الثلاثية الرابعة
 

هذا لا يمكن أن يحدث إلا في الصيف، ليس لأن الصيف في عرفنا -نحن الجنوبيين-، ستر للفقراء، وليس لأن الصيف، كما نعرفه -نحن الجنوبيين- موعد بلوغنا الجنسي، بل لأن حرارة الصيف الجنوبي، تنضج الرطب. وقتها يكون كل شيء في درجة اكتماله، وفي الوقت ذاته يكتسب الإضافة في أن يكون ماضياً. ولكن كم صيفاً جنوبياً مرَّ عليَّ الآن..؟ ربما خمسة وعشرون، ربما أكثر، ربما أقل، ومع ذلك مرَّ الامر كحلم، فاستويت منتصباً، بكل ما في قامتي من امتداد، كنت أمسك كأس بكفي اليمنى، نصف ثمل ونصف صاحٍ، وتلبثت قليلاً لأتنشق رائحة الأشجار التي كانت تحيط البيت، ثم تلفتّ الى اليمين، من غير أن أقصد إيذاء نفسي. ولأني تلفتّ إلى اليمين، أدركت أني نظرتها. ساءلت نفسي: هل كنت أحلم..؟ بدا ذلك مضحكاً، كما لو أنني كنت أرتدي لا شيء، غير أنني رأيتها، فعلاً، تجلس، منفردة، خلف صفوف الكراسي البلاستيكية، والموائد التي تلطخت بالنبيذ وبقايا المأكولات، امرأة، أرسلت إليّ من جلستها المستقيمة نظرة فاحصة، وقالت – أو هكذا خيل إليَّ الآن – والآن هل أنت سعيد يا محمد المهدي..؟

تجاهلت السؤال وبقيت أنظر إليها، متنصباً مثل الخيال الذي يطرد الزرازير من ألواح الطماطم. لربما استغرق ذلك دهراً، أو سنوات، أو لحظات، ففي تلك الآونة من الانشداد للوجدان، ما كنت أستطيع أن أتعرف الى حسابات الروزنامات. إن الوضع من التشابك والتعقيد بحيث يجعلني أعترف، بدون خجل، أنني انتفضت ضد آخر ما تبقى عندي من أصغر الأشياء وأكبر الأشياء، وتقدمت نحوها حتى وقفت قريباً منها.

إن الزمن يبدو زلقاً في أحايين كثيرة، أو في كل الأحيان، ولم تكن هي، أمامي، أية حالة فيزياوية. كانت خارج هذا التعريف، متربعة على كرسي من الخيزران اللين، وخلفها تبدو الأرباض الأخيرة للحديقة، كما لو أنها شكلت امتداداً هلامياً من مادة خارقة الاشعاع، أضاف اليها بياض الصباح المحزم بوشاح داكن، يجعلها تغيب عني عندما تلتفت الى الخلف. وكانت قد التفتت الى الخلف، على ما كنت أرى، أو على ما كنت أظن، لا فرق، وكان بيني وبين جرف الساقية الصغيرة، حيث انسحبت بهدوء مباغت، صفان من الكراسي البلاستيكية، وثلاث قطط، كانت مطمئنة أنها تشارك المدعوين حفلهم، دون أن تدعى الى المأدبة.

إنني رجل مكربس: أعرف أن مثل هذا الوضع الليلي قد يشارك فيه بشر غير قليلين، ولكن، ربما لأني رجل أحمل في جسدي طاقة اكتشاف الخراب ومقاومته في الوقت المناسب، عليَّ أن أعترف بأن الكوابيس تواتيني في النهار كما يحدث ذلك في الليل. علي أن أقول أيضاً، إنني استمعت الى زملائي، في دائرة العمل، أو في النادي الاجتماعي الذي أنتمي اليه، يتحدثون عن الكوابيس. وكان يصاحب ذلك، عادة، طريقة في الإنصات يعتقدون فيها دليلاً على الرقة، أو الخلق، لكن هذا غير صحيح: كنت أقهقه في داخلي فقط، إذ إنني حينها لم أكن على استعداد لممارسة الغياب. غالباً ما كنت أسمع أحدهم يقول: لقد كانت ليلة بائسة، لم أشرب ما فيه الكفاية، ومن أجل هذا كنت أميت ولدي الوحيد. في تلك الأثناء كنت أنا إزاء كابوس حقيقي: فقدان العلاقة.

ولأنني غادرت الصيف نهائياً، ما عاد يعنيني الشتاء أو الربيع، أو أي فصل آخر، قد يخترع فيما بعد. الذي يعنيني (هذا إذا كان ثمة شيء حقيقي فعلاً عقب تلك الدعوة) هو أنني كنت أناقش هذه المسألة باستمرار: إذا حدث أنني كنت قابلاً للغواية في زمن سابق، فكيف أستطيع الآن أن أستيقظ من تلك الغفلة؟ وإذا ما توصلت الى هذا الاستيقاظ، وعلى افتراض أنني توصلت إليه فعلاً، فلمَ يحيطني هذا الصمت المقابري..؟

وبينما أقلب هذا السؤال بأكثر من صيغة، أنتبه الى أن كل الفصول متشابهة، حتى إن حديقة بيتي ما عادت تدخل الى نفسي ذلك المرح الصيفي الذي غادرته أو غادرني منذ خمس وعشرين سنة، وإن هذه الدعوات الليلية المستطردة تحولت الى عادة افتقدت حرارة الفعل الأول: إنني في الصباح، بعد أن أكون قد أفطرت او شيئاً من هذا القبيل، أتناول حقيبتي، وأرتقي سلم الباص العمومي، وأندمج مع مجموعة من بشر مسرعين الى أعمالهم. وعندما أحاول جاهداً أن أتقرب من واحد منهم، ينبثق في ذهني، فجأة، هذا السؤال: لماذا تفعل ذلك…؟

من المؤكد أنني أشكو ورماً في المخ. مرات عندما أخلو مع نفسي، لربما كتبت ما يلي: إنني مصاب بحساسية غير اعتيادية، حساسية يمكن أن نقول عنها إنها افتقاد الآخر لدرجة القبول بسوء الطوية، أو انتظار ما لا يحمد عقباه. وهذا إقرار بحقيقة ثانية، هي أنني أعايش شخصيات أستطيع تسميتها.. تسميتها بماذا؟ من هنا فقد اتفقت مع ذلك التواطؤ المسائي الذي يتكرر يومياً. تشرب؟ نعم لا ضير في ذلك. وإذ ينتهي الوقت المخصص للآخرين للانتهاء من عادة الشرب، أكون أنا –في تلك اللحظة بالذات، قد ابتدأت حالة الافتراق عن أن أكون موجوداً. وهذا وضع ربما غير قابل لأن نضعه على مائدة التشريح.

والمسألة، بعد ذلك، خارج أية مواربة لا تعدو أن تكون إلا رهينة افتقاد ذلك الموسم. إنني –أحياناً- أسأل أحد زملائي: هل تتذكر طفولتك جيداً؟… نعم. ماذا أيضاً؟ أتذكر الصبا والفتوة. والشباب؟. وعند ذلك يكون الصمت هو سيد المكان: إن البار يتحول الى قبر، بطريقة سردابية، لأننا نفتقد الشباب، لكننا نبتسم، نتبادل الأنخاب، ثم نبدأ حديثاً عاماً.

أنا مثلاً، أستطيع فقط أن أشك في تلك القدرة غير الاعتيادية التي يمنحني إياها الماضي. وبينما يكون ذلك قد حصل فعلاً، أرتمي في حالة أخرى، إذ بأي عذر يمكن أن يكون الإنسان ماضياً حسب؟ ولكن الحاضر، عندما يبدو مؤنسناً، خصوصاً في تلك اللحظات المصنوعة في راحة البال والاستكانة للدعة، فإنه يفقد كونه مجداً، ليتحول الى مجموعة تراكمات إسفنجية. بيد أنه لا فكاك لنا من الماضي.

أذكر أنني رأيت نفسي، في أحد أيام الصيف الجنوبي، أطارد أرنباً. كان معي كلبي الصغير الذي يفضل أحشاء السمك على الرز المطبوخ باللبن، يترامح قدامي، مبتهجاً ومسروراً بلعبته التي لا يستطيع ممارستها إلا بحضوري. وانتبهت – حينئذ- أنني انفصلت عن الطريدة لأرقب الكلب: كان، بالتأكيد، يجري واللعاب يسيل من جانبي فكه الأسفل، ومن المؤكد أنني كنت أركض خلفه قابضاً على طرف دشداشتي الأمامي بين أسناني، إلا أن الذي حدث، هو أن الأرنب اختفى فجأة، في غابة، كأنها برزت أمامي بصورة فجائية. توقف عن الجري وضرب الأرض بذنبه، وأطلق صوتاً عالياً مبحوحاً، صوتاً من ذلك النمط الذي كانت أمي تخوفني منه في ليالي الشتاء الجنوبية القارسة البرودة. وكما توقف الكلب فجأة، فإنه قام بحركة مباغتة: وضع ذنبه بين قدميه الخلفيتين، وأطلق صوتاً – كان عواء يشبه أصوات المجانين – وانطلق يعدو باتجاه النهر، كما لو كان مطارداً.

وفي أعلى شجرة السدر، التي تقدمت الغابة، أطلقت مجموعة من الزرازير أصواتاً مهتاجة ولما نظرت الى الشجرة، كانت مثل أية شجرة اعتيادية أخرى، غير أن جسداً لامرأة في حوالي الخمسين من عمرها، يطل عليَّ من علٍ. كانت يدها تشير الى النهر حيث توارى الكلب نهائياً، وترسل نحوي ابتسامة غامضة.. ولأنني كنت طفلاً، في يوم من أيام الصيف الجنوبية الحارة، وقفت قبالتها، بينما كانت تنزل من أعلى الشجرة، وبقيت أنظر اليها.

توقفت المرأة، لحظات، أمامي فوق الحشيش اليابس، ورفعت ذراعها نحوي، كنت وقتها مثل الدائخ. لا أدري كم مضى عليَّ من زمن وأنا في حضرة ذلك الهبوط الوبيل الذي أحاط جسدي، إلا أن الذي من الممكن أن أتذكره الآن، أن المرأة كانت تقف بالقرب مني: امرأة، خارج حدود الوصف المعتاد، تتدثر بسترة من القطيفة السوداء، وتشد رأسها من ناحية جبهتها بشال أبيض، وكانت عيناها نابضتين بالامل والوعيد، وترسل نحوي ابتسامة غامضة.

ماذا نسمي هذا الوضع: اغتياب الذاكرة؟ بالأكيد أن الصدفة، لا غيرها، هي التي قادتني الى أن أكون في ذلك المكان، قبل أربع ساعات على ابتداء الحفلة. لقد أعددت كل شيء: وزعت الموائد والكراسي على مربعات العشب، ثلاثة مربعات، وقالت زوجتي: تستطيع أن تمضي بعض الوقت خارج الدار، فموعد وصول ضيوفنا هو السادسة. لم أرد بأي شيء، سوى أنني انتبهت الى دقة ملاحظاتها. لم أكن أفكر في الحفلة. صحيح أني دعوت الأصدقاء والمعارف، وقلت لأحدهم من خلال الهاتف، لا تنس زوجتك، تعال معها. صحيح أيضاً أنني أشرفت على كل صغيرة وكبيرة في ذلك اليوم، بيد أن ملاحظة زوجتي، أعادتني الى وضع آخر: لقد كنت أحول الزمن الى شراشف وكراسي وطاولات ومواعين وسكاكين وملاعق، ولم يدر بخلدي أنني أستطيع مدَّ سماط الموائد الى البوابة الرئيسية للدار. وبعد أن تم كل ذلك قلت لنفسي: انتهت الحفلة.

وكنت أفكر في هذا كله، بعد أن استعدت في مخيلتي دخول الأصدقاء والمعارف مع عقيلاتهم الى داري. إنني، عادة، أوصف بالكريم من قبلهم. غير أن هذا الوصف لم يكن ينطوي إلا على مجموعة من المترادفات الصوتية . وبعد أن رأيتهم جميعاً يدخلون الى الحديقة ويتوزعون الموائد في المربعات الثلاثة، كنت قد انتهيت الى هذا التأكيد: لقد اختار الجميع مربعاتهم.. ولكن هل صحيح أن واحداً منهم اختار الفردوس؟ ان هذا الانشغال المؤقت عن الحفلة بمراقبة المدعوين وهم يدخلون المربعات الثلاثة، جعلني أحس صمتاً كثيفاً يتناسل حولي. لقد اكتشفت أنني وحيد، كان اليوم هو الجمعة، ولم تكن السيارات كثيرة، ولم يكن ثمة إلا بشر قليلون. وكما لو أن المكان مرسوم بدقة، رأيت أمامي ساحة واسعة، اخترمتها من المنتصف شجرة سدر، والتقت عندها ثلاثة طرق. كان الطريق الأول مزروعاً في جانبيه بفسائل النخيل، أما الآخر فكان مجللاً بأشجار الغرب، بينما كان الطريق الثالث قاحلاً تماماً، وكنت أنا في هذه الطريق. ومن بعيد رأيت موكب سيارات يتقدم نحوي، وهناك منحنيات وتعرجات بشرية خلفه. قلت: سأنتظر هنا، لديَّ ساعة أخرى من الوقت فارتكنت جانب الرصيف الأيمن، وأنا أنتظر قدوم الموكب.

الآن اقترب الموكب مني، كنت أعاينه بصورة واضحة: عربة من خشب أسود، يجرها حصان بني اللون. كانت العربة مثبتة على دولابين خشبيين، وكان الجواد هزيلاً، ويبدو كما لو أنه مقرور. وفي بطن العربة تمددت امرأة، في حوالي الخمسين، كان شعرها أبيض، ومجدولاً على جانبي رأسها، ناعماً وأليفاً، ومن فمها المفتوح استطعت أن أسمع صوت ارتطام الهواء داخل جوفها. كانت مجوفة. كانت العينان اللتان في الرأس مفتوحتين، ورايت لونهما: بيضاوان. ولم تكن لترتدي ثياباً بالمعنى المألوف، كما لم تكن مكفنة. لقد لفت بصورة مستعجلة بقماشة حمراء، فظهر ساعداها الضامران، واستطعت أن أرى ثديها الايسر مثل ذلك "الجود" الذي لم يلامس الماء طويلاً.

قرب الثدي استكانت حلقة مزدانة بالورد. ولم أكن بحاجة الى كبير عناء، لأكتشف أن تلك الوردة كانت من البلاستيك. وللحظة خلت أن الحصان قد توقف، فأبديت نوعاً من الاعتراض. لقد شعرت، بطريقة ما، أن الموكب كله يكاد يكون غير واقعي، وأنني عدت مرة أخرى الى اختراع الحكايات التي أجيدها. غير أن جسد المرأة استوى. قليلاً قليلاً، بطيئاً وبدون حماسة، ثم استدار الرأس نحوي. كنت أمام امرأة، ناحلة وشاحبة، تنظر إليَّ من عينين ابيضّ لونهما، وترسم شفتاها ابتسامة غامضة.

حاولت أن أتقدم خطوة أخرى إلى الأمام لأقترب كثيراً من المرأة. إنها تقف منتصبة في بطن العربة، وقد بدت عارية تماماً. كانت عجفاء وضامرة، بساقين هزيلتين، وعلى بطنها توزعت مساحات مربعة من لون أزرق كامد، أما شعرها الأبيض، فكانت الريح تهفهفه وانتشر حول رقبتها مكوناً مظلة.

قالت:

"الآن يا محمد المهدي.. ماذا تفعل؟" لم يكن اسمي محمد المهدي، إنني أعرف عادة باسم شايع الشرقي، لذلك لم أتردد في أن أقول لها:

- "لست محمد المهدي".

- "ها. أنت تنسى. تنسى كثيراً يا ولدي".

لاحظت أن الحصان يضرب الأرض بقدمه اليمنى الأمامية فقلت:

- "الحصان. يبدو أنه غير مرتاح".

- "إنه مرتاح يا محمد المهدي".

لقد بدا لي هذا كله نوعاً من القسر، إنني بالفعل أستمع الى كلام امرأة، وأتنصت الى وقع حافر الحصان إذ يرتطم بنهر الشارع، بيد أن الموكب كله، عدا العربة، اختفى تماماً، وظلت المرأة عارية أمامي بذلك الحضور الوبيل. ثم إنني، خارج أي امتثال آخر، لا أحب أن أدعى بغير اسمي، لذلك خطرت لي فكرة المشاغبة، فاقتربت كثيراً من العربة وقلت للمرأة:

- "ماذا تريدين مني بالضبط؟"

استمرت تنظر إليَّ:

- "أنت ولدي، محمد المهدي".

- "لا. اسمي شايع الشرقي".

قالت:

- "أنت تقسو كثيراً على نفسك وعليَّ".

- "ليس هذا صحيحاً.. ليس..".

ليس.. ولم يكن ثمة أي شيء. إن العطلة كانت تعبر عن نفسها بهذا الفراغ والصمت، كان الشارع قد كسي بالقير حديثاً، وعلى جانبيه ترقد طبقة لينة من الرمل. وفي النقطة البعيدة منه، حيث كان السراب يلتمع، أبيض ساحراً، شاهدت شبح عربة، خيل إليَّ فيما بعد، أنها كانت عربة يجرها حصان، بيد أن هذا كله لم يكن قابلاً لأن يكون مفهوماً، فلقد مرَّ في ذهني بومضة سريعة، ثم عاد الصمت مرة أخرى. كان صمتاً ثقيلاً، وكانت الساعة قد اقتربت من السادسة الا قليلاً.

غالباً ما يتعين على الرجال أن يتحدثوا: رفع شايع الشرقي سماعة التليفون، وأدار عدة أرقام في القرص، وطفق يتحدث. أنت تعرف لماذا الحفلة، فتعال مع زوجتك. وكانت زوجته تروح وتجيء، امرأة في الأربعين، ارتدت بدلة سوداء مفتوحة عند الصدر، وكانت فاتنة بوجهها الأسمر الحنطي، وعينيها النجلاوين، وشعرها المنساب بثراء الى الخلف. قال لها: أنت سعيدة، أخمن أنك سعيدة. نظرت الى وجهه، وجه متورد لرجل في الخامسة والأربعين، يرتدي بدلة بنية على قميص أسود، يستعد منذ ساعات لاستقبال ضيوفه، - أنت تقطر أناقة. ولاحظت عينيه، كانتا هادئتين، رغم بريقهما المعدني، واقتربت منه، ومست جبهته بأصابع كفها اليمنى وقالت متضرعة – أرجوك لا تفسد الحفل، ثم إن الفكرة فكرتك. وكانت الفكرة، فعلاً، فكرته، إذ إنه بعد أن أعاد الكتاب الذي كان يقرأ فيه الى المائدة الصغيرة المجاورة لسلة التليفون، رفع سماعة الهاتف وقال لزوجته التي كانت قد دخلت الدار تواً بعد أن أنهت حصص التدريس الصباحي – ما رأيك، أليس مناسباً أن نقيم حفلاً في بيتنا..؟

- "فكرة جميلة، ماذا تقول؟".

- "سندعو أصدقاءنا جميعاً. ماذا تقولين".

- "أوافقك تماماً. الحديقة، سأجعل منها ثلاثة مربعات".

- "تماماً، هذا شيء رائع، ثلاثة مربعات فقط".

- "أنا أحب هذا الرقم أيضاً".

وقال لصديقه في التليفون، مائدتك ستكون في المربع الثالث، إن اسمك، هناك، مكتوب على ورقة صغيرة، وهناك شمعة أو أكثر، وبعض المقبلات، ولا تنس زوجتك، ثم أغلق سماعة التليفون، وبعد لحظات رن جرس الهاتف في مكتبه، كان أحد المدعوين يسأل: هل حددتم وقت انتهاء الحفلة.

بهدوء أنزل سماعة التليفون، لم يضعها في مكانها هذه المرة، بل تركها ترقد، مثل حجارة مهملة، بينما كان صوت رفيع حاد، يطلق سيلاً من الأسئلة.

نظر الى زوجته، وأطبق كتابه، فرأت في عينيه التماعاً لم تعتده فيهما من قبل، وتصورته يعود الى حالته القديمة، تكريس السخرية بصمت، والانتقال الى مرح في غير أوانه.

لكنه خيب ظن زوجته، فتح كتابه من جديد، وأخذ يطالع، دون أن يبدي أية ملاحظة، فيما كانت سماعة الهاتف ترسل صوتاً حاداً متسائلاً.

بيد أن النفس يتعين عليها أن تتحدث أيضاً، ويكون ذلك عند استشعار السعادة. أو الاعتقاد دوماً أنك مشروع مؤجل. ولربما كنت أقول حينئذ، إن اللحظة تتضمن قوة غير عادية من الحضور. مجموعة وجدانات، مجموعة مواضٍ، مجموعة أفعال، مجموعة علاقات، لا بل أكثر من هذا كله، عمر بخمس وأربعين سنة يتكثف في نقطة واحدة، لا بد لها أن تنبجس من بين هذا الفراغ الهلامي، تشع بعد ذلك، وميضاً ينبغي له أن يكون قرين الطفولة، ويذكرني بأنني حيّ فعلاً، وأنني أستطيع القيام على قدمي، وأمشي، وأضع فواصل بين الكلمات، أو أنظر الى الأشياء، بعينين تعبران عن رغبة حقيقية في المشاركة.

ماذا يعني هذا كله؟

إنني أسير يومياً أكثر من ست ساعات. هناك، بين الاشجار الملتفة بالصمغ والأغصان التي نزعت عنها الأوراق، والنهيرات الصغيرة التي تعج حوافها بالهوام والخنافس، والحيات الصغيرة، والأنات الحبيسة التي تطلقها الأرض. أيكون ذلك ممكناً فعلاً… أيكون ذلك قابلاً لأن يكون في خانة اليقين..؟ إن الذي يستطيع الإمساك بمعنى بدايات أو نهايات الحروف هو الذي يقدر على ملامسة ما أقوله. لقد كنت أستطيع أن أمشي ست ساعات يومياً، تلك هي الحقيقة الواقعية المؤكدة: بالطبع لم يكن سيري قرب حوافي النهيرات الصغيرة، كما لم أكن على قدر من اليقين لكي أحدد سمات المكان الذي جاورته، إنه شيء ما، في الجزء المهمل من الذاكرة، من تلك الذاكرة التي تحولت الى منقع للعذاب، ولا أدري كيف قيض لي أن أنتزعه من ذلك القبو المظلم: ينبغي لكي أصل المكان أن أصعد تلة صغيرة، وبعد أن أتجاوزها سرعان ما يتضح أنها تلة شبيهة بالهضبة مرسومة بدقة، ثم إنني حالما أبتعد عنها منحدراً نحو الأسفل، أفاجأ بذلك السور. إنه ليس سوراً بالمعنى المألوف: ثنيات وامتدادات عالية وواطئة، مرة يكون النظر الى نهاياتها شبه مستحيل، ومرة أخرى يمكن تجاوزها برفع القدم فقط، ولا يمكنني التفكير في بناء السور، غير أن الثلمات البسيطة التي تكونت في واجهته، سكنتها طيور برية متوحشة، حيث تبدو الأعشاش بارزة قليلاً، وفي مرمى البصر، كما أن بالإمكان التيقن من أن السور، الذي كان بلون كامد، انطوى على عروق سوداء مائلة الى التأكسد.

قلت إنني تجاوزت الهضبة، وها أنا في مواجهة السور، هذا أمر أستطيع أن أتذكره الآن بيسر. غير أن الصعوبة تمثلت في أنني اقتربت من السور كثيراً حتى لامسته، كان خشناً، بناء من جلاميد هائلة، ناعمة في بعضها القليل، ولعل هذا، اضافة الى هوس الفضول، هو الذي جعلني أحس بسعادة وأنا أمشي، بتؤدة، جوار السور. أسرعت الخطو، هرولت، ركضت، وكان السور يعلو ويهبط، مثل تلك الأمواج التي تحدثها السفينة الصغيرة في ماء راكد والجسد الصبي فيها يعلو ثم يهبط، وكنت أركض هذه المرة، حتى أحسست بالتعب، فتوقفت. وعندما نظرت الى الخلف، لم تكن هناك هضبة، كان ثمة ظل رمادي لتقوس أرضي هائل، خلفه سور متعاظم الارتفاع، ورأيت أبراجاً عظيمة تمتد لمسافات قصيرة، أخذت تصغر وتصغر حتى دخلت عتمة التقوس الأرضي الهائل.

انتبهت الى أن رجلاً ينظر إليَّ بعينين ثملتين، أنت لست معنا، ثم تضاحك. لم أكن أحادث نفسي، كان سور الدار خلف الارباض، كانت الحديقة مقسمة إلى ثلاث دوائر. كنت في المربع الأول، واقفاً، أنظر الى المدعوين، أم أتمتم كلمات، بينما كان المربعان الثاني والثالث قد تقاربا كثيراً. لقد تزاور المدعوون، رفعوا الأنخاب، وكان هناك من يصوت:

- "ما معنى هذا؟"

- "أنت في حفل"

- "أعرف هذا.. وإلا لمَ جئت؟"

قلت من مكاني مقاطعاً:

- "صحيح لماذا جئت؟"

لم يسمعني أحد. كانوا منشغلين بالطعام والشراب، ورايت اثنين أو ثلاثة منهم يقلدون القطط في مشيها، أو يطلقون مواء. ثم حاورت نفسي: إن الجزء المهمل من ذاكرتي يمكن أن يكون حيوياً فيما لو أردت أن أبريه بدراية، فقررت في الحال أن أؤجل هذا لوقت قادم، وانحشرت بين المقاعد، في المربع العشبي الثالث، أرفع أنخاباً دون صوت، وأضحك دون صوت، لقد تلبسني وضع قديم مُكَوْبَس، ها أنت في مكانك يا شايع الشرقي.. فماذا رأيت..؟

ها أنت هنا، هناك، داخل البيت، خارج البيت، صاحياً، سكران، سجيناً، طليقاً، عازباً، متزوجاً. ولم يكن هذا ليجدي شيئاً فقد قمت وصحت بأعلى صوتي: أتسمعون.. أنا منقع العذاب، المرأة تلاحقني، إن أيام الصيف الجنوبي غادرتني، إنني صنو اليتم.

ولم يكن ثمة من يسمع، بل إنني سمعت قهقهات، وأصوات مواء. وبعض قطط تروح وتجيء، قطط سمينة مدجنة، تروح وتجيء، تحت الموائد، غير معنية بكل هذا الذي يدور الآن.

وعندما رفعت رأسي الى أعلى شاهدت زوجتي تبتسم.

- "هون عليك.. أنت صاحب الحفلة" وكان هذا أمراً حقيقياً.

إنها مزية، ريما – أو بالأكيد – تكون نادرة: التكيف في الاحتفال. إن المقصود، دون أي شك، ليس عرضياً، لكن على افتراض أن تلك الميزة النادرة، تتحول الى سلوك، فإنها تكسب صاحبها مرونة جسدية، كلمات منحوتة بدراية، طريقة مقننة في السير قبل أن يدخل المكان وعندما يدخله وبعد أن يغادره، إضافة الى التكيف الأساس: قدرة الإنصات إلى الآخر.

ليس هذا إشكالاً بالنسبة لي، فما أردت إيضاحه لم أوضحه بما هو كافٍ حتى هذه السطور. إذ كيف يبدو أمراً اعتيادياً لرجل مثلي، برز فجأة الى السطح، بعد أن عاش دهوراً في قعر النهر، يستطيع أن يتنفس في جو مكون من الأكسجين والنتروجين والكربون، من دون كمامات؟

مرات كثيرة طرحت هذا السؤال. ربما كانت الوحدة شفيعي. ربما كان إحساسي بجدوى الصمت هو الذي يدفعني إلى ترديد ذلك التساؤل، مع أنني مقتنع تماماً، بأن اللحظات الأجمل من عمري الذي ذهب، وعمري المتبقي، هي التي أستطيع فيها أن أدخل حوارات معقدة، في الصمت، في الصمت الذي ينزل على جسدي مثل خيمة اسطورية.

يحدث هذا كثيراً، إنما بخط زمني غير موصول، وكلما قلت لنفسي، إنني أستطيع إيصال الفجوات التي تفصل امتداد ذلك الخيط، أجد مرة أخرى أن فجوة جديدة قد أضيفت اليه. وهكذا كان عليَّ أن أنظر طيلة خمس وأربعين سنة الى زمن متقطع، زمن مليء بالمشاريع المؤجلة والرغبات الناقصة، زمن يتساوى فيه الرضا والقبول، أو شيء من هذا القبيل.

أول الأمر كنت سعيداً، بل مشغوفاً بهذا الوضع البشري، فقد هُيِّىء لي أنني اكتشفت المعنى الزمني لوجودي الفيزياوي. وكتبت -آنئذ- على ورقة صغيرة أقول: إن السكر يستطيع أن يحول الزمن الى جغرافية. ثم عدت وكتبت تفسيراً آخر: إذا كنت أعيش ثمانين سنة، فإني أستطيع أن أمثلها بالمسافة بين بغداد والعمارة. ولكنني ارتعبت كثيراً عندما فسرت الوضع بصيغة أخرى: إن المسافة بين بغداد والعمارة على خارطة قياسية، تبدو نكتة غير محببة. وهذا هو الإمكان الذي استطعت تحديده بعد ذلك: إن الطفولة غادرتني، وكذلك سنوات الصبا والفتوة، وبعد ذلك الشباب، وها أنا أدخل الطور الأول من الحياة المهملة القادمة، على أن هذا التحديد الأخير لم يكن دليل صحو، إذ إنه استجلب معه وضعاً مقابلاً: تجميل الحاضر القبيح بماضٍ أكثر قبحاً. لقد وضعت في ميدان لم آلفه من قبل. هكذا أريد لي: دفعوني الى الخسارة من غير أخذ رأيي قالوا لي: إنك قاتلت وخرجت مهزوماً في معركة، وأمامك عدة معارك. وهذه مسألة قد تبدو مفهومة في إطار المستقبل، فيما لو كان المستقبل غير ميؤوس منه أو قابلاً لأن يفتكر.

وكنت قد كتبت في ورقة أخرى: لأن ذاكرتي تحولت الى منقع للعذاب، ولأن جسدي تحول الى جراب لليأس فما جدوى الاستمرار في تجاريب تؤدي الى اليأس المركب؟ وكنت أجيب: أن رجلاً سكيراً مثلي، لا ينطوي على الحكمة ولا يكون قيماً على الأفعال، خاصة إذا كانت الحكمة تتمثل لتبريرات موضوعة سلفاً.

ولكن لماذا هذا كله.. ألأن الصيف الجنوبي غادرني.. أم لأنني انفجعت فقط، بقطيعة المرأة، مع أنني، حينما أكون لصيق الجزء المهمل من ذاكرتي، أقبض على زمني مثل عجينة وأعيد تركيبه...؟

ترى من الذي ذكرني بهذا كله؟ أهو الاحتفال أم الحوار الناقص مع النفس؟ وتساءلت مرة أخرى: إذا كان الجميع الذين في بيتي الآن ينغرزون في الارض، فوق المقاعد، وينهمكون في هذه الأحاديث، ففي أي مكان في الارض، يوجد ذلك المربع الذي سأدخله بسلام..؟

كان السؤال غير مجدٍ، فيما يبدو، لأن عدد المدعوين قد تناقص، ورأيت بعضهم يصافح زوجتي. كان وضعاً فريداً من نوعه، ولا يمكن أن يطال إلا في الأحلام: وقفت زوجتي بثوب السهرة الأسود، المشقوق عند الصدر قليلاً وشعرها الاسود اللامع، ووجهها المستدير ذي العينين البراقتين، تمد ذراعاً عارية الى رجال شبه ثملين، أو ثملين كلية، ولنساء تساكرن، وأخذن يطلقن قهقهات عالية، تحت قبة سماوية تلونت بلون يشبه اللون الذي يصبغ الأفق قبل أن ينتهي الليل ويقبل النهار، تنظر إليَّ من خلف ابتسامة مرسومة بعناية أو تضحك شاهقة لتقول بصوت ناعس: حبيبي شايع الشرقي... تعال، إن بعض ضيوفنا يزمعون الرحيل.. الآن!

قالت زوجتي: تذكر أنها حفلتك. قلت، صحيح أنها حفلتنا جميعاً، فأشرق وجهها واقتربت مني حانية: أستطيع أن أفهمك الآن بدقة، هي حفلتنا جميعاً. ثم غادرتني ضاحكة واختفت في المربع الثالث القريب من الارباض.

نظرت الى المربع الأول. كان خالياً إلا قليلاً، واستطعت أن أشخص بعض الوجوه التي أعرفها، كان هناك سيد وسيدة ومعهما طفل صغير أضجع فوق كرسي هزاز، وبالقرب منهما، شابان يتحدثان بهمس، بينهم طاولة فارغة، إلا من قطة تأكل ما تبقى من لحوم، تهز ذنبها، وتهرّ بين آونة وأخرى، وتنظر الى الشابين، بينما كانت الطاولة التي تليها مكتظة بوجوه أعرفها، بيد أني لا أتذكر أسماء أصحابها بدقة. كما شاهدت أكثر من عشر طاولات فارغة انتشرت فوقها بقايا الأطعمة والأقداح الفارغة، مقلوبة وسليمة، خلت من أي جليس، ولم تكن هناك قطط كافية، تعيد الوضع الى صورة ما.

كانت الساعة لم تتعد الثانية عشرة ، فارتكنت الى مقعد خال وأخذت أدير نظري في المكان، أو على الاصح أدرت بصري في المربع الأول، ثم المربع الثاني، وأدمت بصري طويلاً في المربع الأخير، حيث الظلمة قائمة على ساقين، في النهاية القصوى المتاخمة لسور البيت الذي لا يوجد خلفه إلا فراغ فسيح.

من المؤكد أنني كنت أتشاغل بالمراقبة، وتيقنت من أن هذا وضع مفروغ منه عندما اكتشفت أنني أنظر إلى غرف البيت المواجهة للحديقة، كان ثمة الصالون المضاء بضوء خافت، في حقيقة الأمر لم يكن الضوء خافتاً، ولكن الستائر هي التي تجعل الأجساد التي كنت أراها، تبدو كما لو أنها أشباح: خطوات مسرعة، ثياب نساء، ثياب رجال، دون صوت، كان مشهداً مغرياً. إن الحركة في الصالون كانت ملغزة دون شك، وكان اولئك المتراكضون يظهرون بسرعة ثم يختفون بسرعة، كانت أصواتهم لا تسمع، الذي وصل الى سمعي شيء ما مثل نهنهة، شيء ما مثل عتاب بطريقة المقاضاة، وكنت أنا أيضاً أتابع مقاضاة تاريخي، هكذا انتبهت للحظة، كان صوتي خشناً، إنه صوت منشاري، والتفت لزوجتي التي وقفت خلفي وقالت: إنه يبدو فعلاً كذلك، فقلت دون أن أنتبه لكيفية كلامي: لماذا ذهب أغلب هؤلاء؟ وأشرت الى المربع الذي كنت فيه، فسمعتها تضحك وتقول: إن صوتك منشاري فعلاً، ولكن قل لي: منذ متى عرفت أنهم ذهبوا؟

- "قبل دقائق".

- "هذا صحيح، كانوا لطفاء".

- كما تقولين، ولكن لماذا تعجلوا؟".

- "اعتذروا بلطف".

- "أنا واثق من هذا، مع هذا فسأظل أكره الذين يغادرون بسرعة".

- "يغادرون ماذا".

- "الأمكنة. المواقع".

- بعضهم جاء مع أطفاله".

- "هذا محسوب".

- "أنت سيىء الظن هذه الليلة".

- "لا أقول سوى تقرير حال".

- "ألا ترى أنك تتحدث بغير مزاج؟".

- "هذا صحيح. كيف أتحدث بمزاج".

- "اترك هذا المكان. إنه موحش".

واستدركت لتقول: إنهم رغبوا في المغادرة مبكرين. وكنت – حينئذ- قد وصلت المحطة التي لا أستطيع عندها إلا الاستغراق في الصمت: ترى لماذا غادروا الحفلة مبكرين؟

كانت القطة لا تزال على الطاولة الفارغة، تلعق حساء من أحد الأواني، بينما الشابان استمرا في حديثهما الهامس. وإذ رفعت بصري إلى باب الصالون، شاهدت امرأة عجوزاً، تدلف المكان بخفة وسرعة، وتختفي في الحال، ثم أظلم البيت بصورة مفاجئة.

كنت على غير وفاق مع الأمكنة المظلمة. ربما يكون ظلام بساتين النخيل مألوفاً عندي لأن الطفولة تعيد تركيبها من جديد في ذاكرتي، فيكون قدومها الى الحاضر، من طرز تلك الابتهاجات التي تدخل القلب بسرعة وتخرج منه بسرعة، طفولة ألقيت الينا بكل سهولة الماء الذي يجري في السواقي الصغيرة الضيقة. طفولة القمل، والهروب من دروس التربية البدنية، والمشي في الطين أكثر من ساعتين حيث مكان قارىء "الحسينيات"، طفولة الفتيان فقط، طفولة الفتيان المعتركين حسب، طفولة التنصت لأخبار المعتقلين والقتيلات عند شواطىء الانهر، وعراك صيادي السمك، طفولة النكات البذيئة، وأيام الأعياد التي تسبقها عشيات تزدهر فيها الشموع والحناء ورائحة السعد والديرم الذي يجرح شفاه النساء الجنوبيات.

لكن تلك الطفولة انتهت. لقد اكتشفت – ذات يوم – معنى أن يأتي الانسان بكل طفولته، ويضعها في طبق من خوص النخيل ويغلق الطبق بطبق آخر، ثم يأتي بالقير السائل، ويدعه يسيل على الطبق الأول، بكل هدوء أول الأمر، وبعد لحظة يوزع القير السائل على تماس الطبقين بكسرة من زجاج، لتنتهي الطفولة نهائياً، أو تودع في آخر أخدود من أخاديد هذه الذاكرة.

وطفولتي، في حقيقة الأمر، انتهت منذ ذلك اليوم الذي رأيت فيه المرأة تشزرني في البستان القديم، كان الرطب الجنوبي وقتها قد نضج، وكانت الأرض متشققة ربما بفعل حرارة الصيف، أو ربما لأنها أرادت استقبال الرطب الناضج، وهناك، قرب النهر، على مبعدة قريبة من أشجار الغرب والسيسبان وشجيرات الخروع، لاحظت نفسي وحيداً، مقروراً وأرتجف، والمرأة لا تني تنظر إليَّ بعينين دامعتين، ثم انحنت الى الأمام قليلاً، لتعدل شعرها غير المضفور، فرايت فيها، للمرة الاولى، بعضاً من تلك الحكايات السرية التي كنت أخشى الحديث عنها مع نفسي في خلوتي. لا أحد كان معي. هرب الكلب وسكنت الريح قليلاً، ورأيت سعف النخيل لا يتحرك بينما خيل إليَّ أن جذوع النخل وأغصان أشجار الغرب والسيسبان والخروع قد انحنت هي الأخرى. وكانت المرأة تلتقط شيئاً من الأرض، شيئاً ملفوفاً بقطعة قماش أسود، على هيئة مكعب ذي استطالة، قربته من فمها ورمته اليّ – هاك، خذه وابتعد. كان الصوت خفيفاً وناعماً، كان صوتاً خفيفاً وناعماً، لا أتمكن الآن من تصويره بدقة، لكنه مثل ذلك الصوت الذي سمعه بعضكم، بالتأكيد، في لحظة من لحظات الاستغراق: عند الظهيرة، في الصيف، وأنت عند النهر، ولا أحد بجانبك، لا طير، لا بشر، إلا الماء في الضفتين، وإلا حركته الساكنة المتموجة، ثم فجأة تحس أن هناك من يناديك باسمك "يا محمد المهدي".. يا محمد.. يا" ويمتزج الصوت مع صداه في النهر لتكتشف بعد ذلك أن الامر كان شيئاً آخر، ولربما تقول: يتعين عليَّ الذهاب. ولربما يقول آخر: إن الماء فيه بعض أسرار. أما أنا فقد كنت لا أخاف النهر، ولذلك خفت ذلك اليوم، لأن المرأة العجوز ظهرت أمامي في "بقجة" البستان وفي وقت الظهيرة بالذات، وشرد كلبي الصغير من أمامي، والريح سكنت قليلاً، وكنت أنظر اليها بتلك الطريقة المأخوذة: الخشية التي لا تعرف الشجاعة، والشجاعة غير المؤكدة، ولكن هذه الحالة تكاد أن تكون غير مفهومة، ولربما استطعت أن أصفها بدقة عندما سأروي بعد قليل وضع رجل حكم بالاعدام شنقاً، كان رجلاً حرفته الحدادة. رجل ربعة، لا أتذكر اسمه الكامل، سوى أننا في السجن نلقبه "أبو ميثم" قال أبو ميثم وقد افترش بطانية السجن: يا رفاق هذه هي القضية. كانت ساحة السجن مظلمة نوعاً ما، ساحة صبت بالكونكريت المسلح، لذلك كانت تحتفظ بشيء من حرارة الظهيرة الماضية. وبعد أن غنى السجناء، أخذ بعضهم يغادر مكان الاحتفال بالتدريج. حتى إني أحسست في نهاية المطاف أن لا أحد غيري مع "أبو ميثم" في ذلك المساء.

أربعة جدران عالية، وفي البرج المقابل كان شرطي شيخ يجلس القرفصاء ويحتضن بندقية الحراسة، وينظر إليّ مع رجل سيذهب الى غرفة الإعدام بعد ساعات.

وأدركت حينها أن الرجل مات، لقد أعطانا الكلمات والروح، لكني أيقنت من شيء آخر: أن الرجل كان يسخر من شيء قاسٍ، لعله الموت، أو الغياب. قلت: أنت اليوم أكثر أناقة من أي وقت مضى. كان يرتدي "بيجامة" بيضاء ويلف رأسه بيشماغ مرعز. تبسم في وجهي وأخبرني:

"أنت يا محمد المهدي.. تستطيع أن تدرك القضية.. إن ملايين الفقراء العرب ينهضون بعد ساعات، لهم لغة واحدة، وهمٌّ واحد".

- "نعم.. نم يا أبا ميثم".

- "وأمام هذا النهوض لا يكون الموت إلا اختياراً".

- "بدأت أفهم".

- "إن عقدة المشنقة لا تثنيني، رغم أنها تجلب لي الألم".

- "إنه الموت من أجل الآخر".

- "يصح هذا".

وفجأة رأيت امرأة عجوزاً، في حوالي الخمسين من عمرها، تقف قرب "أبو ميثم" وتعرض عليه، أضابير، خرائط، قوائم بأسماء كتبت بحبر أخضر اللون، وكان الليل – حينها – يضاء بحسيس أوراق الأشجار، وهدير مطابع سرية، وأصوات إدانة، أصوات استغاثة، وبكاء أطفال صغار.

أجلس على كرسي، وحيداً، ومستغرقاً في هذا الذي حدث ولهنيهة أدركت كل ذلك الذي حدث. دخلت المرأة وتبدل المشهد، أستطيع إعادة تركيب الصورة، غير أني كنت أكيداً من حفلتي الصغيرة، اختلطت كراسي المربعات الثلاثة، غادر المدعوون موائدهم، ولم أكن أنظرهم، اكتفيت بتخيل الصورة.

كان البيت معتماً أو نصف مضاء على وجه الدقة، وكان ثمة كرة شبحية. زنزانات، دهاليز، أماكن الاعتقال الانفرادي، أدوات التعذيب الدقيقة، سفرات الطعام، النوم الجماعي في الليل، الأجساد المشرطة للخارجين من التعذيب تواً، البكاء اليومي، الاسبوعي، الشهري، السنوي، للنساء اللاتي يقطعن فلوات العراق من أجل لقاء أزواجهن وإخوانهن وأبنائهن. صراخ الاطفال الصغار ساعة يعلن السجان صافرة انتهاء المواجهة. الحزن المدغم بالفرح، لذلك السجين الذي يغادر الردهة الأخيرة بعد انقضاء مدة سجنه.

ورأيت المرأة، بثوبها المكون من قطعة واحدة، وحقيبة يدها التي لا لون لها، تقف أمام تلك المشاهد وكأنها تراها على شاشة بيضاء صغيرة، تحرك يدها اليمنى تارة قرب عينيها، وتارة أخرى تلم أطراف ثوبها. لقد أدركت الآونة أنها قطعت آلاف الأميال لتأتي الى بيتي دون أو أوجه لها دعوة، وتختفي بطريقتها الخاصة. لقد أدركت الآونة من هي هذه المرأة: إنها حاضري وماضيَّ، صبواتي الأولى، السورة الاولى من القرآن الكريم، والحرف الأول من أبجديتي.

لقد أدركت الآونة، أنني في ذلك المناخ الشبحي، أستقصي تاريخاً بكامله من العلاقات والحادثات والوقائع، إن ذاكرتي منقع للعذاب، بيد أن روحي ما كانت يوماً قاحلة، هروب جدي من الصحراء الى العمارة، وبناء أول بيت في محلة "الماجدية" من الطابوق الأحمر، وبعد ذلك تحلقت حوله بيوت القصب والبردي، وأمراض المعدة ومئات المصدورين الذين يقفون طوابير أمام المستشفى "الأميركاني" ثم ذلك التعرف الأولي الى المرأة وتبدل كل شيء.

أمعنت النظر الى ذلك المناخ الشبحي، كانت الألوان الزرق والحمر والسود تختلط بسرعة، وخيل اليّ للحظات أن المرأة، كانت تجثو أمام مشاهد الانخذال والعذاب، وتخاطب شخصاً سرياً، تعاتبه على كل ذلك الذي جرى، وتعرض أمامه قائمة بأسماء القتلى والمشوهين الصغار في عمان ودمشق وبيروت، ثم تبرز اليه – من مكان بين ثيابها والجلد - ورقة أخرى سجلت فيها أسماء المعتقلين في عسقلان والرباط والرياض والبحرين والجفر ، كانت تخاطبه بمكابرة أثيرة، وتخبره بأن تطوافها الليلي والنهاري، في كل الشوارع، ما عاد يعيد الى قلبها فرحه المفقود، وأن الموتى من الجنود في كل حروبنا، يتقدمون اليها في كل يوم بطلب التماس للعودة الى الحياة مرة أخرى، وعقد محكمة ميدانية للخونة.

أمعنت النظر الى ذلك المناخ الشبحي، كان الشخص الذي تخاطبه المرأة يجلس على دكة تراب. رجل في حوالي الخامسة والأربعين، أسمر العينين، عريض الصدر، غير بطين، ينتعل نعالاً جلدياً. وبالقرب منه تكومت أفعى صحراوية. وكانت هناك نسخة من القرآن فوق ركبته اليمنى، كان يقول، ما عليك، إن هذا الذي يحدث كله هراء، إن العذاب يصفيهم الآن. لا بد لهم من المجاهدة: إنهم كبار، هذا صحيح، لكنهم لم يتعودوا بعد مغادرة خندق الشباب. ضائعون؟ ممزقون؟ مهرجون؟ مقطوعون؟ هذا كله صحيح، بيد أنهم يتقدمون إليَّ الآن.

للتو أدركت أنني انقذفت في عالم آخر. وكانت حفلتي الصغيرة خلفي، ممزقة، صامتة كالقبر، وغير قادرة على أن تكون مؤكدة. ولم أكن لأريد الالتفات الى الخلف ورؤية الخراب. كان الذي أمامي يعيد تأميم كل الماضي لمصلحة الحاضر. هناك في نهاية المكان الذي يشبه المسرح شاهدت السيدة تقف على دكة الشخص السري، ترفع يديها بوجه العاصفة، وتهتف: إن هذا الذي يحدث ضدي كله هراء، بينما كان الشخص السري يخترق الصحراء متجهاً نحو الشرق، وتبدو من خلف كتفه اليمنى ماسورة بندقية.

كنت أريد الامساك بهذا المشهد. أن أجعله حفلتي. أعرف مكانه تماماً. وأحدد ذرات رمله، ولون سمائه، ورائحة أرضه، والقيعان السرية في ذلك الاوقيانوس الأرضي، حيث يكدس الشخص السري أسلحة يوم القيامة.

وإذ ذاك فقط داخلني نوع من شعور بالرضا والاحساس بعذوبة الأشياء. كان القمر بدراً في سماء بنفسجية محايدة لا تعلن عن نفسها، وكانت المرأة لاتزال ترفع يديها ضد العاصفة وتعلن: أن هذا الذي يحدث ضدي كله هراء، فأيقنت أني أدخل رحم الحقيقة الوحيدة التي يقدمها إليَّ الراهن الصحراوي والتفت بغضب الى حفلتي الصغيرة.

اقشعر بدني، وقف شعر رأسي. لقد رأيت الخراب كما لم يكن واضحاً في أي يوم من الأيام: كانت موائد الحفلة الصغيرة متقلبة. طارت الشراشف بعد أن تدسمت بالمرق والسوائل الاخرى، وتداخلت المربعات الثلاثة، لتكوّن وضعاً لا يمكن وصفه إلا بالخراب التام.

ومن هناك، من الأرباض، من العتمة، كانت طوابير من قطط سود وحمر وبيض وبنفسجية تتقدم نحو الموائد المقلوبة، تهرّ، تتعارك فيما بينها، وترفع أطرافها الأمامية وتطلق عواءً محموماً. لقد اختارت القطط مكان حفلها، وفي هذا المكان المخرب، في هذا الجزء المهمل من الأرض، ابتداء من تلك الأرباض ذات اللون الداخن.

وأيقنت أن الحفلة الصغيرة قد كفت عن أن تكون مجدية في اللحظة التي انتهيت من صناعتها مع نفسي. المدعوون نصف الأذكياء، المدعوون الذين يلبون كل دعوة، المدعوون الذين تراهم في كل فرح وفاتحة، هل غادروا المكان بهذه السرعة أم أنهم تحولوا الى قطط...؟ المدعوون المتأنقون، المدعوون المحافظون أو الشعاريون، يرفعون أيديهم الأمامية نحوي الآن، ويكشّرون عن أنيابهم. لقد كنت أقول حينها: أي أوضاع تنقض نفسها الآن؟ أية حالات مرمزة تحتفظ بها ذاكرة القطط، أي اختيارات تتم في الجانب الآخر من البيت...؟

ولما أردت التقدم قليلاً إلى أمام، اصطفت القطط إزائي وكأنها تتحفز لمهاجمتي. كانت قططاً من ذلك النوع المسمن الذي غالباً ما نراه في مطابخ البيوت الموسرة، قططاً بطرة، تعودت أن تطعم اللحم واللبن غير الرائب، ولمسات من أصابغ مزدانة بخواتم عقيقية.

كانت القطط هي التي تتجه الآن نحوي. تفغر أفواهها وتستبين نواجذها الحمر، وأسنانها الدقيقة البيض المبرودة وقد رفعت أذنابها الى الأعلى، وقف شعرها، وكانت تطلق مواءً حاداً.

وفجأة التمع البيت. لقد هجم الضوء بصورة مباغتة. فأنار الحديقة والبيت، واستطعت أن أرى وقتها أدق الهوام التي كانت تبحث عن غذائها في النهاية القصوى للأرباض.

التفت الى الخلف وشاهدت المرأة.

تقدمت إليَّ حتى وقفت قبالتي. وجه مدور، عينان سوداوان، فم صغير، شفتان رفيعتان دقيقتان، أنف أقنى، صدر ضامر، بطن مخسوف، امرأة مقذوفة من ذلك الماضي البعيد، شكلتها الصحراء بطيوبها وعنفها. لم تكن حزينة، غير أنها كانت في وضع من يتأمل، يرتاح شعرها الأسود على كتفين هزيلتين، وكانت تهم بمحادثتي.

- "أنت محمد المهدي؟".

- "الآن فقط سأقول الحقيقة".

قالت:

- "أنت ابني الضائع".

قلت:

- "كما تشائين".

- "لم تكن شايع الشرقي. كان ذلك مع الهزيمة، أتفهم؟".

وكما لو أنني صعقت، رأيت إلى المرأة باستغراق كان وجهها وجه أمي، وعيناها كعيني أمي، وصوتها صوت أمي ذاته.

لقد توقفت في مكاني مأخوذاً بالمشهد الجديد، المشهد الوحيد الذي لا يمكن أن أنساه، فأخذتني الى صدرها، وكنت أبكي.

- "أنا ابنك... محمد المهدي".

وعندما عاينتها مرة أخرى كانت الحديقة كما كانت في الليلة الماضية، ندية، حبيبة، ولم تكن أية كراسيّ مقلوبة. كان كل شيء جديداً، ومهيّأً لأن يكون مفهوماً.
 



بغداد
 

رجوع

 
   

 

 

 

Copyright 2007, www.jumalami.com.

Powered and Designed by ENANA.COM