور أبيض. كما أنَّ المكان كله يشفّ عن نور رحماني، هدّأ من روعي، وأنا أنظر إلى الشيخ. إنه رجل كلّي البياض، أبيض شعر الوجه والرأس، أبيض الشفتين والأنف، أبيض شعر الحاجبين وأهداب العينين، أبيض اليدين والساقين، أبيض اللباس، تفوح منه رائحة زكية، غطّت كل هذا الحوش المضاء بنور أبيض، بينما كانت السماء بيضاء أيضاً.
انتبه الشيخ إليّ، وغمرني بابتسامة حانية :
- اعلم، يا مجنون الزمان، أنَّ أبي روى أحوالك عن أبيه، وذاك عن جده، وهذا عن أجداده.
ثم هبَّ واقفاً، وصرخ : يا غوث.. يا غوث، وسقط على الأرض مغشياً عليه.
اقتربت منه حتى لاصقته، فوجدته جثة متخشبة، وعندها قربت فمي من أذنه اليمنى وصحت : أبي.. أبي.. إلى من تتركني؟
- إلى غرفة في هذا الحوش.


- 8 -
كنت أعرف أنني والشيخ في حوش، لكنني لم أعِرْ بالاً لغرف هذا المكان، عاينت المكان جيداً : غرف بأبواب، بعضها مغلقة الأبواب، وبعضها أبوابها مفتوحة، إنها غرف مبنية بطابوق أبيض.
كانت الغرفة الأولى مضاءة وليس في داخلها إلا متاع قليل، وكذلك الغرفتان الثانية والثالثة. أما الغرفة الرابعة فكان بابها مغلقاً، وعندما طرقت الباب جاءني صوتٌ من الداخل :
- اذهب إلى غيري، سؤالك ليس عندي.
اتجهتُ إلى الغرفة الخامسة، كان بابها مفتوحاً، وفي الداخل رجل ضرير يلهج بالذكر الحكيم. انتظرت قليلاً فتوقف الرجل عن التلاوة، وقال : مبتغاك خارج هذه الغرفة.
توقفت أمام الغرفة السادسة، ونظرت إلى الشيخ في وسط الحوش، فرأيته ما يزال مستلقياً على قفاه، شاخصاً ببصره إلى السماء، قرعت الباب فلم أسمع أي جواب. قرعت مرة ثانية وثالثة، فلم أسمع أي جواب.
عند ذلك، اتجهت نحو الغرفة السابعة.. الغرفة الأخيرة، فرأيت بابها مفتوحاً على مصراعيه.
ودخلت..


- 9 -
أيها الولدُ..
اقتبل الجدارَ
فليسَ بَعْدَ مَحْوِ النفسِ
إلا الفرارُ
من الجدارِ إلى الجدارْ
كان الصوت يصلني عميقاً وجليلاً، ليدخل إلى عظامي ودمي ولحمي وجلدي.
أيها الولدُ.
خُذ القِبْلةَ، وامْحُ نفسك.
فَبَعْدَ هذه اليقظة
لا مفرَّ من الجدار
إلى الجدار
صَوَّبت بصري إلى نقطةٍ ما في الجدار الدائري، فرأيتُ شبحاً باركاً على ركبتيه، بينما كان الصوت يصلني عميقاً وجليلاً:
أيّها الولدُ :
امحُ نَفْسَكْ
توقفت في مكاني داخل هذه الغرفة الدائرية، وإذ التَفَتُّ إلى الخلف، حيث الباب ما يزال مفتوحاً، شاهدت الشيخ مستلقياً على ظهره، شاخصاً ببصره إلى قبة السماء.
كانت صُرتي معي، تحسستها جيداً، فعرفت أنها موجودة عند إبطي الأيمن، ثم ردّدتُ من داخل نفسي : »الحمد لله رب العالمين«. وعندها فُتح عليَّ بابُ كل شيء : الغرفة منوّرة بنور أبيض، أحسست بلطفه يلامس جسدي، ويكشف لي ما خلف الجدران، رأيت الحجيج في مكة والمدينة، رأيت ميسان والقدس وكربلاء والكوفة، رأيت إيوان كسرى يتداعى وفرسان الروم صرعى، رأيت بدراً وصفين وخيبرا، ورأيت شهاباً قادماً من عمق السماء، ينادي : أَمِتْ.. أَمِتْ..
أقبل عليّ الصوت العميق الجليل :
- والآن أيها المجنون، ما أنت فاعلٌ بنفسك، وقد فُتح لك بابُ كلّ شيء؟
- إلى الفردوس..
صمتٌ. النور يغمرني، ثم شاهدت، بعينيّ قلبي، ما سيحدث : جيش يخسف به جزيرة العرب، نار تلتهب في عدن يراها أناس بصرى، الغمر يغطي البصرة، جسور الزوراء تتداعى، نفس زكية تقتل في كوفان، الروم في خاصرة الشام، مائدة الرب في طبرية، سيد يطالب بالثأر ينزل من جبال فارس، وبقية الله في الأرض يُصلّي بين الركن والمقام.
عاد الصوت العميق الجليل مرة أخرى : »وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين«.
تُهتُ. شاهدت نفسي دلالاً كاملاً، رأيتني خارجي، رأيتني في داخلي، رأيت النور يقبل عليَّ، ويضمني إليه، رأيتني أقبل على النور وأكونه، وكان حال حالي يتمايل طرباً :


اقتلوني يا ثُقاتي
     إنّ في قَتْلي مماتي
ومماتي في حياتي
     وحياتي في مماتي
إن عندي محو ذاتي
     من أجل المكرماتِ



- 10 -
رويداً، رويداً، أخذت أعي ما حولي : هذا هو جسدي، إنني مستيقظ، أرى الغرفة الدائرية والنور الأبيض، وها هو الشيخ الجليل يجلس أمامي.
تحسستُ صرّة الكفنين، فرأيت الشيخ يبتسم. نظرتُ إلى الحوش، من خلال الباب المفتوح، فرأيت الشيخ مستلقياً على ظهره، شاخصاً ببصره إلى عنان السماء :
- أنت هنا، وفي الحوش؟
- ردّ الشيخ بهدوء : نعم.
- منذ متى يحدث هذا؟
- علمه عند ربي.
ثم ابتسم ابتسامة عريضة، فرأيت وجهه مُشْرقاً ومهيباً.
وقال : تعال أعرفك على نفسك، قادني من يدي، تماماً كما فعل عند الروضة، وجلسنا على حصير آخر من سعف النخيل.
- انظر إلى الجدار، قال الشيخ.
وقبل أن أدير بصري إلى الشمال، رأيت من اليمين ومن الشمال، ومن علٍ ومن أسفل، امرأة بيضاء، كما النور تماماً، تقبل نحوي.
- هي ذي.
- زينب، قاطعت الشيخ متلهفاً.
- نعم، زينب.
زينب، زينب، زينب، وأخذ الصوت الهادىء الأليف الجميل الورع العذب، يملأ أرجاء الغرفة المدورة، حيثما أوجِّه بصري أراها، وحيثما أرهف السمع أسمعها.
- أنا زينب، يا مجنون.
- السلام على سيدتي، السلام على البتول، السلام على حارسة المساجد، السلام على سيدة الصبر، السلام على سيدة الحزن، السلام على الشفيعة.
حللتُ الصُرّة الخضراء، وأخرجت قطعة القماش البيضاء، ووضعتها بين قدميها.
- هذا كفنك يا مولاتي.
- وهي هديتي إليك.
- الآن...اكتملت زينتي، ورضيت نفسي للذي ينتظرني.
هكذا قالت زينب.
تقدمت زينب خطوتين، وجلست بيني وبين الشيخ، فيما كنت أراها تملأ كل الغرفة، والشيخ ما يزال في الحوش، مستلقياً على ظهره، شاخصاً ببصره إلى قبة السماء.
- والآن.. يا مجنون الزمان.
- تلاشى الزمان وهرب المكان.
وسمعت الشيخ يقول من داخل الغرفة السابعة، ومن الحوش أيضاً: يا لقَلْبي الفَرِحْ... لقد رَوَيْتُ سيرة المجنون في كل الأزمنة والأمكنة.
قالت زينب : أُدْنُ.
فدنوتْ.
قالت زينب : أكثر، أكثر.
فدنوتْ.
ذقت حلاوة الجنة، بينما كانت زينب تنادي عليّ : أكثر، أكثر، أكثر.. واتحدنا.


- 11 -

أكثر.. أكثر.. أكثر..


- 12 -
أفقت مرة أخرى، فوجدتني أطوف حول الكعبة،
وقلبي يصرخ :
سبحانك ما أعظم شأنك.
 


المجنون
العشر الأواخر - رمضان
1417 هـ -1996 م
أبوظبي





أناشيد

 
 

يا ربّ إن ذنوبي قد أَحطْتَ بها
     علماً وبي وبإعلاني وإسراري
أنا الموحّد لكني المقرّ بها
     فهب ذنوبي لتوحيدي وإقراري
 

»أبو الحسن أحمد بن فارس
ابن زكريا بن حبيب الرازي«


قال الراوي : كادت الحمََّى أن تصرعني، وكان ذلك في ليلةٍ من ليالي النصف من شهر أيلول، فقلت لنفسي : لعل نزهة عند شاطىء الكرخة تطرد هذه الزائرة غير المرغوب فيها. وقبل أن أصل إلى مبتغاي، سمعت صوتاً إنسيَّاً يقول :
تشبه الفلاة الفلاةْ
فأين... مَن يشبه روحي؟
ولما دنوت قليلاً من صاحب الصوت، عرفت فيه المجنون. فما أعارني انتباهاً، واستمر يقول :
إذ الصحراء تصمت
لن تَري في الأفق ألا اسمك
في مرآة قلبي
في كل شقوق الأرض عطرك
في ضياء وعتمة كل المجرات
قرنفلة تتحدث العربية
أنت بوذا وماني وطائر العقل
أنت آخر الأسرار
وأنا آخر المجانين.
قال الراوي : وضعتُ كفيَّ على كتفي المجنون وقلت : ماذا دهاك؟ قال الراوي.. قال المجنون : طائف من الحمى ألمَّ بي لساعات، فكيف حالي وسقر فراشي؟ ثم نزل إلى ماء النهر، وأنشد يقول :


1 - المسبحة السكرى
أيقظنا الليل من غفوته
والنهار - بكلمة منك -
تحرّر من سطوة الشمس
لم يبق للربيع ورد يهديه للعشاق
لم يبق للشتاء مطر
ولا البحار استمرت في غموضها
لم يبق للخريف فضيلة الاغتسال بورق الاشجار
ولا للريح امتياز العواصف
لأنَّ ذراعكِ توسّدتْ كتفي
كتفي!
يا أنت.. يا كتفي
كيف استطعت احتمال هذا الحب؟


* *

اسمي المعلّق في أعلى الثريّا
بل جسدي كله
يسقط - الآن -
مثل حبة رطب بصراوية
ليستقر بين شفتيك
تكفيني جلسة إلى منضدة
منضدة خشبية متواضعة
منضدة خشبية متواضعة مغطاة بشال كشميري
منضدة خشبية متواضعة مغطاة بشال كشميري في مطعم صيفي
منضدة خشبية تكاد تتنفس
لأنك نسيت فوقها مسبحتك
ذات مساء


* *

عندما تَنْهدُّ كل جسور العالم
عندما يصيب العطب كل عبارات الأكوان
عندما لا يوجد حديد أو خشب
عندما تُبلى حتى عظام الأجداد
سأبني من أضلعي معبراً
تمرّين فوقه إلى حيث الذي تُحبّين


* *

تحفّيْ وانثري شعرك
أو كوني كما ترغبين
وعندها سأتعلق بدشداشتك
كما يحتمي الحوار بضرع أمه.
غَدنا سنصنعه معاً
أنت في عزلتك
وأنا في منفاي

* *

منذ خمس عشرة سنة
صافحتك.
منذ خمس عشرة سنة
نسيت كفي اليُمنى في باطن كفك اليُمنى
منذ خمس عشرة سنة
نسيت نفسي فيك.

2 - حجاب


- 1 -

لا مفرّ
هي إرادة الله، وليست ضربة
من قدر
نحن تفاحة الحياة
نصفها أنتِ
وما تبقى لي
يا حلم آخر العمر.


- 2 -

في بعض قلبي، حفنة تراب. أرسيتها جبالاً، وسويتها سهولاً وودياناً، وأجريتها غدراناً وأنهاراً وخلجاناً وبحاراً، وزرعتها نخلاً وسدراً وحناء ولباناً وشيئاً من عنب وتين وزيتون.
وفي شاردة من شأني، نظرت إلى فصّ محبس بُنصري الأيمن، فامتلأت بالطير والحيوان. وعندما اشتعل الفصّ انقاد إليّ الرعد، وتبعتني الرّيح. وخفضت أجنحتها الأمطار، وتفعّت بين مفارق أصابعي النار، بينما استوت وحدتي فردوساً ما بين عينيك.
حفنة تراب استوت قارة
هي مملكتك
وهي منفاي
فتعالي - إذن - إلى لطفي
لأنه أمرٌ من الله
وليس ضربة من قدر
يا ربات الشعر، وأنتن يا بنات نَعْش
ويا جبال هذي الأرض.
يا فرسان العرب، وأنتم يا حكماء العجم
وأنت أيها المبجل هوميروس.
يا بوابات بابل وأرباض أوروك وطيبة
وأنت يا نحيب جلجامش
ويا وحشة كربلاء.
أيها العماليق، وأنتم يا قتلى كل الحروب
ويا مخابيل الخليقة
يا كتائب الشعراء وكراديس الفنانين
وأنتِ أيتها الأحلام والبحار التي لم تكتشف بعد
أنت يا أراجون وجميل ومعمر
أنت يا شاتوبريان والخضر
اشهدوا لي جميعاً:
أن زينب منفاي وفردوسي
وأنِّي متيمها الأخير


- 3 -

هَجَرْتُ حبّاً
وليس خوفاً من دنو الأجل
وحدي - أنا مجنون الليل والنهار
وحدي أدخل وحدتي
وحدي،
أكلّم يقظتي وموتي
وأنت وحدتي ويقظتي وموتي


- 4 -

يا له من بصير مقتدر
ابتلاني بجنوني
وأبعدني عن العامة

 

- 5 -
 

في بيداء روحي
شجرة لوز وقطعة من نفنوفك
قالت لي شجرة اللوز:
يا مجنون الزمان..
هي خيمتك
وهي كفنك.
 


3- امتثالات
 


- 1 –

حياتي حلم متصل
ومثل رضيع يحلم قبل أن يلتقم ثدي أمه
تدخلين في حلمي،
ونضحك
فأية شريعة تمنعني من الحلم
وأنت حلمي المتصل؟
 


- 2 -


قال الراوي:
رأينا المجنون بعد صلاة العصر يخرج راكضاً مخلفاً مسجد الكرخة وراءه، مولياً وجهه باتجاه النهر وقبل ان يدخل في الماء توضأ وصلى ركعتين.
اقتربنا منه: رجالاً ونساءً وأطفالاً، سميناه المجنون، ربما لأنه يكون دوماً عاري الجسد إلا من خرقة تستر وسطه. وكان عارياً إلا من تلك الخرقة، بينما كان يمد ذراعه اليسرى ويفصد باليمنى مكاناً عند الرسغ الأيسر، ثم يكتب بدمه هذه الكلمات:
قلبي المحموم
قلبي الأبيض مثل حمام المساجد
قلبي الذي بات بستاناً للبلابل
قلبي الحزين.
يا أنت، يا هذا القلب الذي مثل مرآة.
قال الراوي:
كان دم المجنون يسيل من رسغه الأيسر، دون أن يكترث لجمعنا الذي أحاط به. دائرة: شكَّلنا حوله دائرة بشرية، كنا نَخْزُرُه بعيون فاحصة، بينما كان هو يستعد للعياط.
ثم إنه استدار إلينا، واحداً واحداً، وللمرة الأولى نسمعه يتحدث، لكنه لم يتحدث طويلاً بل قام من مجلسه، وكتب بدمه فوق ثديه الأيسر: زينب.
 

- 3 -

أعرف أن خياراتي صعبة
أعرف أنني عاشرت النُّدُلَ وصادقت المجانين
أعرف أنني سكنت قصوراً وعبرت موانىء كثيرة
أعرف عدد أصابع يدي
أعرف أنني ساكنتُ الخطر
بيد أنني أعرف - بالتأكيد -
أنك امتثالي الأخير.
 

- 4 -

في بساتين النخيل التي نَمَت وأينعت وأسقطت رطباً جنياً برعاية الله. دون أن تمتد إليها أيادي البشر.
في تلك البساتين، بل فوق قامة كل نخلة كتبت اسمك.
وعندما كان الناس يتابعونني وأنا أكتب اسمك على أعمدة النور وفوق جدران المدارس، وعلى بوابة المسجد، وعلى ماء النهر، وعند ثديي الأيسر، وعلى بندقية شرطي الحراسة، وقرب قدر بائعة الباقلاء، لم أكن أرى أيّاً منهم، لأنني كنت أراك في كل واحد منهم.
للجميع شواهدهم، مثل القبور تماما.
للناس أسماؤهم، وشكل ملابسهم، وأماكن سكناهم.
ولك قلبي.. شاهداً واسماً وحريراً وغرفة بحجم كف رضيع.
 

- 5 -

في اللحظة الأخيرة..
قبل أن يقبضني ملك الموت
في اللحظة الأخيرة
قبل التكفين وآخر كلمة من أنشودة التلقين
في اللحظة الأخيرة..
وقبل آخر كلمة في استجواب الملكين الشاهدين
في اللحظة الأخيرة..
قبل الارتحال من البرزخ
في اللحظة الأخيرة..
وأنا في المتر الأخير على الصراط
في اللحظة الأخيرة.
وأنا قبالة النور
سيهتف قلبي:
زينب.


4 ــ صداقات

إلهي..
بحق جلال وجهك
هَبْني صبراً
لأحتمل نعياً لم يأتِ بعد
كلّهم مضوا - أصدقائي الرائعون -
في سراديب ظلماء
أو عطاشى في صحراء »النقرة«
كلّهم مضوا - أصدقائي الرائعون -
في حانة شبه مضاءة
أو شهداء في محاريب
كلّهم مضوا - أصدقائي الرائعون -
أسرى عند الأحزاب
أو في حوادث طرق
كلّهم سيمضون - أصدقائي الرائعون -
ولن يبقى منهم أحد
جوعى في منافي الأوطان
ومنفيون في مدن الرفاهية
أصدقائي الرائعون..مضوا
وسيمضون
يا رب:
آن لي أن أعود شاباً
لأقطفَ وردةً من حديقة في ميسان
أو أخطبَ في مظاهرة
آن لي أن أعود شاباً
لأرقد على الرصيف الذي أختاره
أو أخط شعاراً على الحائط
آن لي أن أعود شاباً
لأحجز قبري في »وادي السلام«
أو أتأبط ذراع زينب
آن لي أن أعود شاباً
لأتخاصم مع ستالين
أو أكتب تاريخ سجن »الحلة«
آن لي أن أعود شاباً
لأتبصر في حياة أبي ذر
أو أبوس سيفاً لم يغمد بعد
يا رب:
هبني صبراً
الأصدقاء الرائعون رحلوا
ولم أعد أحتمل وحشة ما بعد الأربعين

5 - مشاهدات
 

- 1 -

يا مَنْ أخذتَني منّي
لا تردّني إليّ
تعاليت.. تعاليت
فما قبلك قِدَمْ
ولا بعدكَ حدثْ
قدّوس
قدّوس
فهذا ترابي - بقدرتك -
عاد نوراً في حضرتك
وهذا - أنا - تعاليتَ
ترابي نور بمشيئتك
أنصب تختَ عرسي
وحيداً في بريتك
فكيف لي بعد هذا الكشف
- يا سيدي -
بنفسي إذا ما رُدّتْ إليّ
وقلبي وقد عاد أرضيا..!
 

- 2 -

يا من أخَذْتَني منها
لا تردّني إلى نفسي
قدّوس
قدّوس
منك الأمر
وعليّ السمع والطاعة
وكما أمرت - يا لجلال وجهك -
استقمتُ.
بل أقول استَوَيْتُ
لحافي سماواتك
وأرضونك مسجدي وطهوري

الآن

وقد أخذتني - يا سيدي -مني
الآن
ولم تردّني - يا مولاي - إليّ
الآن
أستقيم يا خالقي بأمرك
وأستوي - يا بارئي - بمشيئتك
يا من توفيتها مني
لا ترد نفسي إليّ
لا تردني إليّ
لا تردني
لا
.
نجمة في الكف
وأخرى في الذرى
نجمة في القلب
وأخرى مجتباة
يا لتلك الروح
يا شبيهة نفسك

6 - رعد صامت
عندما فتحت عينيّ
لم يكن ثمة في المدى
سوى رعود صامتة وسحب عمياء
وعندما أغمضت عينيّ
جلستُ إلى النور
أبكي
لينتحِبَ من أجلي النور.

* *

عندما فتحت عينيّ
لم يكن ثمة في الأفق
إلا قناطيس مفزوعة
ومراكب هجرها ملاحوها وبحر دائخ
وعندما أغمضت عينيّ
رأيت سمكاً في مرآب قلبي
وليوثاً تتشمس عند حافات جسدي
أهو قدري..
ألاّ أرى في الضوء
وأبصر في النور؟
أهو قدري..
أن أتضاحك في الضوء
وأبتسم في النور؟
أيها النور..
أهو قدري أن أهجر الضوء
لأكونك!
 

- 3 -

يأتون من حيث لا أحتسب
في الضوء المبهر لصالات المرايا
وشطآن الفيروز
يأتون من كل الجهات
أولئك الهازئون الشامتون
يرقصون حولي ويعربدون
وعندما أغمض عينيّ
تتقد منائر النور
ويهربون
 

- 4 -


أصدقائي الفانين
وأنتم - أحبتي - الموتى
ما جدوى هذه الحفلة؟
 

- 5 -


وحشة عند الفجر
وفي الصباح كما في الظهيرة
تتبعثر الروح تحت الكراسي
وثريات الصالات
أما في الغروب والمساء
فلا مروءة إلا في المرآة
أيتها المرآة، أنت أيتها المرآة
أين وجهي في عمقك؟
 

- 6 -


ستمضي هذه العاصفة
من غير نسل
لأنني لم أكن محورها
ستمضي هذه الغيمة إلى مستقرها
ولن تمطر
لأني ماؤها اليابس.
 

- 7 -

سأمضي وحدي
مثل عاصفة بلا محور
وغيمة بلا مطر،
سأمضي وحدي
أبعد من استمرار نهاية المنارة
وسور البستان
سأعبر - بروحي - وحدي
ودون اهتمام باهتمامكم
آخر بحور الكلمات
وهناك..
حيث تستقبلني روحي زينب
سأتقد...حباً
ونوراً.
 


مذكرات


قال الراوي: قبل أن ينقضي الهزيع الأخير، من ليلة الحادي والعشرين من شهر رمضان، من كل سنة، اعتدتُ رؤية المجنون، يطرق باب بيتي، فأدخله إلى حيث أجلس، وأستمع إلى بكائه المتواصل.
أما في ليلتنا هذه، من شهرنا هذا، من عامنا هذا، فلقد طرق المجنون - كعادته - باب بيتي، فأدخلته إلى حيث أجلس، لم يكن يبكي - كعادته - وإنما قال: ليتني أقول مثله: »فُزتُ وربِّ الكَعْبَةِ«.
قلت للمجنون: ستفوز يا ولدي، لأنك سائر على طريقه، فلما سَمِعَ كلامي، مد يده اليمنى إلى مخبأ في قطعة القماش التي تستر وسطه، وناولني هذه الوريقات:


10 - محرم
جلست زينب بجوار جدتها زينب، بينما كانت جمرات الصفصاف تخبو رويداً رويداً، والليل قارب على الانتصاف ومن على بعد كانت كلاب حراسة الماشية تطلق نباحاً متقطعاً.
قالت الحفيدة متوسلة: يا جدتي.. يا زينب الكبرى أريد أن أستمع إلى حكاية ذلك المجنون، الرجل الغريب الذي ذاع صيته في منطقة المستنقعات المجاورة. وهام حباً في تلك المرأة. تلك المرأة التي يشبه اسمها اسمك، يا جدتي..
خفق قلب الجدة، هي الآن في الستين من عمرها، لكنها ما إن سمعت حفيدتها تذكر اسم الرجل الغريب، ذلك المجنون، حتى استعادت رشدها، فهي في تلك اللحظة أيضاً، كانت تفكر في تلك القرية المنسية عند الحافة القصية لتلك المستنقعات.
قالت الجدّة: من أجل عينيك يرخص الغالي.
قالت زينب: أفديك بعيني..
قالت الجدة، بعد أن أبعدت مغزلها عن فخذها اليمنى، وأطلقت خيالها الذي اتسع له فضاء كوخ القصب: السالفة وما فيها - يا زينب - أنه في سالف الزمان وقديم المكان، كان أهالي مدينة »الكرخة« يعيشون في بيوت متجاورة، أبوابها دائما مفتوحة وطعام أهلها موفور، لا تعرفين فقيرهم من غنيهم، ولا أميرهم من خفيرهم، لأنهم قوم من نسل واحد وليسوا أخلاطاً، وكان شبابهم.. يُجلُّون شيوخهم. وشيوخهم يفتخرون بشبابهم.. بينما نساؤهم جميلات كأنهن درر مبثوثة. مدهونات بالعود، ومتديرمات بالديرم، جميلات في مشيهن، وقعودهن، ويومها كان الرجال رجالاً يا بنيتي.
توقفت الجدة برهة، كأنها تستعيد ذكريات دفنت في غياهب لا يعرف مداخلها ومخارجها ومفازاتها إلا الراسخون في العلم، فقالت الحفيدة تستحثها على الكلام: نعم، يا جدتي أعرف هذا كله، ولقد سمعت به منك ومن غيرك، إنما مطلبي الليلة حكاية ذلك الغريب الذي سموه بالمجنون.
قالت الجدة: سيحصل هذا، سيحصل، فديت عينيك، ففي تلك الحال، وفد على »الكرخة« شاب ليس من أهلنا، ولم نعرف فصله وأصله، لكن سماته تدل على نبل محتده، وسلوكه يقول إنه ابن عزّ، وكان إذا مشى كأنما الخجل والحياء يخطوان على الأرض، وإذا قعد فمثل العزيز بين الأعزّة. وذات يوم..
- نعم، وذات يوم، نطقت الحفيدة بغير إرادة منها.
أكملت الجدة: وقف الغريب عند باب تلك الجميلة التي يسمونها »زينب« وقال: أي ابنة العم أريد طاسة ماء، فقالت جميلة الجميلات: هاك الماء، ثم أكرمته بطاسة من لبن الجاموس، وقدمت له كسراتِ خبزٍ وثلاث حبات من تمر.
- كانت كريمة »قالت الحفيدة«.
- هذا لأنها كذلك، ولأن الغريب يستحق منها كل الكرم.
- وماذا بعد؟ »تساءلت زينب«.
- رفعت زينب عينيها إلى وجه الغريب، وكان الوقت عصراً، فرأت وجه الغريب، حدقت فيه وأطالت النظر، وهو كذلك كان ينظر إليها، كان الغريب يتكلم بقلبه وعينيه، وكانت مثله، وفي تلك اللحظة اتسع قلب زينب حتى وسع كل هذه الدنيا، وتفتح قلب الغريب، مثلما تتفتح زهور هذه المستنقعات صباح كل يوم.
قربت زينب الكبرى مغزلها إلى صدرها، وفي تلك الظلمة الشفيفة رأت الحفيدة نهرين من الدمع على خدي جدتها، فقالت متأسفة:
- جدتي.. أتبكين؟
ردت الجدة: ما عليك يا بنيتي، إنما هي الأقدار.
- ماذا جرى يا جدتي؟
- في ذلك الحال، عرف الغريب ، وعرفت زينب أنهما ليسا لبعضهما، فقال الغريب: يا أخيّة... هذه قطعة من غترتي هي بمثابة روحي عندك.
سألت الحفيدة: وماذا ردت زينب؟
قالت الكبرى: ستبلى روحي ولا تتمزق أو تخان هذه القطعة، وهاك مني من هو في مقام قلبي وروحي وعقلي.. وجسدي كله.
قالت الحفيدة متلهفة: ماذا أعطته يا جدتي؟
أجابت زينب الكبرى: هي خصلة من جديلتي، لفّها في جلدة وربطها إلى عضده الأيسر.
عادت الحفيدة إلى سؤالها الملحاح: كأنهما عرفا مسبقاً أنهما مفترقان؟
أعادت الجدة مغزلها إلى الأرض قائلة: كان الغريب مطارداً من ناس لا نعرفهم، كان ينام في التخوم والأرباض البعيدة في الكرخة، ويأتي عند الغبش أحياناً، أو عند المساء أحياناً، فيمر عند باب زينب، لعله يراها، وعندما يراها يسرع ليفارقها مخافة أن يقبض عليه مطاردوه.
- وهل قبضوا عليه؟ »سألت الحفيدة«.
- لا ندري، إنما اختفى فجأة، وغابت أخباره، وانقطعت آثاره، وبقيت تلك القطعة من غترته مشدودة إلى العضد الأيسر لجميلة الجميلات.
وتحسست زينب الكبرى عضدها الأيسر، لتحس برداً وسلاماً في كل كيانها، ثم لترى بعيون خيالها، الرجل الغريب يطوف في آفاق قرى المستنقعات ومدن الأنهار، لا يذكر إلا اسمها، ولا يتحدث إلا فيها، فهو لا يزال مطارداً إلى هذا الحين.
كانت الحفيدة قد أخلدت إلى الكرى الآونة، وخارج الكوخ، لم يكن يُسمع سوى نباح الكلاب ونقيق الضفادع، وأصوات تلك الطيور المهاجرة وهي تطلق أنيناً لا يعرفه إلا من فارقه محبوه.


11 - محرم
 

- 1 -

يا باب نجاة روحي..
حريتي في عبوديتك.
قيّدتَ الجميع وأطلقتني
تدخل على الآخرين في النوم
وحدي.. وحدي، أنت يقظتي.

* *

يا باب النجاة..
في الطامة القلوب انخلعت.
في الصَّاخة اصطكت الأسنان، وابيضَّت الأعين،
في القارعة، الدمع فاض بحاراً من المحاجر.
وحده الفؤاد مسكون بك
وحدها عيني لم تَبْيَضْ.

 

- 2 -

زغردت مريم بنت عقيل بكل ما عندها من حيل، وقصدت مجلس الرجال - حيث يجلس أبو زينب جدك - وقالت مختنقة بعبراتها: ولد، والله العظيم.. ولد، يا أبا زينب.
قالت الجدة نثر بنت معيوف: عندما سمعت بشارة مريم - كان هذا منذ عشرين سنة يا ولدي - اصطفقت أجنحة الفواخت، وصدح بلبلان عاشقان بأعذب التغاريد بعدما ارتويا من عسل ثمر التين، وغادر القنفذ الكبير مكمنه من داخل اهراءات النخلة المجاورة وهو يتمشى آمناً مثل بطاتنا البيض، وحط الهدهد الغائب عنا منذ سنوات حاملاً في منقاره غصناً رطيباً من شجرة آس: عيد.. يا ولدي.. والدنيا ولادة وفناء وبعث.. وعند ذلك تذكرت طفلتي الرضيعة زينب المدفونة هنا. وأشارت إلى منبت شجرة السدر، حيث كنا نجلس تحت فيئها..
أذكر ما قالت الجدة، بعد هذه الرحلة المضنية، لأن شجرة السدر: زينب، كانت جزءاً لا ينفصل من حياتنا، أذكر هذا - وأنا أملي عليك يا زينب - هذه الكلمات، لأنني على فراش الاحتضار، ولأن زينب هي معادل حياتي كلها، إنها أنت.. أتسمعين.
اقتربي مني أكثر، فهذا صوتي لم يعد كافياً لأن يعبِّر عن أشواق رجل نذر حياته لهذه الرحلة: الموت. كنت شقياً وتعساً بما فيه الكفاية لأكون جراباً للخراب والأمل. أنت - الآن - تعرفين هذا: قلوب البشر أوعية لا حدود لها، ولكن قلبي كان حفرة سكنتها أفاعٍ وتنينات وجرذان، وشيء من سقر، وشيء من ويل، وديناصورات اعتاشت على غابة من خردة الحديد والنحاس..
أتسمعين..؟!
اقتربي مني أكثر، فالذي يتحدث إليك هو قلبي الشائخ، هذا القلب المختبل بالحب، أو ليس الخبال قرين القلوب العاشقة؟ أقول: كان جدنا الأول - هكذا قالت جدتي - يتعارك مع أول حائط يقابله إذا لم يجد أحداً يخاصمه. بينما كان يتمشى ذات يوم في بستان النخيل - حيث يوجد بيتنا الحالي - سقط على رأسه غصن من شجرة سدر عجوز، فثارت ثائرته وهمَّ بكسر الغصن وسحقه.
وقالت جدتي أم زينب: أحس جدنا الأول، بحرارة تسري في راحة كفه اليمنى وهو يهم بتحطيم الغصن، ثم سرت الحرارة في يده كلها واستوت في كل جسده، لتصعد إلى قحف رأسه، وسمع صوتاً خفيضاً يناديه:
ازرعني.. ازرعني يا أخي في هذا البستان..
قالت جدتي نثر، قال جدك أبو زينب: تحيّر جدنا الأول في أمره، لكن الصوت عاوده مرة أخرى واضحاً وأليفاً،: ازرعني، يا أخي في هذا البستان. وهذا ما تم حقاً فيما بعد، فقام جدنا الأول بإنبات الغصن المتوجع بالأرض، وبإرادة الله تعالى، أحيت الأرضُ الغصن - زينب - وكبرت السدرة، وأخذنا نختلف إليها على غير موعد، وبين جذورها، عميقاً في الأرض، يوجد مدفن أطفالنا الرضع.
والآن يا زينب، أتعرفين لِمَ أناديك باسم زينب؟
- دثريني.. لأن زينب - قبالتي - تحلم.


14 - محرم

صباح..
وفي كل صباح، وفي هذا الصباح كذلك - تريد زينب أن تحيا يوماً جديداً (ولكن ما معنى كلمة صباح) هذه هي افتكاراتها منذ عشر سنوات (ليس بالتحديد فربما تكون أكثر من ذلك أو أقل من ذلك) غير أن الوقت يبقى وقتاً، يجري في دمها وفي تبدل ملابسها، بل وفي تغير معالم جسدها (كانت تنظر إلى صدرها واستدارة شفتيها) ومع هذا يظل الوقت عدواً، عدواً. ما أكثر العداوات خارجها (في داخلها قلب مثل كوخ تسكنه حمائم وبلابل ولبوات وريح وصوت ناي وتلك الطفلة زينب) بيد أنها لا تنفك تريد التصالح مع هذه العداوات، ليس لأنها مهزومة (لم يهزمني إلا الحب) وإنما لأنها - على خلاف الآخرين - تبدو كما هي حيال نفسها في المرآة (في المرآة لا أحد غيري) وحيدة وقادرة على أن تشم العطر الذي تبعث به صانعة البخور في آخر السوق.
أما في هذا الصباح، الصباح الذي يبدو صبيحاً خارج غرفتها (تنظر إلى الصباح عبر نافذة غرفتها المطلة على أبراج تقود إلى البحر، وتشعر بموجة كبيرة تصعد الشاطىء وتتخطى أبراج البيوت، وتقف أمامها، تقول الموجة:
لماذا أنت موجة مثلي يا زينب، فتنظر زينب إلى دميتها، وهي المكان الذي تجد نفسها داخله، مكتظة بالأحلام والتصورات والتأوهات وأصوات البكاء(حيث أبكي، نعم أبكي، داخل غرفتي، داخل عباءتي) والضباب الشفاف والحيوات والناس والوحدة، هذا الصباح أحالها إلى وضعها الذي لا تألف وضعاً غيره: استيقظت مبكرة، على غير عادتها، وتناولت فطورها مسرعة، على غير عادتها، ولم تنظر إلى وجهها في المرآة كما تعودت، بل توجهت إلى الحمَّام وهناك - وجسدها تحت الماء - أدركت كم هي مرمية خارج الأشياء: المنزل، العائلة، الصداقات، بيت العائلة القديم، المشاريع الأسرية المرتقبة، حتى جسدها الذي يبتل (الآن) بالماء، هذا الماء الذي يفجر في جسدها رغبة العويل وهي تقابل البحر، ما عاد لها، إن روحها تبدو (اللحظة) هي الوحيدة، وهي التي تبتل بالماء (لماذا بكت اللحظة؟) وتبكي تماماً كما تبكي دميتها الصغيرة عندما تحممها يومياً.
عليَّ أن أختار بيتي في جسدي (وكانت قد كتبت ذات يوم في مذكرتها: بيتي هو قلبي) هذا الصباح. هكذا قالت زينب لنفسها في ذات نفسها وهي تغادر منزل العائلة (لكم منازلكم ولي زينبي) إلى حيث لا تعرف كانت تريد أن تكون - هذا الصباح - في أي مكان. مكان: أية عذابات تحيلنا إليها الأمكنة؟(كان قلبي سجناً لكل صبواتي، ولكن عندما عرفتك تحولت أزمنة السجن إلى كبرياء، هكذا كتبت إليه في إحدى رسائلها) لكنها كانت مطمئنة إلى أنها (الآن) تمضي إلى اختيارها الصحيح (وهل صحيح أنني لم أختر بعد؟) لأن كل اندفاعاتها تؤكد لقلبها أنها تسير على الطريق الصحيح، تماماً كما يسيل الغبار على ملابسي، ليس ملابسي فقط، إنه يلعب فوق جلدي. غبار (قلبي مملكة نظيفة بلا مخافر ولا سجون هو بيت مثل كوخ، بدون راعٍ ورعية) يلف هذه المدينة من شمالها إلى جنوبها، غبار الألوان، غبار التآمرات، غبار الأحلام الصغيرة، غبار العداوات، غبار المخدرات، بينما أرغب في مكان (مثل قلبي) لا غبار فيه، لا يلزمني بشيء، ولا أطالبه بشيء، كل ما أريده هو أن تبقى الأمكنة قابلة لأن تكون نظيفة (حتى وهي مقمطة بالغبار) مثلما أنا عليه الآن، مسكونة بهذه الوحدة، مندمجة بهذا الفرح أو الحزن، وأن أعرف، أكثر، هذا القلب الذي لولاه، لكنت غباراً، أو شيئاً ما، مرمياً في أي مكان تدوسه أحذية الجند، وأقدام البشر وأخفاف الجمال.
جدت مطيتها تقف عند نهاية اللسان الصخري الذي ينتهي مباشرة عند البحر، رائحة البحر ملأى باليود، وثمة نوارس تحلق في الفضاء البعيد، كأنها تسقط منتحرة أو تبحث عن أسماك صغيرة، في نقطة التقاء السماء بالبحر. أفق. وكان أفق روحها قد بدأ يتشكل (الآن) كما لو أنه حقيبة يدها التي تنام جوارها على المقعد الأمامي المجاور لها، أمسكت الحقيبة بيدها اليمنى، وتلفتت إلى المقعد الخلفي.
جذبت برفق - كما تعودت منذ عشر سنوات - مهداً صغيراً من المقعد الخلفي، ثم وضعته على ركبتيها. كان المهد الصغير مصنوعاً من خشب أبنوسي بطانته أقمشة صفر وحمر وبنفسجية، ونظرت إلى الدمية الصغيرة النائمة بطمأنينة وهدوء، وكان رأسها مسنوداً إلى وسادة حمراء ووجهها يبتسم.
فتحت زينب أزرار قميصها وأخرجت ثديها الأيمن، وقربته من فم الدمية، وقالت: ارضعي يا زينب، أخذت الدمية تشم عطر الأمومة، وسالت دمعتان على خديها الخشبيين. قالت زينب لطفلتها: هذا مكان آمن، البحر بيتي يا زينب، نظرت الدمية الصغيرة إلى زينب بعينين خضراوين تفيضان دمعاً.
كانت زينب (الآن) تنتحب وهي تضم الدمية الصغيرة إلى صدرها، بينما كان ثدياها يشخبان لبناً أبيض، مثل صمغ مشوب بلون أصفر داكن.

21 - آذار

في نهاية الأسبوع - يحدث هذا معي منذ سنوات - يمسك بي هذا الطريق الممتد من (الكحلاء) إلى (الطيِّب). مرة نختصم ونتعارك، وثانية نتآلف ونصفو. إنه طريق مثل بقية الطرق الأخرى، لكنه بات جزءاً من حياتي الداخلية، وصرتُ جزءاً من وجوده، حتى لقد عرفت أنواع أشجاره، ومناطق عبور الدواب والشاحنات، والأماكن التقليدية لتجمعات العمال الأهليين والأجانب على جانبيه.
لكن هذا الطريق أفردني عن غيري من راكبيه.
ففي كل مرة أركبه مسافراً، لا يستوقفني أحد. مرات عديدة تتوقف سيارة تسبق سيارتي، بعد أن يومىء لها عابر سبيل، فتحمله إلى (الطيِّب) أو إلى قرية قريبة، من هذه المدينة الصغيرة الجميلة التي تقع بين ميسان والحدود الشرقية لإيران: المصريون يوقفون صاحب سيارة مصرياً، السودانيون ما إن يروا صاحب عمامة بيضاء داخل سيارة حتى يومئوا له فيتوقف، الموريتانيون، والمغاربة، والجزائريون، والهنود، والبنغاليون، والتايلنديون...كل هذه الأجناس تجد من يوقفون لها سياراتهم بين »الكحلاء« و »الطيِّب«، ليواصلوا سفرة قصيرة.
حدث هذا مع جميع الناس.. إلا معي.
وكنت أغتاظ لذلك، وفي أحيان كثيرة حين يتصاعد غيظي فوق احتمالي، أردد مع نفسي: أول الطريق هو منتهاه.
فأين أنت أيتها البداية - النهاية التي أبحث عنها -؟


* *

ذات مساء صيفي، عزمت - فوراً - على الذهاب إلى »الطيِّب« قال لي أحد الأصدقاء: الساعة تقترب من الثانية عشرة، والضباب قد يداهمك في الطريق، قلت للصديق الناصح: الأمر ليس بيدي.
وبعد أقل من نصف ساعة، كنت فوق ذلك الطريق الذي حلا لي فوقه مرات كثيرة، إطفاء مصابيح السيارة، والسير في الظلمة على هدى ما يراه ويبصره القلب، كنت مغتبطاً بعض الشيء، بل إنني في لحظات خلتها امتداداً زمنياً لا حدّ له، أحسستُ بفرح غامر، فأطفأت مصابيح السيارة، مهتدياً ببصيرة قلبي.
فجأة... وجدت السيارة تنحرف إلى اليمين. وعندما تمكنت من السيطرة عليها، ونزلت لأعاين ما حدث، وجدت إطار السيارة قد تدمر نهائياً.
وحيداً كنت، إلا من رفقة الظلام، ظلام دامس على الأرض، وفي السماء تومض أضواء في القبة المهيبة. لم يداخلني خوف ما أول الأمر، لكنني - بعد لحظات - شعرت أنني منقطع عن الناس، إذ لم يبد أي ضوء لسيارة قادمة من بعيد، كما لم يكن البتة أي صوت، سوى أصوات الهوام.
كثيراً ما تواجهني الوحدة، في غرفتي المنزلية، في المنزل العائلي، في الشارع في »الكحلاء« برمَّتها، إلا أنني كنت أفلت منها بعد فترة قصيرة..
أما الوحدة التي تواجهني - الآن - فلا أستطيع مواجهتها ولا أستطيع الهرب منها. لقد بدأ الظلام يلتف حولي، حتى لأكاد أحسه يتلبسني. وهنا شعرت بنوع من الخوف.
أحسست أن ثمة من يقف إلى جانبي وأمامي وخلفي. بل إنني سمعت لهاثاً. إنه كلب، فالكلاب تشم رائحة الخوف الإنساني: يقشعر جسد الإنسان، ويتعرق قليلاً، خصوصاً عند الإبطين، فيجد الكلب ضالته، وفي هذه المنطقة التي تبعد حوالي أربعين كيلومتراً عن »الطيِّب« تنتشر الكلاب السائبة.
في المساءات، المقمرة، صيفاً أو شتاءً، تتجمع الكلاب في ساحة »الماجدية« وإذ يهجع البشر، تبقى الكلاب صافنة كأنها تنتظر حدثاً ما. وعندما يصل إلى مسامعها أول صوت من أصوات تلك الطيور المهاجرة، تفتح أشداقها، وترفع رؤوسها باتجاه السماء. ثم تبدأ تلك الطيور بإسقاط بيضها إلى الأرض، وعندما تقع بيضة في فم أحد الكلاب، فإنه يزدردها مباشرة، وبعد فترة وجيزة يبدأ بالعواء.. ويهرب. إلى أين؟ إلى هذه المنطقة بالذات، حيث أتوقف وحيداً في هذا الظلام الدامس.
من بعيد، رأيت شرراً يقدح. إذن، هو الكلب المجنون، جاء إليّ، فتحت باب السيارة الأيسر من الأمام، والتقطت عصاً أحتفظ بها. كان الشرر يتقدم إليّ بطيئاً، ولم تكن معي إلا عصاي.
وجدت نفسي أنحدر من التعلية الترابية، وأتجه حيث الشرر. الطريق مليء بالعاقول والحرفش والطرطيع، ومع ذلك كنت أتقدم دون أي تفكير. هكذا تعودت: عندما أشعر بدنو الخطر فإني لا أهرب.. لقد اخترت المواجهة دائماً. وهكذا أخذت أسرع الخطى لأواجه الكلب المسعور، حيث أختار أنا وليس حسب ما يريد هو.
كنت أركض في منعرجات صحراوية، عيناي مركزتان على الضوء والعصا في يدي، لا أدري كم مضى عليّ من الوقت وأنا أضرب في تلك الأرض، كنت مهتاجاً وقلقاً، لكنني في الوقت نفسه كنت مستعداً للقتال.
توقفت فجأة، كان الضوء غير بعيد عني، لكن الظلام يلف المكان كله، خيّل إليّ أنني سمعت صوتاً ما، صوتاً بشرياً ربما، أطرقت سمعي.. فأخذ الصوت يدنو مني... قليلاً قليلاً..، حتى استمعت إلى صوت آدمي يردد:
سَجَدَ لك سوادي وخيالي، وآمَنَ بك فؤادي.
هذي يداي وما جنيته على نفسي.
يا عظيماً تُرْجى لكل عظيم، اغفر لي ذنبي العظيم، فإنه لا يغفر الذنب العظيم إلا الرب العظيم.
ثم رأيت شبحاً يرفع رأسه إلى السماء وهو يردد:
أعوذ بنور وجهك الذي أضاءتْ له السماوات والأرضون
وانكشفتْ له الظلمات وصلح عليه أمر الأولين والآخرين من فجأة نقمتك، ومن تحويل عافيتك، ومن زوال نعمتك.
اللهم ارزقني قلباً تَقياً نَقِيّاً ومن الشرك بريئاً لا كافراً ولا شقيا.
كنت - الآن - أقف قرب الشبح، الذي عفر خديه بالتراب ثم قال: عفّرْتُ وجهي بالتراب، وحُقَّ لي أن أسجد لك.
في الضوء الخافت، ذلك الضوء المائل إلى الصفار المختلط بلون الرمل، حتى لقد تخيلت أن الرمل هو مصدر الضوء، تبينت من أوقفني: شبح ملفع بالسواد من قمة الرأس إلى أخمص القدمين.
- اتبعني: قال الشبح.
تبعت الصوت، كان صوت امرأة، امرأة تكرز أمامي ولا تني تناديني: اتبعني. لم أكن أقوى على العصيان، كما أن التردد ليس من طبعي، وأخذت أسير خلف الشبح الذي أوصلني إلى كثيب رملي، ثم استدار إليّ.
كانت المرأة - نزعت الآن برقعها - فظهر وجهها مضاء بمصباح معلق على سارية. وكان ثمة ناقة وشياه وعنيزات.
قالت: اجْلسْ.
جلستُ. رأيتُ إليها، إلى وجهها، إلى يديها، إلى قدميها: امرأة في حوالي الأربعين (ألقت بعباءتها - الآن - على الرمل) بان عليها التعب والانهداد. وعندما قالت لي: ما لك متعب يا أخي؟ رأيت شفتيها متآكلتين، وأنفها بفتحة واحدة، أما أصابع كفيها فكان بعضها مقطوعاً من جذوره، والبعض الآخر من المنتصف. وكانت ثمة ديدان، مستعمرة صغيرة من الديدان الصفر، تتحرك بين مفارق أصابع قدميها.
قالت: ألا تزعجك رائحتي؟
كانت تنبعث من ثيابها رائحة حامضة، رائحة عجين اختمر منذ فترة طويلة. كررت قولها متسائلة: أيخيفك هذا الشكل.. وما أنا فيه من ويل؟
ولم تمهلني لأجيب، بل كيف أجيب، وقد وجدت نفسي أمام هذه الهيئة المدمرة، ثم إن النور بدأ يضعف حتى تلاشى، أو هكذا خيل إليّ.
قالت: كنت أنتظرك.
سألت: أنا؟
قالت: نعم، أنت، ألا تعرف ذلك؟
دخت.
ارتفع الرمل فصار سقفاً، وجلست على سماء انتثرت عليها النجوم والشموس والكواكب والمجرات. وشعرت أنني بجوار حلقات إنشاد وتراتيل، وسمعت ذلك الصوت الجميل: أول الطريق هو منتهاه، وكان صوت ما يكاد يلاصقني يردد هذه الكلمات:
المنفيون الملائكيون
الذين عرفوا فراديسهم
المنفيون الميسانيون
الغرباء البابليون
أبنائي المضيّعون
أنبل الشهداء والعشاق
وجدوا رصيفهم الأخير.
كانت المرأة هي التي تنشد. أين رأيت هذه السيدة؟ كنت أشاهدها بدقة رغم الظلام. كانت هي أشد سواداً من الظلام بحيث تتجسد كنقطة سوداء واضحة تماماً وسط الظلام، ثم سمعتها تنشد:
اللهم إني فقيرة إليك، ومن عذابك خائفة مستجيرة.
اللهم لا تبدّل اسمي، ولا تغيّر جسمي، ولا تجهد بلائي، ولا تُشْمِتْ بي أعدائي،
أعوذ بعفوك من عقابك.
وأعوذ بعفوك من عذابك
وأعوذ برضاك من سخطك
وأعوذ بك منك،
جَلَّ ثناؤك أنت
كما أثنيت على نفسك
وفوق ما يقول القائلون.
رَنَتْ إليّ من داخل الظلام، فنظرتُ إليها مرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى لم أعد قادراً على العدّ. سيدة مجذومة بالكامل، تفوح منها رائحة عجين حامض. كان شعر رأسها معفراً بالتراب، وثمة جديلتان تنسرحان جوار صدغيها.
قالت: إليّ.. أدْنُ.
وقالت: أَقْرَبْ.. أَقْرَبْ لأضمك.
قالت: أكثر.. أكثر لأعانقك.
وقالت: الآن.. ابترد قلبي.
وكان صوتها يأتي إلى قلبي مباشرة، وهي تقول:
إلهي..
قَصُرت الألسنُ عن بلوغ ثنائك، كما يليق بجلالك، وانحسرت الأبصار دون النظر إلى سُبُحاتِ وجهك، وعجزت العقول عن إدراك كنه جمالك، ولم تجعل للخلق طريقاً إلى معرفتك، إلا بالعجز عن معرفتك.
إلهي..
فاجعلنا من الذين ترسّخت أشجار الشَّوق إليكَ في حدائق صدورهم، وأخذت لوعة محبيك بمجامع قلوبهم، فهم إلى أوكار الأفكار يأوون، وفي رياض القرب والمكاشفة يرتعون، ومن حياض المحبة بكأس الملاطفة يكرعون، وشرائع المصافاة يردون.
قد كُشِفَ الغطاءُ عن أبصارهم، وانجلتْ ظلمةُ الرَّيبِ عن عقائدهم وضمائرهم، وانتفت مخالجة الشك عن قلوبهم وسرائرهم، وانشرحتْ بتحقيق المعرفة صدورهم، وعَلَتْ لسبق السعادة في الزهادة هِممهم، وعَذُبَ في معين المعاملة شربهم، وطاب في مجلس الأنس سِرُّهم، وأمِنَ في موطن المخافة سربهم، واطمأنت بالرجوع إلى ربِّ الأرباب أنفسُهم، وتيقنت بالفوز والفلاح أرواحهم، وقَرَّتْ بالنظر إلى محبوبهم أعينهم، واستقرّ بإدراك السّؤل ونيل المأمول قرارهم، وربحت في بيع الدنيا بالآخرة تجارتهم.
إلهي..
ما ألذّ خواطر الإلهام بذكرك على القلوب، وما أحلى المسير إليك بالأوهام في مسالك الغيوب، وما أطيب طعم حبك، وما أعذب شِرْبَ قربك.
فأعذنا من طردكَ، وإبعادِكْ، واجعلنا من أخصِّ عارفيك، وأصلح عبادك، وأصدق طائعيك، وأخلص عبّادك.
يا عظيم، يا جليل، يا نبيل برحمتك يا أرحم الراحمين.
هي سيدة بعمر أمي، تنشد وتلفعني بعباءتها، لتقول: هذا هو فردوسي. حينئذٍ لم أجدها مجذومة، كانت رائحة الكافور تفوح من ثيابها، وكانت باردة مثل ماء صيفي، ودافئة مثل امرأة نفساء.
- أنت زينب.
وهبطت بفمي على إحدى قدميها. لم يكن ثمة دود، كانت أصابع قدميها بيضاء وطرية، وبين مفارقها غابات من بساتين النخيل تفوح منها رائحة الطلع.
- يا حبيبي. وأخذتني إلى صدرها.
أمسكت بي من كتفي وهزتني، ثم قبلتني ما بين عينيّ، وقالت: الآن ابترد قلبي.
قَبّلْتُ جبهتها، وأنا أكاد أنشج:
كفى لي عزاً أن أكون لك فخراً، وكفى بي فخراً أن تكوني لي حباً، أنتِ كما أحبُّ، فاجعليني كما تحبين..
وغمرنا النور.


1 - أيار
بيضاء، مُحجّلة، وبغرّة بيضاء.
هكذا قال الناس. أما أنا - مجنونها - فلقد رأيت غير ما رأى الناس، كان شعر جسدها أبيض، أبيض مثل الانشخاب الأول لحليب امرأة نفساء، أبيض يميل إلى الاصفرار قليلاً، خصوصا عندما تطلع من النهر في فصل الصيف، أما في الشتاء، فإنَّ لون شعر جسدها يكون أشهب، لأنَّ الطمي يرفض أن يتخلى عن شعرها الذي هو ليس شعراً مألوفاً، وإنما هو زغب أشقر بلون بدايات الشمس عندما تهمّ بوداع النهار.
وهي مُحَجّلة.
للمرأة - عادة - حِجْلان. أما زينب فهي المتفردة بين المخلوقات، كانت بأربعة حجول: اثنان حول يديها، واثنان حول رجليها، لم يصغ حجولها صائغ من ميسان أو بغدان أو دلمون أو بومبي، بل كانت هبة من الله.
وحجلا المرأة - أية امرأة - أصفران ذهبيان، أو أبيضان فضيان. أما حجول زينب فكانت سوداً، لا من ذهب ولا من فضة، إنها حجول من شعر أسود ذي ملمس حريري رقيق ورهيف. هذا ما قاله الناس، أما أنا، عندما سمحت لي بالاقتراب منها ولمست حجولها، فلقد خالفت ما أجمع عليه الناس: يخجل الحرير، ويستحي الزبرجد من ملمسه ونعومته إذا ذكرت رهافة ونعومة حجول زينب، إنها أرق من نعومة زهر الرمان.. ولكن بلون أسود.
وفي المرات التي ملأت بصري بها، لم يدهشني لون الحجول، ولا كرم العنق، إنما الذي دوّخني لون العنق والعينين والغُرّة. حدثت هذه المشاهدة كما لو أنها كانت حلماً: بعد أن رجعنا من النهر ذات عصر، بعد الصلاة بقليل، وكانت قد استحمت بنفسها كما تعودت، نظرت في عينيها:
هالتان سوداوان، مثل كحل، تدوران حول العينين، قال الناس: زينب مكحلة بكحل حجازي. وقلت للناس وأنا أقف فوق سطح مسجد القرية: هذا كحل رباني، أما هدباها اللذان ينطبقان على فصين لوزيين، فكانا من خلاصة أجنحة الصالحين.
وكنت أقول للناس:
يا أبنائي..
هي العقيلة والحوراء،
القرشية وقصيدة كل العصور
المطيّبة أردانها بصبابات الفراديس
المسبيّة
الراعفة اشتياقات وكرامات
المنذورة لفك قيود الأسرى
الموعودة بسيف الولاية وتابوت السكينة
المرتجفة خشية من الله
الفاتنة، العابدة، الصابرة، المكلومة، الثكلى، المهيبة مثل غمامة الرحمة
الطاهرة مثل مريم
النقيّة مثل آسيا
التقيّة مثل فاطمة
المتوحدة مثل مسبحة العارف
وعندما كانت تدير رأسها نحوي - حيث تستدير رقبتها كما يستدير نهر نصف استدارة في يوم من أيام حزيران، وحيث يكون الماء أزرق شفافاً مثل شذرة سائلة، أو مثل فيروزة تتقد تحت غطائها الشمعي - أبصرت عينيها، بل أبصرت العينين وفراهة الهالتين السوداوين حولهما، ثم إنني - في لحظة الحلم ذاتها - أبصرت جسدي كله في بؤبؤيْ عينيها: كانت زينب تنظر إليّ، كما كنت أدخل كلي في عينيها، بحيث عندما أطبقت جفنيها في تلك اللحظة، أحسستُ أنني انطبعت داخل العينين، بل إن نفسي وروحي وقلبي وذكرياتي وماضيّ وجسدي كاملاً، قد سكن فيما وراء البؤبؤين، وإني صرت فيها تماماً كما هي حلت فيّ، ولعل هذه الحالة هي التي أغرت الناس فيما بعد بتسميتي: مجنون زينب.
لقد قبلت هذا الاعتقاد الشعبي، لأنه بات جزءاً من حديث الناس، قبلته منهم ولم أختره، لأنني اخترت في البدء زينب، واخترت في المنتهى زينب، فبتُّ لا أطيق صبراً على بعادها، إذ إنني - بعد صلاة العشاء من كل ليلة - أجلس قبالتها، فوق القمر، أو في عزّ الظلام الدامس، بينما كانت الأفعى الحارسة تتدلى من بين أغصان شجرة السدر، حيث كانت »كلّة« زينب منصوبة، في جو يعطره عرق زينب، فيما حنينها الآسر، هو الموسيقى وليس لحناً رائعاً وحسب، موسيقى لا يبدعها إلا مخلوق، هو الجمال نفسه، كما تمثله هذه الفرس الاصيلة.
وكنت أقول للناس عند مسجد القرية:
يا أبنائي
لو أعطوني الفراتين
لو منحوني تاج كسرى، وكنوز الأزتيك
لو أكرموني بعرش بلقيس
لو أهدوني أفراس الرعد والنياق الحمر
لو ملّكوني سلطة ما بعد السلطة
لو جعلوا دجلة في يميني والنيل في شمالي
.. لَعَزِفْتُ عن هذا كله
وتمنيتُ نظرة من عينيّ زينب
يا أبنائي
أنا مجنونها الأخير.


14- تموز
 

- 1 -

لا هذا الليل أنا
ولا ذاك النهار أنتِ
كلّ سيمضي إلى منفاه
مثل شجرة رمان خاصمها الربيع.
لم يكن شتاء، ولا كان ربيعاً. فصل ما: خرّت السحابة البيضاء خلف السور، وكانت قُبّرةٌ بلون الرمل تتكىء على نهاية عمود صغير مدبب عند الرأس، وتضرب بمنقارها الذي بلون الديرم على السلك الشائك المكهرب، رفعت القبّرة جسدها قليلاً فوق السور، مصطفقة الجناحين، ثم عادت إلى مطرحها، وطفقت تنود لفترة وجيزة، ومدت رقبتها باتجاهي، حتى خلتُ أنها تريد مساررتي بشيء ما.
كنت مبتلاً بالمطر الصحراوي المفاجىء »عادت السحابة بيضاء بعد أن نفضت ريشها الداكن فوق المكان« بينما بقيت القبّرة منفردة تنظف ساقيها ومفارق أصابعها من وضر المطر الصحراوي.
قبّرة بحجم قلب مراهق دَيْرَمَتْ منقارها »كانت مثل عروس تخرج من الحمام توَّاً« ولم تمهلني لحظات قليلة لاستقصاء تاريخها، بيد أني أعرف هذا السور وتاريخي »هل للفتيان المراهقين تاريخ؟« ومع ذلك لم يكن تاريخي سوى مكتبة متنقلة، وحلم في مملكة أفرادها بعدد أصابع اليد الواحدة لا تتخلى عن الله، وكان هذا كله يحدث في الرأس، أحلام: ترى بماذا تحلم القبّرة الآونة؟ ولماذا عليّ - أنا فقط - مواجهة قبّرة لا تعرف سوى الطيران بين فسحات السور، منطلقة من الغدير، بينما السحابة البيضاء، »كانت غيمة غير ولود« ارتفعت بعيداً، في قلب السماء النائية عن السور، مفردة جناحين أرجوانيين، مثل قبّرة لا تعرف إلا حرية الطيران.
تعثرتُ بأطماري وكيس من الدفاتر التي دونت فيها تاريخ السور »نعم تاريخي هو تاريخ السور« بينما أخذ السور يتقدم نحوي، مهيباً مثل طائر الرُّخ ففزعت إلى القبّرة أشاكيها:
تعالي أيتها المفتونة بالطيران، المتديرمة بحناء أول أيام العيد، نتبادل المواقع ونتقايض الأدوار، أنت أنا، وأنا القبّرة، بي شوق إلى أن أسقط خلف هذا السور لتذروني الرياح مثل أزهار شجرة تفاح أو رمان خاصمها الربيع.
قالت القبّرة:
أنت لا تطلب مستحيلاًً، هيا... افرد جناحيك »مثلي هكذا« وعندها ستطير.
توهمت أنَّ لديَّ أكثر من جناحين، حاولت الطيران، لكن ساقيّ انشدتا إلى الأرض.
عندها سمعت القبّرة تصيح عليّ:
أيها الطيني المنذور للعدالة، المحكوم عليك بنعمة الابتلاء...
أنت تحلم في مملكة أفرادها بعدد أصابع اليد الواحدة، ولا تتخلى عن الله، لكنك نسيت معاينة هذه الطيور التي في مملكة الله!
من أين - إذن - يتأتى لي مجاورة الحكمة، إذا لم أكن، من قبل، قد فكرت في حكمة القبّرة؟

 

- 2 -

هذا النهار أنتِ
وذاك الليل أنا
سنمضي معاً، مثل قبّرة بساقين سليمتين يوحدنا الموت بعد أن فرقتنا الحياة.
شتاء. شتاء جديد، فصل دافىء أورقني شجيرة حناء على قوس بحيرة ميسان، ومثل هزار ارتوى من جاني التين، أسكرتني نهايات الفجر »لماذا ينتهي الفجر يا عذابي؟« عندما طلعت الشمس، كرة برتقالية من أفق البحيرة: نصف برتقالة فوق البحر، والنصف الثاني هو أنا، لا لم أكن أحلم، اكتملت مملكتي، ولم يكن ثمة أي سور »إلا ذكرى الحجل الذي ما تزال آثاره في خاصرتي« كما لم تكن هناك قبّرات بينما اصطخبت النوارس، ولبطت الاسماك الصغيرة دافعة أفواهاً حُمراً دقيقة إلى سطح الماء.
فجأة تعالت الشمس البرتقالية فوق الأفق، امرأة محناة اليدين بخضاب قهوائي، تلمع شفتاها بالديرم الأرجواني، فعرفت أنني اكتملت وانكشفت، فنادتني شجيرة الحناء:
أيها »الحوار« الصغير الأعمى.. أية حظيرة تليق بك؟
كانت هي زينب.


10- نيسان
 

- 1 -

شقوتي في حبي وهجراني
في محبتك لا مفرّ منك
وفي هجرانك لا فرار إلا إليك
أنت الذي اصطفيتني لنفسك
فلمَ تطيل أمد قبضتي؟
يا معاشر العشاق:
أنا شاهنشاه العُصاة
لكن التي تحبني وأهجرها
تراني سيد الشهداء
من ذاك الذي سطا على ماضيَّ: العائلة.. السلطة.. مارتوف، أم نخلة خرَّت على دجلة، فسقطت مع طلّيعها إلى ماء يغتسل فيه الشرف، وتسبح فوق سطحه جنوبيات تحنَّين بالدم واغتسلن بالفضيلة؟
يا شبابي:
يا أيام الصهد وعواصف الرمل والحجرات المظلمة.. الأسلاك الشائكة والانهداد في آخر الليل متوسداً خاصرة جواد نفق تواً، صخب الحانات وافتقاد الصداقة.. القبلة الأولى وانتحاب المنابر... القراءات الغجرية والرضع يموتون بعد التهليلة الأولى..
من صادرك: نيزان، فوشيه، الجيلاني، رابعة، أم طاووس النساء: زينب؟
 

- 2 -

نخلةٌ توضأت بالعود ومالت إلى النهر
وصلَّتْ »ركعتين للعشق«
أبعد من كل الآفاق
فضيلة ما بعد الحب
عين ولام وياء الاسم
تلك هي: زينب
هَجَرْتُ الطريق، فاختارتني الطريقة
أودى بي الطريق إلى السوق والخان والمؤسسة، بينما قادتني الطريقة إلى قارعة نفسي: الوحشة، حيث أنا صورته، وزينب صورته، وحيث شاهدني الشاهدُ والمشاهد.
نعم، أنا الجمل الأجرب منبوذاً من القافلة، لكن رغائي لا تسمعه سوى العصافير الحمر النجائب.
نعم، أنا المريض الميؤوس من شفائه كما تقولون: لكن علتي لن تبريها سوى زينب: سمراء ميسان.
نعم، قفر هذا الطريق،
والطريقة سيدة الفراديس.. زينب.

* *

خلع عليّ الملكُ تاجه
والسلطان ناولني صولجانه
لم أشكرهما
قلت للملك: أتعرف كم تاجاً طوته الغبراء؟
وقلت للسلطان: لك الصولجان ولي قلبي.
بعد هذا وجهت وجهي إلى فاطر السماوات والأرضين، وقلت:
سبحانك ما أعظم شأنك.
فترجّع الصدى:
سبحانك ما أعظم شأنك.


14 – رجب

* البتول في القيلولة *

مرمدة مدلاة فوق الأفق الغربي.
وتحت الرماد روحي جمرة صفراء فاقع لونها/ تستقي زيتها منها/ هي تستحم في محطة من عينك، عينك التي حجابها سيف بابلي/ فلماذا أيتها الجميلة وهبتني رطلاً من كافور وحفنة من حنطة ونصف أوقية من زبيب وجوز، فلم يبق في ملكوت روحك إلا مرديّ من رحمة/ وهذا أنا زندي موسوم باسمك، وتحت ثديي الأيسر بقية من خضابك/ وبين عينيّ نجمة زيت، ولبان ومرّ، وخاتم استدار على سبابتك ذات مساء.
يا جميلات ميسان وفارعات الخليج:
اطلعن إلى حافات قلبي/ من دلمون والوصل/ من الحيرة وداس/ من جبيل وجميرا/ من الدوحة والطائف/ من الماجدية والخرّان/ من الصحراء والحضر/ من اليابسة والبحر/ من باطن الآبار وماء أعذاق النخيل/ من المكتبات المنسية ونزهات العشاق/ من الرماد والجمر/ من المكاحل وهفهفة النفانيف/ لأن التي تهواها نفسي وترغب بها روحي/ استفاقت الآن من رقدة القيلولة/ ووقفت في حوش قلبها نوراً يستضاء به ومرديّاً من رحمة.

* الخضر *

بين مسافي ودبا، أوقفني الخضر.
وقال:
أيها المنذور للمحبة/ المحنّى بطين الفراتين/ المعترك مع نفسه/ المزنّر بسبعة أقواس من لهب/ الغريب حتى بين أهله/ السائح العابد التائب وسط فساد السوق/ المنجذب والمجذوب/ المقفل على نفسك كل الأبواب إلا بابه هُوْ/ الغارق في فتر ماء والعوّام في بحر الظلمات/ من أين احتطبت كل هذا الصبر لتصل إلى هذه القمة؟
لم أحر جواباً.
فهذا أمير العشاق يسأل عن حال من يجهل حاله، ويتحرى أمر من استوحش الطريق وقلة الصحب والزاد، ويعاين مهزولاً لم يبق منه سوى قلب، قلب بحجم عين حوار.
غير أني بعد أن حمدت الله وأثنيت عليه وصلّيت على محمد وآله وصحبه، رأيتني مَرْمَدة مدلاّة فوق الأفق الغربي، ثم خرجت روحي، جمرة كروية صفراء فاقع لونها.
وقلت:
يا عم
البتول التي شعر رأسها حتى حجليها
الطالعة كسفينة من غمار أدخنة بحر دلمون
المانحة للظل السكينة كما شجرة لوز في الحيرة
الفاتنة كما رازقية باذخة في مساء ميسان
الصابرة مثل »غويفة« في بحر رمل
يا عم
تلك البتول التي تآخت مع الفضيلة، مرت الآونة من هنا.
وعند هذا الموقف تخشب لساني داخل فمي، وتجمدت دموعي عند مآقي عينيّ، وارتجفت ساقاي، ولم أعد أسمع دقات قلبي، وغادرني تنفسي، وانطبقت عليّ السماء والأرض
ولم يبق لدي إلا سمعي
وسمعت الخضر يصيح:
يا رؤوس الجبال
أنت أيها البحر، وأنت يا صحراء
يا برق يا رعد يا عواصف
يا كل الطير والشجر والحجر والهوام
أشهدكم جميعاً، أنا راشد الخضر
أن هذا الفتى روح البتول.

* جدائل البتول في ميسان *

في ذلك المساء الماطر افتقدت جسدي.
هذا أنا أبدو للمعاين عبر زجاج حائط المطعم الخشبي، مثل مَرْمَدةِ عُرفاء بين نخلتين بصراويتين، بينما نفسي تحت الرماد الذرّي المتماسك، تبدو لقلبي مثل جمرة صفراء فاقع لونها، أضيئت فسحة من ظلام أبيد يتأبى أن يسترشد بالنور.
تجلس نفسي إلى طاولة خشب مستديرة.
ثمة قدح وماء، قصاصات ورق تنتظر مشروعاً مؤجلاً منذ أربع عشرة سنة، لا بل أحقاب.
أنا هو ذلك المشروع المؤجل.
وإذ تقابلني سنوات العمر، وتبدأ إحداها بتلاوة سورة الإخلاص، يعود جسدي إلى نفسي، ألملم أوراقي، وأغادر المكان.
مطر، مطر سماوي تستقبله اليابسة والأشجار والناس، ومطر داخل روحي، أتنزه بكليتي تحت المطر، ثمة رايات وجنود، جنود بسيوف من فضة وعمائم من حرير، جنود بدروع من عقيق وأحزمة من لهب، جنود مجندون لمنازلة الدجال، جنود مجتبون ليوم من أيام الله.

أرتصف مع الكتيبة النورانية، فتظلني رايات سود من كل حدب وصوب، بينما الشمس تنهض فوق مغربها، كرة صفراء فاقع لونها، ترسل إلى الكتيبة أحزمة ضوء مبصرة، مثل جدائل تلك البتول التي اختارت النور مقاماً. جدائل تمطر نوراً.. تلك هي زينب وليست مرمدة!

 

تجليات

وقف سعدون المجنون على حلقة ذي النون المصري في الفسطاط فسأله: يا ذا النون...متى يكون القلب أميراً بعد أن كان أسيراً؟
فقال ذو النون: إذا اطَّلع الخبير على الضمير، فلم ير في الضمير إلا الخبير.
قال الراوي: حلَّ علينا رجل من بابل، يبدو عليه الوقار وَسَمْتُ الأحبار، فأفردنا له مجلساً، ذات يوم جمعة، بعد صلاة الجمعة، على شاطىء نهر الكرخة.
تحدث البابلي طويلاً عن بلده وأهله، وأنشد شعراً يحكي قصة مليكهم جلجامش الذي ذهب يبحث عن سر الخلود في بلاد الأرز.
قال الراوي: وكان المجنون حينها، منتصب الأذنين، يتابع باهتمام ما يرويه البابلي، وما إن وصل ضيفنا إلى ذكر جلجامش، حتى هبَّ المجنون منادياً: انكيدو.. انكيدو..
قال الراوي: وبينما نحن ننظر متعجبين إلى ضيفنا البابلي، أخذ المجنون بأطراف دشداشته وأنشد يقول:
 


كانت في النية

عند السور
امرأة
أم طيف
تدهن نهديها
بالكافور
وروح الصيف
عند السور
طيفٌ
امرأة حبلى
تدهن نهديها
بالكافور وروح الصيف
وتناجي الربّ
عند السور
امرأةٌ
بابلُ هي
وروح الرب

* *

عند السور
امرأة
في النية
يا امرأةً في النية
لم يخلقها إلا الله
عند السور
امرأة،
لم يعرفها
إلا هو
يا هُوْ:
يا الأسماء الحسنى
وقدس الأقداس
هبني امرأتي
التي
في النية.
هبني امرأةً
هي مجدك
كانت في النية
قبل أن يتشكل
هذا الكون
في النية


* *

يا امرأة في النية
عند السور
سبيَّة
لست أُخيَّة هارون
ولست المجدلية
سوسنة العرش
أنت؟
أم روح نبيَّة؟
كعبتي أنت
مصلاّي و»تربتي«
وأول حلم الله
قبل أن يوجِد الله
هذي البرية
يا امرأة كنت أردتها
قبل أن يتشكل
هذا الكون
في الذات العلية
 

وحي


أوحى إليّ الله
أن عينيك
فردوسي وناري
وأنك
مكتبتي وداري
وقال لي
- إذ رآني أبوس باطن كفيك -
يا فتى:
هذي نعمتي إليك
فتقدم من نعمتي ولا تداري
وخذ ما تشاء من رحمتي
ولا تداري
وحدي - يا مناي -
آخر السكارى
أقودك إلى المسجد
قلبي
آخر المحاريب
فادخلي بسلام
دار السلام
قلبي: الكعبة الأولى
فصُّ عقيق
إني أصلّي
- بين يديك -
لفاطرك
فسبحان شفتيك

 

صبوة

أشتهيك.
كما أنت. كما كنت
امرأة
أو جدولاً يلتقي نهراً
أو نهراً يصل بحراً
وبحراً.
أشتهيك
كما كنت. كما أنت
امرأة
وبحراً.
اشتهاك الله
فخلقك
وبعث بك إليّ
أحببتك
فأهديتك
إلى الله
يا صاحب الجلالة!
هذي محبتك
ردَّتْ إليَّ.
سبحانه..
ما أعظمه،
أفاض على نفسه
فسوَّاك
وصلّى عليّ
سبحانه ما أعظمه
سوَّاك
وصلّى علينا
ثم سوَّاك
وصلّى على عباده الصالحين
أنا الأعمى والمجنون
أنا السكران
أشتهي بابلية تقودني
إلى السور
وحدي..
أرفع العرش
وحدي
أحرس المسجد
وحدي
أصلّي على زينب.
 

صلاة.. فوق العرش

- 1 -

أجلسني على عرشه
وقال: تمنَّ
قلت: أنت وهي
زينب المحبة
وأنت الحبيب
وأنا - بينكما - المعذب
 

- 2 -

لقد أغلقت أسيجة حدائقي
وأقفلت أبواب قلبي
وها أنا وحدي
أواجه وحدتي
إذن لم يبق - يا مناي -
إلا إياي مع إياي
ولم تبق إلا صورتي
في المرآة
وأنت صورتي التي في المرآة
 

- 3 -


رباه..!
لأنني أحبك
لا أقبل غيري
في شراكة محبتك
رباه..
ما سجدتُ لغيرك
فكيف أسجد لغيرك؟
إن غفرت لي فأنت الرحيم
وإن عاقبتني فلأنت العدل
 

- 4 -

ومن هي روحي؟
وهذا البوح، لِمَ يأتي في هذه اللحظة؟
ألأني ثمل،
أم لأنني ألبس التاج؟
رباه..
يا من قَسَّمت الرحمة
على نفسك،
وأقسمت بالرحمة
على نفسك
لماذا بقيت روحي عزلاء
وفوق رأسي تاج ملكوتك؟
 

- 5 -

يا روحي:
لماذا أهيم بك
وهذا التاج فوق رأسي؟

 

سبحانيات

في الصباح..
ومع بداية المساء
وكما أقف أمام الله
خمس مرات في اليوم..
يتوجه قلبي إليك
متوسلاً قلبكِ
ورحمتك الوسيعة
لقد دعوت »الروح«
إلى سفرة العشاء
فاختار الجلوس بين يدي
ولم يكن أحدٌ
على يساري أو يميني
لأنك غائبة عن هذا المكان
في الفجر
يوماً بعد يوم
يُقرِئني اللهُ السلامَ
لكنني أرجوه دوماً
أن يُرسل سلامه إليكِ،
إليكِ فقط.
تضطربُ الأشجارُ
عندما تلامس جذورها الأرضَ
وتفرح قيعان المحيطات
بصمتها.
أنا - وحدي - الفَرِحُ بك
حاضرةً وغائبة:
في حضورك أقبّل باطن كفيك
وفي غيابك
يُطهرني عطرُ أصابعك
استويتُ لا أتذكرك
لفرط ما أتذكرك
كلٌّ له أمل
وحلم.
كلّ له امرأة وحبيبة
أو عشيقة
كلّ له حياته وموته
أنتِ وحدكِ
روحي الأخرى
طريق جلجلتي
وزلزالي الذي لن يهدأ
ليسَ عجباً
أننا التقينا
قبل أن نولد
ابسطي كفكِ
ها أنا خط المصير
في راحة كفك اليسرى
تكتمي عليّ كما تشائين
لا فرق عندي
بين المعالنة والتستر
فأنا الفضيحة
عندما أحب.
ولأنني صرت
الفضيحة
بعدما أحببتك!
لو أنني
رقيتُ سُلّماً إلى جبهتك
فرأيت عينيك
ولمست خديك
وعاينت علامات قيامتي في نحرك
فإني..
سأهبط ثم سأهبط
حتى ألامس قدميك
ومثل صرخة الرضيع الأولى
سأصرخ:
أحبك
لا تغسلوني بالماء
ولا تطهروا ثيابي بالكافور
لا تدلكوا شفتي بأوراق السدر،
أبعدوني عن هذا كله
وخذوني إلى صدر زينب
لنا يومان
يوم لك
ويومنا الثاني
هديتي إليك
في لغتي
كلمتان:
أولاهما أنت
والثانية أنت
 

محراب


تزهر أشجار الشوق
في بساتين قلبي
لأنك مسجد صغير
في قلبي
وأنا المحراب
سلام عليك
تزيَّني.
سلامي عليك
تزيَّني وادخلي بسلام
محراب قلبي.
أخفُّ من ريشة
أجمل من زهرة
أكبر من البحر
أوسع من السماء
تلك هي زينب
ماذا أبقيتِ لي فيَّ
بعد أن أخذتني
مني إليك؟
سلامٌ عليّ
يوم وَلدتُ
ويوم عرفتكِ
ويوم أموتُ بين ذراعيك
سلام علينا
يوم نبعثُ من جديد
توأمين
مثل زهرتين
جاورتا العرش
من عليائه
نظر إليَّ الله
فرآني أقبل يديك
استحيا - سبحانه-
وجلس ينظر إلى نفسه
فرآنا قبالته
لا تخافي
فلا شيء سواك
هنا أو هناك
لا شيء سواك.
لماذا أنت
حلوة كخمرة العنب؟
لماذا أنت
جميلة
كعاصفة في دمي؟
لماذا أنت
ألذ من الخمرة
وأجمل من العاصفة؟
لماذا أنت
خُلقت كما أنت؟
 

 

في الحضرة

يبدو لنا أن طيران العصافير في النهار بلا هدف، إلا أن العصافير في المساء تبدو كأنها وجدت لنفسها مقصداً، فهي تطير صوب مقصدٍ معين. وهكذا، ربما، في مساء الحياة..
 

(ألبير كامو)


قال الراوي:
رأينا المجنون - في أحد أيام شهر تموز - يدخل سوق القماشين، وقد بدا في حبور وسرور، ثم توقف قليلاً عند دكان يعرض عباءات وشالات نسائية.
فجأة وقع المجنون على الأرض جثة هامدة.
تجمع السابلة من الرجال حوله، لكن النسوة تجنبن الوقوف عنده، إلا زينب... فقد دنت منه وأسرَّت في أذنه بضع كلمات.
وما هي إلا هنيهات، حتى استفاق المجنون، فجلس متربعاً والعرق يتفصد من جبهته، وقال: زارتني الحبيبة قبل لُحيظات، وقالت: صفني.
وقف المجنون على قدميه، وأنشأ يقول:
 

في حضرة البتول

كُنْتِ
قبل الماء
وأنتِ
سوسنة الكون بعد الماء
وأنت
روحي الأولى
وقصيدتي المؤجلة


* *

لَسْتِ ليلى
ولن تكوني بثينة،
أنتِ
كلمة لم يطلقها أحد
أنتِ
أهديت السماء لونها
وأنت
سفينة نجاة الأمم
إلى الله

* *
في صباي
كتبت اسمكِ على جدار المدرسة
في شبابي
كنت حلمي بين البنات
في كهولتي
أنت حلمي وخبزي الكفاف
وفي شيخوختي
أنت ريحانة الدنيا

* *

لقد خُلِقْتُ مرّتين:
الأولى بـ »كن«
والثانية بين شفتيك

* *

تمنّى الليل
أن يكون بعضاً
من كحل عينيك
وعندما حلم بك النهار
كنت ضياءه


* *

ذات أصيل
مَرَرْتِ في خاطرالربيع
فاستحيا من نفسه
لأن الأزهار تعلقت بأذيال نفنوفك
والأرض تنفست تحت قدميك

* *

والخريف - نسيت أن أخبرك -
ينسى اصفراره
عندما تجاورين أشجاره


* *

أنا المنفيّ عن وطني والناس
أيقظني الملاك المخلّص
عندما تمتم بحرفين
من اسْمكِ
اسمكِ:
أملٌ وحلمٌ وارتقابٌ
وكل الحنين
اسمُكِ:
حِرزٌ يحرس بابل
اسمكِ:
دعاء الحزانى في ميسان
ونخلة فرعاء في جلفار
وأنت
التين والزيتون
وباسمك
يأمن البلد الأمين

* *

للزاهد صومعته
للنواسي خمرته
لجميل فتنة بثينة
مثلما لقيس فراق ليلى
وللناس - كل الناس - الفراديس المرتجاة
أنت وحدك
فردوسي

* *

غَيْري سيعرض عليكِ
قصوراً ورياشاً
سواي سيقول فيك شعراً
أنا...أهديك
مكحلة أمي
واسمي »الحزبي«.
قال الراوي:
خرجت البتول من خيمتها ذات صباح مسفرة عن وجه نوراني، وقامة هي عمود من نور إلهي، وقالت تحدث نفسها لتسمعها المخلوقات والعناصر:
- اليوم اكتملت هيئتي ورضيت نفسي للذي ينتظرني.
سمعت الرويح ما قالت البتول، وكذلك البشر والمخلوقات الناطقة والعجماء، الجبال والمياه والنار، الجن وسكان العوالم السفلى، النمل والهوام والطير، السماوات والأرضون..
كانت خيمة البتول على منحدر في مواجهة النهر، تحيطها الأزهار، وتطير في فضائها الطيور، تحرسها سباع الأرض وحيّات المياه والرمال،
وكانت وفود البشر والجن والطير والدواب والماء والنار والجبال، تتجه إلى الخيمة حيث البتول أسفرت كشمس الربيع.
وحده، انتبذ »المجنون« ركناً قصياً، ينظر منه إلى البتول، ويستمع إلى حديث الكائنات.
ا

الأمم في حضرة البتول


عربٌ
بَدوٌ، حَضَرٌ، وأعراب
أبناء عدنان وقحطان
عَرَبٌ من كنانة
آخرون من طيِّئْ ولام وكَعْبْ
أناخوا حمر النعم حول خيمتك
بَدْوٌ من نجد
بَدْوٌ ملثمون من إفريقيا
بَدْوٌ من سوريا ومصر
والعراق
عرافون من سِنَّار وشعراء من مَرَوِي
حَضَرٌ سومريون وأشوريون
عَرَبٌ من رؤوس الجبال
ومزون
حَضَرٌ من تطوان حتى جلفار
بَدْوٌ وحَضَرٌ قال قائلهم:
هذي هدايانا لبتول النساء
هدايانا،
أسلحتنا، حجول نسائنا،
كتبنا الأولى ومرّ عمان،
هدايانا،
نياقنا والصافنات،
أشعارنا وحرف الضاد
وها نحن بين يديك
نقول: أسلمنا
قال الراوي:
قالت البتول:
اليوم أكملت هيئتي ورضيت نفسي للذي ينتظرني
قال الراوي: منفرداً وحيداً، حيث انتبذ »المجنون« ركناً قصياً، ارتقى صخرة تطل على النهر وخيمة البتول، وأنشد يقول:
وحدي..
بعيداً عن قوافل البدو والحضر
أناديك باسمك
وأتعبدك
الكعبة
هاجرت مرتين
الأولى اليك
والأخيرة اليك
وصيّتي:
احفظيني فَصّآً
في محبسك
للناس مواقيتهم
قلبك وحده
ميقاتي
أخذ »ابن صيفي« بيدي
وقال: يا ولدي
دُلّني على بتول العرب؟
قلت: لمَ.. يا أبه؟
قال: لأرى نور الله في عينيها
ولأحدث عنها الأمم
في صحراء الطّف
وحدي رأيتك
تعيدين رأس الحسين
إلى جسده
في حضرتك ينساني الكلام
تهجرني الأبجدية
بيد أنك - يا صنو روحي -
آخر الأرصفة.
قال الراوي: أصبحنا ذات يوم - والملك كلّه لله - على صباح ما ألفناه. وجدنا »المجنون« وقد نصب خيمة قصاد دار »البتول« خيمة خلقة، بباب واحد، جلس »المجنون« يطيّر طيّارة من قرطاس، فوق دار »البتول« وعندما لم تساعدها الرياح سقطت، فوجدنا هذه السطور مكتوبة على ورقها:
 

قلب في طيّارة من ورق


* معجزة *

عقب أن ولدتني أمي بساعة..
مُتُّ
قالت: دعوه في مهده ولا تدفنوه
مرّ يوم وأسبوع وشهر
مرّت سنة، تبعتها عشر
ثم عشر عجاف وعشر سمان،
وكان
جسدي الرضيع في المهد مزهراً
مثل نار لم تنس ذاكرتها
وكما حدث ليعقوب
حَدَثَ أن مررتِ جوار مهدي
ألقيت بمنديلك عليْ
فَعُدْتُ للحياة... كهلاً

* أحجية *
هي امرأة تختصر كل النساء
واسم رددته قبلي الملايين
الأرض قرطاس بيانها
الماء مداد يراعها
وقلبي الدواة


* قسم *
والحُبِّ
والصُّبْحِ وما رأى
ما ضرّني
إن كنت شاعراً
أو مجنونك الأخير؟


* حلول *
يا عين الاسم
لم يبقَ إلاّ إيّانا
بعد أن باركنا ياؤه

* حنوط *
ترابُ خَطوكِ حَنوطي
يا أصغَرْ الأمهات
يا أميّ
يا.....


* وصية *

لا تخذليني..
أقولها للمرة الألف
وقبل أن يهيلوا عليّ التراب
أنا آخِرُ البكائين في حضرتك
وأنا ضجيج
آخر حرفين من اسمك


* مقارنة *
ما أكثر الحور العين في غيابك
وما أقلهن
في حضورك.


قال الراوي: »وفي يوم تالٍ أصبحنا - والملك كلّه لله - فرأينا المجنون عائداً إلى حيث دار »البتول« بعد أن دمّر الرعاع خيمته. كان يرْتدي دشداشة بيضاء نظيفة، وحول وَسطِهِ حِزامٌ من جلد سمك القِرْش، حاسر الرأس، حافي القدمين. وقف المجنون طويلاً قصاد بوابة دارة »البتول« دون أن يطلق نأمة، وبعدها سقط مغشياً عليه، عند ذلك هجم عليه نفر من الرعاع وسرق أحدهم حزامه، لكن أحد عقلاء الحي، استرد الحزام، وعرضه بعد يومين على جلاّسه، وعندما تملينا الحزام جيداً وجدنا هذه الأسطر على أحد وجهي الحزام..«.



 

لحظات من الساعة الخامسة والعشرين
في يوم من أيام المجنون

 

1
 

ا لهنائي!
جنة المأوى والغُرفة
بين يديكِ،
بينما الفراديس تتبع خطاك
يا لهنائي!
حدث هذا، لأن الله أراد أن تكوني
أجمل من يوسف، وأرقَّ من الرحمة
حدث هذا لأنَّ الله استجاب لدعائي
فالتفت إليك
 

- 2 -

رأى يوسف أحد عشر كوكباً
والشمسَ والقمرَ
له ساجدين
عندما حباني الله بمنزلة العبودية
رأيتُ أحدَ عشرَ كوكباً
والشمس والقمر، ومثلها أضعافاً
صافنة في حضرتك
تُسبّحُ لله الذي فطرَك، وجاد عليك بنور منه، هو صبغتك التي في قلبك
وإذ كنتُ أقترب منكِ، رأيت تلك الكواكب والشموس تدنو ثم تدنو منك، لتستوي حبات لؤلؤ في راحة كفك اليمنى، أخذت أجمعها لؤلؤة إثر أخرى حتى صارت عقداً
عند ذلك زنّرت جيدَك بالعقد
آه...يا جميلات الكون!
آه...أيتها الحور العين.
ها هي الجميلة، مشرقة كما الكوكب الدريّ، توقد بابتسامتها كواكب الفراديس، وتنير بالتفاتة من جيدها أرواح الغابات وقلوب الجبال وأعماق المحيطات.
آه...أيتها الجميلات!
ما أجمل حبيبتي
 

- 3 -

أيتها الحبيبة!
عندما كان الصّمْتُ أنتِ، تَحَدَثْتِ إليّ طويلاً، في لغةٍ غير لغةِ البشر، عن العشّاق المهابيل، والشعراء المجانين، والقلوب التي صارت حبَّاً خالصاً.
إذ ذاك، كنت أنا الصمت، فلم ينطق لساني بحرف، لأنني رأيتُ اللّه في عينيك.
حينها خرَّ كلانا ساجديْن لله، شكراً وضراعة وخشية.
يا مولاي العظيم!
ما أجمل الصمت.
لأنه حبيبتي.
 

- 4 -

ارتحلتْ ليلى إليكِ، وتبعتها فَرَحْ
أنتِ، وحدكِ، الواقفة عند السدرة، أصفى من بحيرةٍ صامتةٍ، بل إنّكِ الصمتُ.
قُلت لليلى: ماذا بعد التبتل؟
وقلت لفرح: الآن.. استويت أقرب إلى الصمت.
وكنتُ، جوارك عند السدرةِ، أرقبُ صعود الجميلتين إلى قلبك، وقلبي الصغير الذي مثل قبضة كفّ رضيع، كان يحاور قلبك الصغير الذي مثل رحيق زهرة بنفسج. توقفنا نحن الثلاثة: القلوب الثلاثة، قلبي وقلب ليلى وقلب فرح، نرقب صمتكِ، بينما زهرة البنفسج تُدخلنا في إهابها، لنصير صمتاً
آه... أيها الصمت
ما أجملك... لأنك فيضٌ من حبيبتي
 

- 5 -

أيتها الحبيبة!
ما كان ليدي أن تتحرك، إلاّ لأنها صافحت يدك
وما كان لعيني أن تبصر الأشياء إلاّ لأنها بعضٌ من كحلِ عينيك
ما كان للساني أن يكون »ترجمان الأشواق« إلا لأنه سمع منك الآفاق التي هي أكثر بعداً من الأشواق
وما كان لقلبي أن يكون معبداً، إلا لأن نقطة من دم قلبك، امتزجت بنقطة من دم قلبي.
ما كان لهذا الفقير الذي يخاطبك بهذه الجسارة، أن يعاف ثروة قارون، إلاّ لأنه اكتفى بهمسة منكِ
يا إلهي العظيم... تقدست أسماؤك الحسنى
ما أكبر نعماءَك
لأن الحبيبة، أهدتني..
لحظة من صمتها..

 

فواصل الرضا والهجر


ما أشدَّ تلفي!
في القربِ يُبعدني الامتثالُ
وفي البعد تدنيني المحبّةُ
ما أشدَّ تلفي
وَحدي مَعي
وَحْدي.. زرعتُ قلبي في أصيصِ القُرب
وارتحلتُ إلى مجرات الهجران
ما أشدَّ تلفي:
وحْدي.. أحْمِلُني
إلى أين الامتثالَ
ما أشد تلفي:
وحدي.. أمضي إليّ
تنعاني العواصفُ
وترثيني المجراتُ
أيّها الأحباءُ
ما أشدّ تلفي:
وُلِدْتُ فَمُتُّ فَبُعِثْتُ
بين أينٍ وأيْن:
المسجدُ، وزاويةٌ في جُلفار
 

 2 -

يُناديكِ..
بيتٌ في ميسان
أو عريش في الهُور
يفتديكِ..
بيتٌ في جُلفار
أو كهف في رؤوس الجبال
يشتاقُ إليكِ..
بيتٌ في الخانِ
أو معتزلٌ في الخُوْر
يَتضرَّعُ إليكَ..
قصر الرمل في عجمان
أو دربٌ في الذيد
ما أشدّ تلفي:
ولدتُ، فَمُتُّ فَبُعِثْتُ
بين أينٍ وأينْ:
قلبكِ وزاويةٌ في جُلفار
 

- 3 -

قَبِلْتُكِ
فَرَعَفَتْ روحي، مثل شجرةِ سدر مجروحة،
في غفلةٍ من حراس الفضيلة.
قَبِلْتُكِ..
فوَجَدْتُني نخلةً يتيمةً، بعيداً عن غدران
الفراديس
َبِلْتُكِ
فباركتُ نفسي، ورضيتُ لها مقامها الذي
في الميقات
قَبِلْتُكِ..
في نقطة الرضا
وخط الهجران
قَبِلْتُكِ..
فقامتْ من رقدتها الأسماء
قَبِلْتُكِ..
فَكنتُ الفراغْ

 

- 4 -

لماذا هَجَرَتْ بساتينُ الأكوان مطارحها
والبحارُ غيرت أسماءها؟
ولماذا عافت الأرض خزائنها، والأبراجُ بدَّلتْ
أبعادها؟
والجبال..لماذا خَشَعَتْ.. وبكتْ؟
وعندما أشرقتْ روحي على نفسها.. لماذا
هَجَرَتْني وامتثلتْ لبُعدك؟

 

- 5 -

بين أينٍ وأينْ
توقظني يقظتي
ناعساً ومُتّقداً
مثل زهرةٍ منسية في كتاب

 

- 6 -

أيها العشّاقُ:
ما أكثر العقلاء
ما أقل المخابيل

 

- 7 -

ما أشدّ تلفي
في القرب يُبعدني الامتثال
وفي البعد تُدنيني المحبة!



 

الصحيفة الميسانية


هنا، لا أتوقع أن أعثر إلا على الفن، والموت.

مالرو - اللامذكرات



قال الراوي: بعد صلاة العصر بساعة، وقبل أن تأزف صلاة المغرب، وتقبل ليلة النصف من شعبان، كنا نقيم مجلساً في مثل هذا الوقت من كل سنة، يحضره بنو قومنا - رجالاً ونساء - وهم في أتم زينتهم. يجلس الرجال داخل خيمة نسجت من شعر الماعز تُنصب على الضفة اليمنى من نهر الكرخة، بينما تختلي النساء في خيمة أخرى نسجت من وبر الإبل، تنصب على الضفة اليسرى من نهر الكرخة، أما في وسط النهر فيجلس الروح العالي والعلماء وحاملو الألواح في قارب من خشب مطليّ بالقار، تحت عريش من شجر الآس.
قال الراوي: وفي هذا العام، عام السمك الكثير، وعام الشلب الوفير، بعد صلاة العصر بساعة، وقبل أن تأزف صلاة المغرب، وعندما كنا نستقبل ليلة النصف من شعبان، جاء القوم من حرّان وبابل وفلسطين وجبال ميديا وحافات الأهوار في ميسان، يرتدون دشاديش بيضاً، حاسري الرؤوس، حفاة الأقدام، وجلسوا في خيمتهم عند الضفة اليمنى من نهر الكرخة.
كذلك جاءت النساء، بثياب بيض حافيات الأقدام، وقد ضربن بخمرهن على وجوههن، وجلسن في خيمتهن، عند الضفة اليسرى من نهر الكرخة، وكانت زينب تتقدم صفوفهن.
قال الراوي: وبعد أن أزف الموعد، أذن الروح العالي ببدء الاحتفال، فتقدم شاعر من حران، قرأ شعراً في مدح الحقيقة كان محفوراً على لوح من رصاص، تبعه آخر قدم من جبال ميديا، فألقى خطبة في مدح الماء الحي، ثم تتابع الخطباء والشعراء، حتى قام شاعر من بابل، وألقى بين يدي مجمع القارب الخشبي كلاماً عجيباً، هذا بعض منه:


إلى أرض الأحياء، تاق السيد إلى السفر
إلى أرض الأحياء، تاق جلجامش إلى السفر
فقال لتابعه أنكيدو:
أي أنكيدو، إن الختم والأجر، لم يأتيا، بعد، بالمصير المحتوم
ولسوف أدخل أرض الأحياء، وأخلد لنفسي هناك اسماً
ففي الأماكن التي رفعت فيها الأسماء سأرفع اسمي
وفي الأماكن التي لم ترفع فيها الأسماء سأرفع اسمي
فأجابه تابعه انكيدو:
بلغ أوتو، البطل أوتو
فتلك الأرض في رعاية أوتو
أرض الأرز المقطوع، في رعاية أوتو، بلّغ أوتو
فرفع جلجامش بيديه جدياً تامَّ البياض
وضغط إلى صدره جدياً أسمر، قربانا
وبيده أمسك العصا الـ... الفضية
وقال مخاطباً أوتو:
أي أوتو، إني لداخل أرض الأحياء، فكن نصيري.
فأجابه أوتو:
إنك لـ... حقا، ولكن ما بغيتك من تلك الأرض؟
أي »أوتو« سأتوجه لك بكلمة علّك تصغي إليّ
وكلامٍ أسمعه لك، علّك تصغي إليّ.
في مدينتي يموت الرجل كسير القلب.
يفنى الرجل حزين الفؤاد.
أنظر من فوق السور
فأرى الأجسام الميتة طافية في النهر
وأرى أني سأغدو مثلها حقاً
فالإنسان مهما علا، لن يبلغ السماء طولاً
ومهما اتسع لن يغطي الأرض عرضاً
وإن الختم والأجر، لم يأتيا، بعد، بالمصيرالمحتوم
سأدخل أرض الأحياء، وأخلد لنفسي هناك اسماً
ففي الأماكن التي رفعت فيها الأسماء سأرفع اسمي
وفي الأماكن التي لم ترفع فيها الأسماء سأرفع اسمي.
فتقبل أوتو دموعه قرباناً

قال الراوي: توقف البابلي هنيهة لالتقاط أنفاسه وسط صمت الناس والسماء والماء، وعندما رفع إلى فمه طاسة الماء، كان المجنون يتقدم إلى مكان الحفل، وقعت الطاسة على الأرض، وانسحب البابلي إلى داخل الخيمة، بينما كان المجنون، شبه عارٍ، يسير الهوينا، لكنه لم يدخل خيمة الرجال، ولم يكن راغباً أن يكون قريباً من خيمة النساء، كما أنه لم يخض في مياه نهر الكرخة، ليقترب من عريش الروح العالي والعلماء وحاملي الألواح، تقدم مسافة مرديين في مياه النهر، ثم توقف وكان وجهه إلى الشمال.
عَلَتْ أصوات كثيرة من داخل الخيمتين مطالبة بإبعاد المجنون عن منطقة الاحتفال، بل إن بعض الشباب من خيمة الرجال توجهوا نحوه لإبعاده، إلا أن الروح العالي، بإشارة من يده اليمنى، أوقف هياج المهتاجين، فتوقف كل عند موطىء قدمه، حتى أولئك الذين كانوا يهمون بجرّ المجنون من الماء توقفوا أيضاً.. وعند ذلك رفع المجنون يديه إلى السماء حتى رأينا بياض إبطيه، ثم نادى بصوت عالٍ:
يا أحمد... يا نور النور
بحقك..
يا هرمس الهرامسة
قال الراوي: عقدت الدهشة ألسنتنا، فهذه هي المرة الأولى التي نسمع فيها من المجنون هذا النداء، كنا نراه يكلم السماء، وكنا نراه يتحدث إلى بساتين القصب، وكنا نسمعه، أحياناً يتحدث بصوت خافت إلى نهر الكرخة.
ولكنه عندما توجه بندائه إلى »أحمد« و»هرمس الهرامسة«، بصوت جهوري يشبه بدايات عاصفة، طفق الروح العالي ينشج حتى غطت دموعه لحيته البيضاء. وما هي إلا برهة أخرى حتى سمعنا نحيباً صادراً من خيمة النساء، عرفنا فيه صوت زينب.
قال الراوي: قام الروح العالي على حيله وهو يقول: دعوه. ومن خيمة النساء قامت زينب واقفة على كعبي قدميها لتقول: دعوه. بينما كان المجنون ما يزال يرفع يديه نحو السماء، ويقول:
»يا أحمد
إن هو إلا وحي يوحى من النور
إلى النور«
بسط المجنون يديه، لكأنما كان يتقبل شيئاً من السماء، وأدار بصره بين القوم، ثم أنشأ يقول:
لستُ هرماً، ولم أكُ طفلا
أنا خشب يتيم لم يتيبس بعد
نَظَرْتُ إلى حياتي في الأسماء
فَسَقَطَتْ جزيرة العرب
في الماء
لست طفلاً، ولم أعدْ شيخاً
أنا خشب يتيم فيّ قطرة ماء * محبوس في جبّ * الجبّ في فلاة * الفلاة في بيداء * البيداء في صحراء * الصحراء في قفر * القفر في مدى * المدى في سماء * السماء في عماء * والعماء قلبي وجزيرة العرب التي سقطت في الماء.
لستُ زين الشباب
يُتْمٌ صافٍ - أنا -
وخشب ينزف ماء
فتعالي - يا روح ميسان -
نمزج ماء بماء
قال الراوي: توقف المجنون عن الكلام لحظات، ثم توجه بنظره إلى خيمة البتول زينب وهو ينشد ويقول:
التي أحبها... أهدتني ورداً
وخداً
وقالت: أُدْنُ
التي تحبني.. أهديتها ورداً
وقبلة
ثم ذبنا
التي أحبها..هي كل الأسماء
من قبل همزة الألف
إلى أبعد من لا نهايات الياء
هي ماء ينزف ماء
وهي الراية الحمراء
في كربلاء
التي أحبها... لم أرها ولم تلمسني
التي تحبني.. لم ترني ولم ألمسها
فمبارك - يا مجنون -
هذا الحب.
الذي يقود الفناء إلى الفناء
قال الراوي: وقفنا جميعاً، رجالاً ونساءً، نرى إلى هذا المجنون الذي أتى بعجب لم نألفه من مخابيلنا القلة. ومما زاد في عجبنا أكثر، أن المجنون غرف بكفيه غرفتين من ماء نهر الكرخة، ورشهما.. واحدة باتجاه خيمة الرجال، والثانية باتجاه خيمة النساء، وواصل إنشاده:
حُبي، قنطرة خشب شائخ
وقصب مزرق الشفتين
يرتقب قطرة ماء
وأنا آخر غرغرة روح
لوتر واحد في عود
لم تهزمه الأنواء
فتعالي - يا ناسخة الألواح -
نجمع قلبينا
ونرتحل في نور الماء

قال الراوي: عند هذا الحد، رأينا الروح العالي، يهبط من قارب العلماء، وحاملي الألواح، ويقف وسط مياه نهر الكرخة.
ثم رأينا زينب تشق صفوف النساء وتقف قريباً من جرف النهر، بينما أخذ المجنون يتمايل كقصبة في مهب الريح، وهو يقول:
يا لزاي... يا لياء
يا لنون.. وأنت يا لباء
يا أصل الماء
يا نجوى السماء
هبيني قداسة »الكاف« ودورة »النون«
لأحتمل هذا العناء
قال الراوي: تقدم الروح العالي حتى وقف جوار المجنون، رافعاً يديه باتجاه الشمال، بينما خاضت زينب في الماء، أما المجنون، فإنه أطلق صوته عالياً ليقول:
أيتها الشفيعة!
اسفري
- فدى عينيك -
اسفري
فهذا زمن
لم يعد يليق.. لنقاب
كان الغروب يقترب عندما انحدرت الشمس ليختفي نصفها عند الأفق القصي من نهر الكرخة، وفجأة تحركت جموع الرجال والنساء إلى النهر، وأحطنا بالمجنون الذي اقتربت منه زينب، وكانت كتفه اليسرى تحتكُّ بالكتف اليمنى للروح العالي.
وسمعنا زينب تعيط بأعلى صوتها: لبيك.. لبيك أيها الحبيب.
قال الراوي: كان أمراً عجباً ذلك الذي رأيناه بعد ذلك، فلقد اقترب الروح العالي من زينب والمجنون، ثم ضم كفيّ زينب إلى كفيّ المجنون، ونثر على جسميهما ثلاث غرفات من ماء نهر الكرخة.
علا صوت الروح العالي باكياً، وأطلت أسماك النهر برؤوسها فوق سطح الماء، ومرقت علينا نسمات رقيقة حملت معها عطر عذوق النخيل، بينما كان النجم الأحمر يتوسط كبد السماء.
قال الراوي: ثم سمعنا كلاماً من المجنون، لم نسمعه لا من العرب ولا من العجم. كان المجنون يبكي صامتاً، ثم إنه قال كلاماً أنقله دون أن أعرف معناه:
»..روشمي إلاوي لا هو بنورا ولا هو بمشا ولو هو دْشيها
روشمي مشا رشومي يردنا ربا دميا هي دافش بهيلي لا مصي«.
استغلق الأمر علينا، فنحن لم نفقه شيئاً من كلام المجنون، ولكن الذي زاد في حيرتنا أن النجم الأحمر أخذ يتّقد بنور أحمر لم نعهده فيه قبلاً، كما أن الروح العالي طفق في نوبة بكاء لم نألفها عنده. ثم حدث ما لم يكن في الحسبان: اقترب جسدا زينب والمجنون حتى التصقا تماماً ببعضهما، ثم رأيناهما حزمة نور أحمر، تماماً كما كان النجم الأحمر يتقد حينها. وإذ ذاك سمعنا صوتاً صادراً من زينب والمجنون:
».. صم لغريكون من فرجيا بنكيلا
ولا تشرون آلما دْ نافقتون من فقر يكون
لا نهفيكون روهنانا لملكيا وشلطانا
ومريا هازن آلما، ولا لدهبا وكسبا
شاجيش تغرا وازليا بنورا باشليا«.
قال الراوي: هبط الليل علينا، لكن عمود النور الذي يشع من جسدي زينب والمجنون، كان يضيء البرية كلها. ثم إنهما افترقا، وعمود النور ما يزال منتصباً، وغطسا في الماء ثلاث مرات، ثم سمعنا المجنون ينشد ويقول:
»ما خرج خارج عن ميم محمد، وما دخل في حائه أحد، حاء وميم ثانية، والدال وميم أوله، داله دواؤه، ميمه محله، حاؤه حاله، ميم ثانية مقاله«.
قال الراوي:رجعنا إلى بيوت القصب، لنختلي، كعادتنا في ليلة النصف من شعبان. إلا زينب والمجنون، فقد بقيا في وسط مياه الكرخة، والعمود النوراني بينهما، يتبعهما ذات اليمين وذات الشمال. أما مياه نهر الكرخة، فكانت بيضاء مثل لبن جاموسنا.
قال الراوي: وما حدث بعد ذلك، كان هو العجب العجاب، عندما أخذ العمود النوراني يبث أشواقه في حضرة زينب والمجنون:
إلهي..
أَتُراكَ بعد الإيمان بك تعذبني؟ أم بعد حبي إياك تبعدني؟ أم مع رجائي لرحمتك وصفحك تحرمني؟ أم مع استجارتي بعفوك تسلمني..
حاشا لوجهك الكريم أن تخيّبني.
ليت شعري.. أللشقاء ولدتني أمي؟ أم للعناء ربتني؟ فليتها لم تلدني، ولم تربني
وليتني علمت أمن أهل السعادة جعلتني/ وبقربك وجوارك خصصتني/ فتقرّ بذلك عيني/ وتطمئن له نفسي
إلهي..
هل تسوِّد وجوهاً خرَّت ساجدة لعظمتك/ أو تخرس ألسنةً نطقت بالثناء على مجدك وجلالتك/ أو تطبع على قلوب انطوت على محبتك/ أو تصم أسماعاً تلذذت بسماع ذكرك في إرادتك/ أو تغل أكفاً رفعتها الآمال إليك رجاء رأفتك/ أو تعاقب أبداناً عملت بطاعتك حتى نحلت في مجاهرتك/ أو تعذب أرجلاً سعت في عبادتك..
إلهي..
لا تغلق على موحديك أبواب رحمتك/ ولا تحجب مشتاقيك عن النظر إلى جميل رؤيتك.
إلهي..
نفس أعززتها بتوحيدك كيف تذلها بمهانة هجرانك/ وضمير انعقد على مودتك كيف تحرقه بحرارة نيرانك.
إلهي..
أَجِرْني من أليم غضبك/ وعظيم سخطك/ يا حنّان/ يا رحيم يا رحمن/ يا جبّار يا قهار/ يا غفّار/ يا ستار/ نَجّني برحمتك من عذاب النار/ وفضيحة العار، إذا امتاز الأخيار من الأشرار/ وحالت الأحوال وهالت الأهوال/ وقرب المحسنون وبعد المسيئون/ ووفيت كل نفس ما كسبت/ وهم لا يظلمون.
قال الراوي:
وما حدث بعد ذلك، هو العجب الأعجب، فلقد اقترب عمود النور من زينب والمجنون، حتى استحالا عموداً من نور، وأخذا يعرجان إلى العُلا.
 

ابو ظبي - الشارقة

1996 - 1995

 

 

 

إشارات


يرد في هذا الأثر، ذكر مدن وبلدات ومواقع من الحضارات العراقية القديمة والفترات اللاحقة للفتح الإسلامي للعراق، إضافة إلى مدن أخرى في شبه جزيرة العرب.
وترد في هذا الأثر أيضاً، أسماء ملوك وشخصيات عرفانية وأدبية ذكرتهم مدونات الآداب السومرية والبابلية والأشورية والعربية والإسلامية.
ويتضمن الأثر مقتبسات من القرآن الكريم، والأدب البابلي، وأقوال بعض المتصوفة، إضافة إلى أدعية إسلامية، ونصوص من الأدب الديني المندائي.
وهناك تواريخ ومواقيت، ترد خاصة في فصل »مذكرات« لها دلالات عميقة، باعتبارها مفاتيح للنصوص السردية.
إن مدينة »ميسان« هي المسرح الكبير الذي يرمح هذا الأثر بين جنباته. وشهدت هذه »المدينة« أو »المنطقة« فترات مزدهرة نتيجة تأثر أهلها بحضارتي سومر وبابل. ويقول مستشرقون وكتاب عراقيون، بينهم الراحل طه باقر في كتابه »مقدمة في الحضارات« وعزيز سباهي في كتابه »أصول الصابئة - المندائيين ومعتقداتهم الدينية« إن »ميشان« أو »ميشون« شهدت حضارة مزدهرة قبل نحو ألفي عام.
أما الكرخة، النهر والمدينة، فهي بلدة بين محافظة »ميسان« العراقية الحالية ومنطقة »عربستان« أو »الأحواز« في إيران. وقد بناها الإسكندر المقدوني وسماها »الإسكندرية« وكانت قاعدته للانطلاق نحو بلاد الهند.
وقدمت مدينة »العمارة« التي هي مركز محافظة »ميسان« أسماء مقتدرة للحركة الوطنية العراقية والثقافة العراقية المعاصرة.
والآن، هنا تعريفات موجزة بالمدن والمواقع والشخصيات والمقتبسات والتواريخ والمواقيت التي يتضمنها هذا الكتاب، فصلاً بعد فصل:
رؤيا الطيِّبة
* حسين بن منصور، هنا، هو إنابة عن الحسين بن منصور الحلاج، العرفاني الأشهر، والأبيات العمودية الثلاثة الواردة في هذا الفصل تنسب إلى الحلاج.
* الدعاء الذي يبدأ هكذا: إلهي.. كَسْري لا يجبره إلا لُطْفك وحنانك ...إلخ، مستل من كتاب »مفاتيح الجنان« لصاحبه الشيخ عباس القُمّي. والدعاء عنوانه »مناجاة المفتقرين« - ص: 174 - 173 .
* أمِتْ.. أمِتْ: كلمة رددها الجيش الإسلامي أثناء حروب الردة بعد وفاة الرسول الأعظم عليه أفضل الصلاة والسلام.
* »وعنده مفاتيح الغيب...... إلخ« قرآن كريم.
مذكرات
* في المقدمة »قال الراوي: قبل أن ينقضي الهزيع الأخير...إلخ« يرد ذكر ليلة الحادي والعشرين من رمضان في إشارة إلى ذكرى طعن الإمام علي بن أبي طالب، أما عبارة »فُزتُ ورب الكعبة« فهي الجملة التي قالها علي بن أبي طالب بعد طعنه.
* 10 محرم: يوم واقعة كربلاء المشهورة.
* 11 حرم: يوم الوحشة الذي مرَّ به آل الحسين بن علي، حيث برز دور السيدة زينب بنت علي، كما روته كتب السير.
* 14 محرم : يوم تسفير آل الحسين بن علي من كربلاء إلى دمشق.
* 21 آذار: الانقلاب الربيعي، وعيد النيروز لدى الفرس، وعيد قومي لدى الأكراد، أما عرب جنوب العراق فيحتفلون بهذا اليوم باعتباره يوماً للخير.
* الطيب: بلدة إيرانية عند الحدود مع العراق، وقد بناها الإسكندر المقدوني عندما فتح بلاد ما بين النهرين.
* الدعاء: »سجد لك سوادي وخيالي...إلخ« مستل من كتاب »مفاتيح الجنان«.
* الدعاء: »اللهم إني فقيرة إليك... إلخ« مستل من المصدر السابق، لكنني جعلته على لسان امرأة، بينما هو في الأصل على لسان رجل.
* الدعاء: »قصرت الألسن عن بلوغ ثنائك...إلخ« من دعاء »مناجاة العارفين« من كتاب »مفاتيح الجنان - ص 174«
* »كفى لي عزاً أن أكون لك فخراً... إلخ« تكييف من قبلي لمقولة مشهورة للإمام علي هذا نصها: »إلهي... كفى بي عزاً أن أكون لك عبداً، وكفى بي فخراً أن تكون لي ربَّاً، أنت كما أحب، فاجعلني كما تحب«
* 1 أيار: عيد العمال العالمي.
* 14 تموز: في يوم 14 تموز 1958 ، أطاح الجيش العراقي بالنظام الملكي في العراق.
* 10 نيسان: الربيع.
* 14 رجب: رجب هو شهر الأحداث الكبرى التي تشير إليها مدونات الإخباريين وأصحاب الملاحم حول أشراط الساعة.
* دلمون: البحرين. الوصل: دبي. الماجدية: مسقط رأس الكاتب، وإحدى محلات مدينة العمارة مركز محافظة ميسان.
* الخضر: هو شاعر الإمارات المعروف: راشد الخضر، له ديوانان مطبوعان. يتسم شعره بالعفة والمواقف الاجتماعية الشجاعة. أما »مسافي« و »دبا« فهما منطقتان مشهورتان في دولة الإمارات العربية المتحدة.
* رؤوس الجبال: مناطق سكنى الشحوح في دولة الإمارات وسلطنة عمان.
تجليات
* جلجامش: هو الملك السومري المشهور، وأنكيدو صديقه.
* تربتي: »التربة« طين معجون من أرض كربلاء.
* وحدي - يا مناي -
آخر السكارى
أقودكِ إلى المسجد
هنا تناص مع نص »جلال الدين الرومي«: أنا مجنون وأنت سكران، فمن يوصلنا إلى البيت.
في الحضرة
* جلفار: أحد الأسماء التاريخية لمنطقة »رأس الخيمة«
* مزون: هي سلطنة عمان الحالية.
* سِنَّار ومَرَويْ: حضارتان سودانيتان.
الصحيفة الميسانية
* الروح العالي، حاملو الألواح، العلماء: مراتب دينية لدى المندائيين. والمندائيون فرقة غنوصية استوطنت العراق، يُسمون بـ »الصابئة« أحياناً وبـ »قوم يحيى« أحياناً أخرى. وهناك من يقول إنهم وفدوا إلى جنوب العراق من فلسطين، لكن الثابت أن لهم دوراً كبيراً في جنوب العراق قبل نحو ألفي سنة، وكان من بينهم رجالات ذوو شأن علمي رفيع أيام خلافة المأمون بن هارون الرشيد.
* المقطع الشعري الذي يبدأ هكذا:
إلى أرض الأحياء، تاق السيد إلى السفر
إلى أرض الأحياء، تاق جلجامش إلى السفر
هو جزء من نص عنوانه: »جلجامش في أرض الأحياء« يصور جلجامش وهو يمضي ليخوض صراعاً مع وحش رهيب سعياً وراء تخليد ذكره ورفع اسمه: مغامرة العقل الأولى - فراس السواح - ص 219.
* »يا أحمد
إن هو إلا وحي يوحى من النور
إلى النور« من سورة النجم آية رقم 4
نص منسوب إلى الحلاج »أخبار الحلاج«
* »روشمي إلاوي لاهو بنورا....إلخ«
نص من الأدب الديني المندائي، ترجمته الحرفية كما يلي، نقلاً عن كتاب »أصول الصابئة« لعزيز سباهي:
»رسمي العالي لا يجرى بالنار ولا يجرى بالزيت ولا يجرى بالمسح. إنه مرسوم بالماء الجاري العظيم. ماء الحياة الذي لا يدرك الإنسان قدرته«
* »صم لغريكون من فرجيا بنكيلا....إلخ« هو أيضاً نص من الأدب الديني المندائي، ورد في الكتاب آنف الذكر، وترجمته كالتالي:
»لا تهبوا أنفسكم لملوك وسلاطين ومردة هذه الدنيا، ولا لذهب وفضة، ذلك يرميكم بالأذى ويجعلكم وقوداً للنار الحامية«
* »ما خرج خارج عن ميم محمد، وما دخل في حائه أحد.....إلخ« ينسب إلى الحلاج في كتاب »الطواسين«
* الدعاء: »إلهي.. أتراك بعد الإيمان بك تعذبني.....إلخ« من »مناجاة الخائفين« كتاب الحاج عباس القمّي »مفاتيح الجنان - ص 166«


 

رجوع




 

  بحث

Search Help
 
 

 

 

 

 

 
 
 
 
 

Copyright 2007, www.jumalami.com.

Powered and Designed by ENANA.COM