الثلاثية الثالثة
 

القنطروس

الذي حدث لا يمكن أن أنساه: فجأة تسخنت عيناي، وكان رأسي ثقيلاً، ريما بفعل السكر، أو لأن الدنيا القديمة والدنيا الحاضرة وأنا، تجمدنا في عيني تلك المرأة التي ألفتها منذ شهور تجلس على أرضية الغرفة الصغيرة، تطيل النظر اليّ مرة، وأخرى تغرق في سكون عميق، فقلت مع نفسي "هل أنا سور يتهدم" قالت: كفّ عن الشرب، أعط لنفسك راحة. نهضت إليها، لا أتذكر الذي حدث بالضبط، إنما الذي أراه الآن أنني وضعت رأسي على صدرها، كانت منطرحة، منهكة بعد جولة السوق، وأخذت أصرخ: هراء، إن هذا كله هراء. وكانت الجراء، مئات من هذه الكائنات الكلبية الصغيرة تركض خلفي، وكانت عيون ملتصقة برؤوس دون أبدان تطل عليّ من كوى على امتداد لا حدّ له. ثم إنني أحسست بذلك الدبيب، دبيب الجسم الناعم الطويل، يتسلّقني، وينتصب الرأس المثلث، مثل قوس غير متكامل، فوق رأسي، ورأيت اللسان ذا الشقين يرتعش، والعينين الفيروزيتين الصغيرتين تغمزانني. وفي لحظة كف هذا كله عن أن يكون موجوداً، وتربعت طفلة صغيرة فوق صدري، وأخذت تضربه.. وكانت تضحك.

أفقت. لم أكن في بيتي. ولم أجد أمي في جلستها المعتادة توزع أقراص الكبة على الصينية النحاسية. كان ثمة صبي لما يتعد الثالثة عشرة، بوجه شبه مستدير، وعينين فيروزيتين، ينظر إليَّ مبتسماً، ووضع أمامي، على منضدة، قنينة وقدحاً وثلاثة مواعين، وسمعته ينطق كلمات غادرني بعدها. رفعت رأسي، حاولت جاهداً أن أجعل رأسي يأخذ وضعه الصحيح على رقبتي، وأن تكون رقبتي مستقيمة على كتفي، إلا أنني اكتشفت، في اللحظات الأخيرة، عقم هذه المحاولة، فأخذت أعاين المكان، عاينته، كان مكاناً على شكل مكعب مجوف من الداخل، انتثرت فوق أرضيته مناضد ومقاعد خشبية، توزعها شباب وشيوخ يتناولون العرق، ومن وسط كل جدرانه، إلا الجدار الأول الملاصق للشارع العام، يفتح شق مستطيل أسدلت عليه ستارة بيضاء متسخة، يقود الى غرفة صغيرة، يسمع من داخلها بين آن وآخر، صوت غناء أو طرقعة الأواني المعدنية إذ تسقط على الأرض، أو قهقهات. مكان. وحاولت أن أعفط فلم أستطع. وقلت إن هذا مكان خاص للفواق. غير أنني استدركت – وقبل هذا كنت قد استسخفت الفكرة – في الحال وتراجعت عن تصوراتي السابقة كلها، عندما دفعت بوابة المكان بعنف، ودخل رجل ملتحٍ. كان طويل القامة، ضرط من بين براطمه ، فعرفت أنني لست في بيتي، أو أنني في مكان خاص للفواق، وأخذت أشرب، وقلت إن هذا خير تعزية، وأخذ الرجل الملتحي يقترب مني، أو هيىء لي ذلك، ورسم بأصابعه شكل مسدس، وعفط في وجهي هذه المرة.

كان الهواء من حولي أسود وثقيلاً كما الرصاص: تيقنت أني سكران، إلا أن وعيي همزني الآونة: سكران، وساررت نفسي: إذ أسكر يتحول الآخرون الى حيوات فروية، بينما تلاحقني الكلاب من كل الجهات، ثم طربت كلامي دون صوت: لقد كف تدمير النفس عن أن يكون ذا جدوى، فلقد ذهب الشباب، وغادرني التشهي، ولم تعد ذاكرتي تتنزه بحرية، واستطعت أن أرى الرجل الملتحي وهو يخاطبني "نخبك". وسمعت الرجل الملتحي يقول "منذ لحظات سألني عنك. من؟ الأبجر".

رأيت إليه. استطعت أن أحدد ملامحه بصعوبة: كان شعر رأسه أجعد يميل الى الشقرة، ويتوسط الوجه أنف روماني، ولاحظت تهدل لحيته من جانبي وجهه. قال: "لقد شفيت الشمس الآن" . شفت شفتيه كانتا مرسومتين بدقة، رفيعتين وأرجوانيتين. وعندما قال: منذ لحظات سألني عنك تأكدت أني أعرف هذا الرجل، فاستصدرت انَّةً من صدري، رفع الرجل على أثرها كأسه الى فمه وتلمظ. وتذكرت تماماً تلك الشفتين الرفيعتين الارجوانيتين المرسومتين بدقة، وقلت إني أصل الى عتبه الرضا، فتماسكت وأدى ذلك الى اهتزاز نوابض ذاكرتي، ولا أدري لمَ بصقت على الارض.

وكنت قد بصقت على الارض لعاباً خالطه دم، وكان شعر جلدي ورأسي قدنهض. أنهضوني، كانا اثنين، لا ثلاثة، لا أربعة، انهضوني وعصبوا عيني ورأسي برباط من قماش طبي، بعد أن وضعوا فوق أجفان عيني قطناً ، أمرني أحدهم: الآن سر. وفي سجن الحلة لم أكن أسير، كنت أهوم فقط، وكان صاحب لي يعلق على ذلك: أنت تنعزل عن نفسك حتى في مشيتك. وتذكرت أن سيارة صغيرة أنزلتني قرب مكان يشبه القبر من الخارج، ثم قادني أحد المرافقين وسط طريق زراعي ضيق. دخلت المكان الذي يشبه المكان من الخارج، بعد أن اجتزت دهليزاً طويلاً. لم أكن خائفاً بيد أنني لم أكن أمتلك شجاعة التساؤل، وكان الصوت الآمر ما يزال يصرخ بي: سر الى الامام، فرأيت في آخر الدهليز الضيق الطويل وجهاً ملتحياً ينتظرني. آه.. كيف نسيت، لقد فكوا العصابة عن عيني ورأسي قبل أن نصل إلى ذلك المكان الذي يشبه القبر بقليل. وسمعت الصوت ذا الوجه الملتحي يعيط: العقارب ، الصراصير.. أريد الصراصيرحالا.

كان الوجه الملتحي يغيب عني في هواء قاتم. وشعرت أنني أطير. واصطدمت قدماي بأجساد آدمية، كاملة، وإذ سقطت من الهلع أو من شدة الظلمة، لا فرق، تلمست يداي رؤوساً بلا أبدان، أذرعاً، لفات شعر، أجساداً دافئة وأخرى باردة، وكان خلفي وأمامي صراخ وهلاهل، مكبرات صوت تطلق زعيقاً حاداً، وكنت أسير وأقع، والدهليز، لا أدري أين أفضى بي. ضعت: قلت لنفسي، لقد بدأ الخراب. إطلاقة جاءت من حيث لا أدري وأزت قرب أذني رافقتها ضحكة تشبه ضحكة أنثى عروب.. لا، لم يكن هذا كابوساً: لقد حدث هذا في مكان خاص للتعذيب، او للفواق، أذكر هذا لأنني كنت لا أمتثل الى أي شيء، لقد تساوت الشجاعة عندي والجبن، لم أكن أدري على وجه الدقة ما كان يجري ويحدث قربي، كان هناك انخذال في قلبي، ولا تركيز في عقلي، ولقد أحسست برغبة قوية في البكاء، أن أصرخ بملء صوتي، أندب حادثات الزمن العاثر، فقلت وقد تسخنت عيناي فجأة: لقد بدأ الخراب، ومن خلل الدموع أطل عليّ وجه أمي، تلك المرأة التي تعودت أن تعتصب بعصابة سوداء وقالت: ولدي، ولم تكمل فإن ثلة من الرجال المموهين (هل كانوا يلبسون أقنعة؟) فصلوني عنها، وأخذ المكان يضج بهرير القطط ونباح الكلاب والجراء، والاصوات النسائية المبحوحة، وتذكرت الأبجر بمشيته المنكفئة، ثم شعرت بشعر يافوخي يحلق، علا هرير الكلاب والجراء، ومر مشرط على جلدة الرأس الحليقة، ولم أدر ماذا فعلوا بي. كل ما أذكره أنني كنت أعيط، لأن رأسي كان يكبر، يكبر ويتقيأ مثل بركان. وهناك، فوق جلدة الرأس الحليقة، حشرة عمياء تخربش بخراطيم لا عدّ لها. في الظلام: وحدي مع نفسي والحشرات والاصوات النسائية المبحوحة، لم أكن شجاعاً ولا جباناً، كانت هرة سوداء تفغر فمها في انتظاري، ثم ضعت بعد لحظات.

وأفقت.

كان رأسي مسنداً الى الطاولة، ثمة لعاب يسيل من زاوية فمي اليسرى ويتجمد عند حنكي ورقبتي. وكنت أريد أن أبكي. نظرت الى الرجل الملتحي، كان يجلس أمامي، الى المنضدة، ويتناول قدح العرق بيد راعشة ويتمطق. كانت شفتاه دقيقتين وأرجوانيتين.

- "من الذي سأل عني؟"

- "الأبجر"

- "أنت تعرفه أيضاً"

- "أنا أتحدث عن أبجري الخاص".

- "يا قنطروس.. هل تعرف الغناء"؟

- "وأنت.. هل تعرف الغناء"؟

- يا قنطروسي.. غنِّ لنا.. لك ولي"

وأخذ الرجل الملتحي ينشد:

"منآي، يا منآي

منآي الغريب..

لم أجىء اليك بمحض إرادتي،

ولا قادني اليك جوادي الكريم،

بل قادني اليك، أنا الفتى الطيب،

الأقدام، وتواثب الصبا.

والسكر في الحانات ... (1)

وإذ ذاك أخذت أنتحب، ورأيت مئات القناطيس تدبك وتدربك في المكان الخاص للفواق، وكان الوجه الملتحي، ينظر إليّ بعينين دمرتهما الخمرة وهو يعيط: أنا الفتى الطيب.. أنا الفتى الطيب..


حزن الأم

الذي حدث لا يمكن أن أنساه: تضاحكت الأم وقالت "سأحضر الشاي" ومن المطبخ الصغير سمعتها تدندن بلحن شعبي. كان المساء قد اغسوسق في الخارج، وكنت قد وصلت الى بعض عتبات الرضا إذ طوقني المساء البارد، وتذكرت أني أحب لحظات المساء الفضي بالليل الأسود: التنور الذي يشجر، خبز الأم المحمص، السير حول سور سجن نقرة السلمان، قراءة الكتب الممنوعة والمنشورات السرية، القبلة الحيية الاولى، الانتظار وحيداً في غرفة الاعتقال الانفرادي. غير أن الوالدة – أو بالحري صوتها – أخبرتني من المطبخ: غداً ستكون شمس وسوف نتشرق – لم أتوضح ما كانت تقصده على وجه التحديد. ربما لأنني كنت أعيش هبوط المساء البارد وانزلاقه من فوق سور سجن السلمان وانسيابه الافعواني داخل الردهات، ومكوثه تحت قمصان المساجين وبطانيات السجن، أو لأنني تعودت حزناً غامضاً من هذه المرأة.

وجاء الشاي منذ لحظات. ارتشفت شيئاً من فنجانها دون أن تنظر إليّ. رأيت اليها: ما تزال تتفوط بفوطة سوداء، وتلف جسدها بعباءة سوداء. كان وجهها متخدداً – وسمعتها في ذاكرتي تقول لإحدى جاراتها: عندما تحزن الأم فان دموعها تحفر وجهها – وبدا مثل أرض متروكة – ثم قالت لجارتها: حزن الأم، أية أم لم تحزن، إن الحزن رفيق كل أم مهما كانت سعيدة – برقشها حيوان أسطوري، وكانت عيناها تلوبان في المحجرين وكأنها أضمرت شيئاً ما عني. أما الغرفة الصغيرة فقد طليت حديثاً بالجير الأبيض وامتدت اريكة مع استواء النهاية السفلى للنافذة، وحيث الستائر الزرق المشجرة سترت عني الخارج. كان الضياء في الغرفة أبيض ومتألقاً، ولعل هذا هو الذي سمح لي أن أرى فوق رأس الوالدة صورة لمصور شعبي تمثل مريم ويسوع، وكانت أمه تحتضنه وترسل اليه نظرة غامضة من عينين متجمدتين في محجريهما.

"احك لي.." امتدحت الشاي الذي أحضرته، وقلت لنفسي إن المطر يعيد اليّ حزناً قديماً، وكانت الوالدة متوثبة لأن تسمع مني شيئاً، فامتدحت الشاي الذي أحضرته منذ لحظات، إلا أنها أحنت رأسها، وأفردت سيكارة من علبة أمامها وطفقت تدخن. قلت "الدنيا تمطر" وتساءلت: "ألا يذكرك المطر بي" استمرت تحني رأسها وتدخن تماماً كما كان يحدث في السنوات السابقة: مهما كانت الساحة موحلة أو نظيفة، ومهما كان الجو مشمساً أو راعداً، فان دخول امي الى السجن كان يضعني أمام هذه الحالة: الابتعاد عن العالم للحظات ومعاينته بدقة – أنت عدالتي وقضيتي. ترمقني بعد أن تضع الزنبيل على الأرض وتفرد سيكارة وتدخن – ثم إن المشكلة خارجك، وبعيدة عنك، تبدو غير معقولة. تحني رأسها وتدخن – ماذا في وجهك. تنظر الى السور والى الناس وأسمع في وجهها شبح ابتسامة: بالله قولي شيئا ً، غير أنها تكون قد انهمكت في مراقبة سرية: أظفاري، طول شعر رأسي، حلاقة وجهي، طريقة تدخيني، حركة يدي، ثم ترفع إليّ عينين مغرورقتين بالدموع، وتفك صرة مخبأة عند صدرها، بين جلدها ودشداشتها، وتناولني قطعة نقود او ورقة نقدية. وبعد إتنهاء المواجهة كان السجناء السياسيون يتناولون مرق الفاصولياء، الدولمة، التفاح، الخبز المجفف، والطماطم، ويرزمون ملابسهم. أما أنا فأظل مسمراً في مكاني، معتزلاً العالم، مفكراً في جدوى هذه العزلة عنه أو ذلك الاقتراب منه. وفي تلك الأيام – في لحظات سادرة – أحسست الشمس أكثر من المعتاد.

"العرق فقط يفك لسانك" لم أكن أدري ما تريد، وأنا نفسي كنت متلدداً من هذا الوضع الذي لم يسمح لي أن أنضو عن نفسي تعبها القديم. "وأنت من يفك لسانك"؟ ولما لم تنبس بأية كلمة عرفت أن بيني وبين الوالدة مسافة نتعمد كلانا المحافظة عليها. غير أن المسافة عندي وعندها مختلفة. هي تقبع هناك. جسد محنط بالذكريات. حبة رمان خرافية مرمية في الأرض السابعة أو السماء السابعة يخنقها غبار الماضي نفسه. أو فيل يبحث عن مقبرة الاجداد. أما أنا فقد كنت أراها تطوف حارة "الجوادر" تنادي على "الكبة" طيلة ست سنوات ونصف. "أية امرأة هذه؟".

- "سأحكي"

- "الله يحفظك"

أشعلت سيكارة وبدأت أتحدث:

- "يحكى من قديم الزمان.. أن وطناً من الأوطان.. تعرض لطارىء من الهوان.. فسيق الشباب الى أرض يباب... وترملت الأمهات. و...".

لم أكمل الحكاية فقد سمعت صوتها يصلني متهدجاً:

- "بالله عليك خلنا من هذا...".

- "كما تريدين".

- "فدى عينيك قل شيئاً يفرح القلب".

- "في ليلة شتوية تسور سور السجن رجل اسمه "صلاح احمد" كان متزوجاً وله ابنة تسمى فتنة. كان قريباً من حبل المشنقة، وعلى ذلك قرر زملاؤه تهريبه من السجن، فتسور السور...".

- "نعم هل قابل ابنته؟"

- "تأتيك الحكاية".

- "إني صاغية".

- "وبعد يوم وليلة قال الزملاء فيما بينهم إنه قد وصل السماوة، فأعلنوا لمدير السجن صباح اليوم الثالث أن زميلهم غير موجود، فقال المدير...".

- "ماذا قال؟"

- "اصبري ستأتيك الحكاية".

- "فدى عينيك أكملها".

- "وفي الساعة الحادية عشرة من صباح اليوم الثالث لاختفاء السجين الهارب ران على باصات السجن وردهاته صمت ثقيل... وأخذ السجناء يتوجهون نحو القلعة الحجرية... ويجلسون على الأرض دون كلام".

- "بدأ قلبي يوجعني".

- "ما عليك سأكمل الحكاية"

- "قلت بدأ القلب يرتجف".

- "ولما توسطت الشمس كبد السماء جاء من يعلم السجناء الجالسين في باحة القلعة الحجرية أن الشرطة الهجانة جاءوا بـ "صلاح احمد"-".

- "حياً".

- " ميت". وقد أكلت بنات آوى أنفه وأذنيه.. واقتلعت عينيه من محجريهما.. أما الذئاب فقد نهشت القلب والمعلاق..".

- "ويلي عليك".

- "لقد عاينت القلب فوجدته مبقوراً".

- "ويلي على ابني".

وكانت أمامي متكومة مثل كومة صوف أغرقها الماء، تدخن وتنظر الى أسفل. وكنت لا أريد الكلام، فالقناطيس تتقافز في رأسي وفي داخل الغرفة الصغيرة، وانتبهت الى أني كنت أتحدث كما في حالة حلم وهذيان أو أني كنت أحلم، فتحركت وجلست قبالتها على الأرض: لم تكن تبكي، كانت عيناها تلوبان بحيرة، وكان وجهها مثل أرض محروثة. وتكومت في حضنها: جاءت الكلاب، جاءت الجراء، جاء الآدميون الذين بلا أبدان والآدميون الذين بلا رؤوس، وكانت تهدهدني كما كنت أيام الطفولة، وتهمس في أذني شيئاً ما، شيئاً ما، عن امرأة غريبة ماتت في قرية قصية من قرى الجنوب، وظلت في كوخها القصبي أياماً دون أن يفطن الناس الى غيابها، وفي الأخير فطنوا الى غيابها من عفن بيت القصب.

قالت: ولدي.. الغرباء يموتون في صمت قد يتحول الى ضجيج.

وكان رأسي يضج بمئات الأسماء من الغرباء، وكنت واحداً منهم.
 

***


الأبجر

الذي حدث لا يمكن أن أنساه: عندما كنا صغاراً كانت الدنيا صغيرة. تبتدىء من بيت السيد عاشور لتمتد قريباً من علوة السمك وبستاني بيت الزبير وبيت جاني، في جنوب وشمالي محلة الماجدية. وفي الداخل – داخلنا نحن الصغار والمحلة – كنا نتصادق اتفاقاً عندما نطارد بكلابنا الجنوبية أرانب مذعورة، وسط أدغال وعاقول، أو ننضم الى أحد المواكب الحسينية، ونتعرض لمضايقات صبية الحواري الأخرى: أية حياة تلك.. لم تكن ممنوحة، إنما كانت مصنوعة بفرح الطفولة البريء هناك عند العتبات المتربة تجلس الأمهات في العصاري يفلين شعر رؤوسنا بحثاً عن القمل، وفي العشيات يتجمع الشيوخ حول الأتربة يروون حكايات الهور والغزو القديم عند الحدود الايرانية. وعندما تصير الدنيا ليلاً وتظلم المنازل الطينية وتنكفىء المحلة على نفسها لا نسمع إلا صفير الحرس الليلي. وفي الشتاء تموت المحلة ونتسور البيوت المبنية بالبردي والعاقول والطحمة وخراء الجاموس والبقر، بينما الكلاب وحدها تجوس في الأزقة الضيقة، وتطلق عواءً متواصلاً إذ تتسمع أصوات الطيور المهاجرة، وقتها كان الفانوس النفطي يضيء الغرفة الصغيرة بنور مسلول، فأخاف النظر اليه، وأندس تحت إبط عمتي الدفيء وأقرأ آية الكرسي اثنتي عشرة مرة. كانت حياتنا الصغيرة مليئة بالغبار والطين والعراكات، ومع ذلك كانت حياة حقيقية.

أما بعد ذلك، أي بعد أن كبرنا، فقد صارت الدنيا أكبر، نبت الزغب الأشهب فوق شفاهنا العليا، وبدأنا نتبادل الكتب الجنسية، نتوهم الحب أو نتسابق في ممارسة الاستمناء بصورة علنية قرب شريعة الماء وعلى مرأى ومسمع من ملايات الماء والصيادين العائدين من "البتيرة" والميمونة واليشن والسودة والبيضة وحراس النخل والخس. لكننا في ذلك اليوم من عام 1957 كبرنا بصورة غير متوقعة، إذ تعرفنا على السياسة.

حدث ذلك بصورة مدهشة وفجائية، كنا قد عدنا من شريعة النهر، كان الوقت بعد العشية، وابتلت دشاديشنا بماء النهر الدافىء عند المساء. وإذ وصلنا الى المربع الموهوم الذي صنعته نخلات الديري جلسنا كحلقة وأخذنا ننظر الى النجوم. كان القمر قد أقام مأدبة لبعض النجيمات: تحلقت النجوم حوله، وبدا بلونه الأرجواني ضاحكاً كما لو كان يتخير واحدة منها لعرس الليلة. لكن صفحة السماء – فيما كنا ننتظر- ارتبكت بغتة، واخترق الحلقة النجمية مذنب تقدمته كرة خضراء ملتهبة بينما كان ذيله أبيض والتحم بإحدى النجيمات، ثم شاهدنا انفراط عقد النجوم من حول القمر. كانت حلقتنا قد انفرطت ايضاً، وشعرت أن دشداشتي حارة على جلدي المموه بالرمل. ولما هممت أن أسأل عبد علي يوسف عن شيء ما دار في خلدي الآونة لم أجده بجانبي. رأيت عيون الفتيان تلتمع، وأشار شامل أحمد المرهونة: هناك، ذاك هو عبد علي يوسف. كان الفتى قد خلف مربع نخلات الديري خلفه بحوالي مائتي ياردة، يسير الهوينا تارة، وأخرى يمثل دوراً طفولياً، وأمامه وخلفه ومن على يساره ويمينه، هالة مدورة خضراء اللون تجر خلفها ضياء أبيض. صرخ شامل: الأبجر، ذهب عبد علي مع الأبجر.

ومنذ ذلك اليوم ابتدأت قضية معقدة عاشتها الماجدية.

قال البلام "غليم الحوش":

- الأبجر، لا يخطف الفتيان. إنه يغويهم. وحلف برأس الإمام الرضا: إنهم في منطقة "السودة والبيضة" يعرفون الأبجر: وهل هناك من لا يعرفه.. إنه يظهر عندما يكون القمر بدراً ويقترب من الفتيان.

وتقدم الشحاذ "بنانة" من حشد كان يناقش قضية الأبجر فوضع عليقته على الأرض، وطلب من الناس أن يذكروا اسم خير المرسلين ووصيه وآل بيته أجمعين. وبعد أن ردد الحشد: "صلوات على محمد وعلى آله" طلب اليهم إعادة الصلوات حباً بالزهراء ففعلوا ذلك، ثم ران الصمت. إذ ذاك قال (بنانة):

- السالفة لها شاهد: بعد أن جاء الشيخ طعمة الصالح من زيارة الإمام الرضا عليه السلام (وهنا صرخ الحشد.. صلوات على النبي واله الاطياب الاطهار) قبل مائة سنة، ذهب الى داره من غير أن يوزع هدايا الزوار على الناس. ويحكي أبي ما يأتي:

ذهبت الى الشيخ وقلت مولانا ماذا رأيت؟

- أأقول لك عن الذي داخل الجلد أم عن الذي خارجه؟

- كما تحب يا مولاي.

- أما الذي داخل الجلد فهو مخافتك الخارج وأما خارجه فرهبتك الداخل. قال أبي: والله يا مولانا ما عرفت شيئاً من هذا الذي تقول. فعاود الشيخ الكلام: كنا في حضرته عليه أفضل الصلوات والسلام فظهر لنا مثل كرة خضراء ملتهبة تستجر خلفها خيطاً غليظاً من ضياء أبيض وقال حبيبي من يحب الأبجر.

وقلت لأبي من هو الأبجر؟ فطال به الحديث يوماً وليلة، لا يأكل ولا يشرب، بل قال لي سر خلفي واستمع لمدائحي. وكنت صغيراً أسير خلفه من شارع الى شارع، ومن بيت الى بيت، وهو لايني يتحدث عن رجل فقير يدور الدنيا ماشياً على قدميه، يظهر للذين يحبهم، يقول بالخير والعقبى الطيبة لكل من يعمل صالحاً.

غير أن تاجر الماشية وقد استلفته الحشد الذي ينصت الى الشحاذ (بنانة) صرخ بصوت مخنوق:

يا صاحب الكدية، هذا كلام المسقوب. لم يرد بنانة بشيء، بل نهض من قعدته ورفع عليقته وصار يغني: الكانزون الذهب والفضة يعاقبهم الله في الآخرة ويسلبها الأبجر منهم في الحياة الدنيا.

وفي ذلك اليوم بعد أن اختفى عبد علي من بيننا ظهرت أمه "رسلية" وعاطت: أو يلاخ عيوني، يكون الأبجر أغوى عبد علي وأخذه معه الى القلعة. ولطمت وجهها شديداً وقعدت على الأرض تدق صدرها. كنت خائفاً من شيء ما في صدري إذ تراءى لي أكثر من مرة أنني أرى الأبجر يترصدنا، ونقلت مخاوفي الى عبد علي وشامل، فضحكا مني. قال شامل: أمي تحب البريم، وضحك. وهزج عبد علي بأغنية شعبية قديمة. لكن المحلة تجمعت كلها الآن في الزقاق الضيق الذي يقود الى بستان بيت الزبير. كان بعض الناس يرون في الحادثة نكتة، وكان ابن تاجر الماشية يضحك هازئاً، حين ظهر يوسف من باب يجاور بيتنا حاملاً هراوته المعتادة وأجال بصره الكفيف بين الناس وقال كمن يتحدى: والله إذا كان الأبجر قد أغوى ابني فسأدق عنقه بهذه الهراوة. وضرب الهواء بهراوته وتجشأ ثم فتل شاربيه الأغبرين وصرخ متوعداً: ومن يكون، الأبجر، هذا..؟ وهل إنه لا يعرف قدرتي على منازلة الغيلان والسعالى..؟ وطفق يروي حكايته في هور "الحويزة" مع "السعلاة" التي انقلبت معزاة، تنط أمامه تارة وتتوقف تارة أخرى، فمكر بها – كما زعم- ولما همَّ أن يضربها بقامته عفطت له وتحولت الى كرة من خيوط الصوف تراكضت أمامه.

تجشأ يوسف للمرة الثالثة، ووجد نفسه، في الليل، أمام حشد من النساء والفتيان والشباب والشيوخ يتحدث بحماسة ويجلد الهواء بهراوته الغليظة، وفكر: ما أنا إلا مجرد صياد بسيط، غير أنه إذ افتكر غياب عبد علي عنه زأر كمجنون: آخ من هذا الأبجر، وكان الشحاذ (بنانة) قد اقترب منه الآن فرمى عليقته فوق الأرض الوسخة، وأعلن: سلطان الموزان سيكون الشاهد. واستدارت الرؤوس نحو رجل قصير القامة، عريض الكتفين، يرتدي دشداشة حمراء مقلمة بمساطر بيضاء، نبتت لحيته في وجهه دونما انتظام، وكان ينظر الى الناس بعينين داخنتين:

- إذا استطعت أن تقاتل الغيلان – قال سلطان الموزان – وتهزم السعالى، وطاردت العنافيش في مياه القصب والبردي، واستطعمت الخريط بدل الثريد، وشربت لبن الجاموس دون الماء الخابط، وتقدر على تأديب الأبجر، فدونك إياه. إنه – واستدارت رؤوس الناس صوب إشارة من يده – يقطن تلك القلعة التي تحيط بقج الرمان والآس والنارنج.

وتثلج قلبي

كنا نقول نحن الفتية الصغار: هو ذا سلطان الموزان، رجل لا هو بالفقير ولا هو بالغني، لم يذهب الى جامع الحارة مطلقاً إلا أن أحداً من مواطني المحلة لم يقل إنه كافر، وغالباً ما كنا نراه يشق طريقه الى النهر أو غابات النخيل البعيدة دون أن يرفع عينيه الى بشر. وفي أيام دراسة الحنطة يذهب الى الجزيرة، وأيام حصاد الرز يولي وجهه شطر الأهوار، ويعود محملاً بأكياس الحنطة والرز. كان بيته خالياً من الأولاد كما من زوجته، وكان البلام "غليم الحوش" يقول عنه في مجالس العشيات: أووه.. سلطان الموزان، هذا رجل لم يخرج من رحم أية امرأة. فيسأله أحد العجائز من أين طلع إذن؟ فيردد ابن حوش: من باطن رجل أمه. ويضحك المجتمعون.

وكان الحشد يهمهم أو يضحك عندما استدار يوسف ودلف الى بيته بعدما سمع كلام سلطان الموزان الذي استمر يقول: يجوز الولد استهواه مرق بغداد الأصفر، فعاف هذه الديرة الوسخة. ويجوز راح الى قلعة "الغريبة".

هدأ الحشد فجأة، وأخذ الرجال ينظرون الى الرجال، واتسعت الفجوات التي تفصل بين امرأة وأخرى.. وما هي إلاّ لحظات حتى خلا الزقاق من النساء والرجال، بينما ظل الشحاذ (بنانة) ينظر الى سلطان الموزان مردداً كلامه الأخير: يجوز.. يجوز الولد راح "للغريبة".

إذا كنت قد رأيت مدينة العمارة فإن نهايتها الجنوبية تنحدر تدريجياً نحو غابات من بساتين النخيل، حتى إنه يستحيل على الغريب أن يضع خطاً فاصلاً بين المدينة والنخيل، وقد علق أحد ظرفاء المدينة ذات يوم قائلاً: من يتقدم نحو الآخر.. بيوت العمارة الجنوبية أم بساتين النخيل..؟

وهكذا فإن المتوغل في الغابات النخيلية لمسافة خمسة عشر كيلومتراً سيجد نفسه إزاء خلاء واسع بين تلك الغابات، تكتنفه دوائر ومربعات من الأزهار البرية وشجيرات الآس والحرفش والكاط والسيسبان. وفي وسط هذا الخلاء تنتصب قلعة "الغريبة".

"الغريبة" بناء مربع الشكل. تختلف كثيراً عن القلاع التي بناها ملاّك الأرض في جنوب العراق، فهي مبنية من حجارة قرميدية، تلتصق الواحدة بالأخرى بواسطة سائل لم نتعرف إلى تركيبته. وذات يوم سئل نقيب البنائين عن هذه المادة فأجاب دون حماسة: والله ما أعرف عنها شيئاً.. إلا أنني أظن أن الحجارة مسلوقة في نار جهنم ثم رفعت الى منطقة الغريبة.. واستمر يدخن غليونه.

ولم يكن أحد قد اقترب مسافة مترين من سورها غير المرتفع إلا قليلاً، إلا أن عجائز الصيادين يقولون إن القلعة بدون باب خشبي أو حديدي، وإن النباتات والأزهار البرية تشابكت وتعانقت عند فتحة شبه مستطيلة قيل إنها هي باب القلعة. وثمة أكثر من إشاعة تفيد أن القلعة من الداخل مكونة من غرف صغيرة متصلة ببعضها وأنها بلا سقوف، وقيل إن بعض غرفها بحيرات خواضة.

وأهل العمارة يستطيعون نسيان المتصرفين ومديري الشرطة الذين عملوا فيها، لكنهم لا يستطيعون نسيان القلعة التي حيكت حولها الأساطير: اختفاء معلم المدرسة الابتدائية لطيف كريم، ورجل القراءات الحسينية سيد علي أبو النفط، والاسطورة الغريبة الاخرى: أن الأمطار والفيضانات وسنوات القحط والجدب والجراد، لم تستطع أن تهدم ذرة من حجارتها.

وليلة اختفى عبد علي يوسف حرمنا الذهاب فرادى الى الشريعة. أو الجلوس في المربع الموهوم لنخيلات الديري، وباتت أمي وأمهات أقراني يقلن لنا كل مساء: ها.. تذكروا صاحبكم عبد علي وما مرّ به. افتحوا عيونكم وآذانكم.. فالأبجر قد يتخذ أي صورة ويظهر لكم أكثر من وسيلة للغواية.

وذات يوم قال صاحبي مزعل الحميدان: تعال الى نخيلات الديري. كنت خائفاً مع نفسي، بيد أني تظاهرت بعدم سماع نصائح أمي وأية حكاية عن الأبجر وترصده للفتيان. وفي الطريق انضم الينا شامل المرهونة مردداً: أمي تحب الديري. وقلت أنا لنذهب إلى الشريعة أولاً. وهكذا سبحنا، في الليل، في مياه غرينية بلون النحاس المهمل وضحكنا كثيراً، وعدنا نسير على "المدربان" الضيق الذي يخترق بستان بيت الزبير الى محلة الماجدية.

قلت: لنجلس – وكنا قد وصلنا مربع نخيلات الديري – وجلسنا فعلاً. تطلعنا إلى السماء. كان القمر بدراً والسماء صافية ومتنجمة بتلك الالتماعات الاخاذة. وتذكرت أن عبد علي كان في مثل هذه الأجواء يميل الى الغناء، وتمنيت أن أرفع صوتي مقلداً ذلك الملاح الذي كان عارياً إلا من قماشة على وسطه وهو يردد: "حبيبي اللي اله عاوجنات شامات". لم أستطع البتة. لقد تعطر الجو برائحة غريبة، وسمعت صوتاً يأتيني من أعماق الغابة: "هلي تعلموني الوفا والطيب". رأيت مزعل الحميدان ينسل من أمامي، وقال شامل المرهونة: أمي تحب خلال الديري، حتى تبينت الصوت أمامي واضحاً غاية الوضوح، إنما كان يردد أغنية أخرى لم نسمع بها على الإطلاق وبصوت عذب لم أعهده في عبد علي يوسف على رغم جمال صوته:

يا أمنا..

كفي الدموعا...

وانتظري لي..

رجوعا

كان الغروب قد انقضى نهائياً، حلّ المساء بلونه الأخضر المائل الى السواد فوق غابات النخيل الممتدة مهما امتد البصر. سكتت الفخاتي ايضا ولم تعد الزرازير تزقزق، أما القبّرات فقد استوطنت حفرها الصغيرة عند جذوع الأشجار وحافات الجداول الصغيرة. ومن هناك، من داخل الغابة، حيث الصمت بعد سكوت المغني والظلام الأخضر المائل الى الاسوداد قليلاً، برز شبح وأخذ يتقدم نحوي، فزعت أول الأمر ثم تجرأت على أن أظل في مكاني وحيداً أرقب تقدمه، وكان يتقدم نحوي أنا. عرفته: كان المغني عبد علي يوسف بلحمه ودمه، وارتج الامر عليّ: منذ ثلاث سنوات اختفى صديقي، ورافق ذلك إشاعة: كان الأبجر يمتطي كرة نورانية خضراء بذيل أبيض متألق فقال لعبد علي:

- "تعال يا ولدي"

تلجلج عبد علي قليلاً، فجاءه صوت عميق:

"قلت تعال يا ابني"

مشى عبد علي نحو الرجل الذي قيل إنه الأبجر وتوقف أمامه لحظة، ثم اشتعلت غابة النخيل بضياء خاطف. وكانت الغابة قد أضيئت الآن بلون فسفوري أخاذ، وهناك كان عبد علي يوسف أمامي مرتدياً دشداشة من الكتان الأبيض وفي قدميه نعل صندل أبيض اللون، وكان شعر رأسه أسود فاحماً كما تعودته. وابتسم لي.

- "كنا في انتظارك"

ومد نحوي يده. كانت غابات النخيل، الأراضي التي توزعتها كل خضرة العالم تقبل نحوي. هل كنت أطير..؟ لا أدري، أيتها الوالدة.. كان صديقي يمسك كفي بأصابع باردة، وشعت بحرارة ما في جسدي، وكان الفضاء الفسفوري يتضوع رائحة لم أشمها من قبل، وكان الفاخت يصدح في أعالي النخيل، طقت أكمام الجوري وسمعت غناء العناكب وترنيم الهوام، طارت القبرات وتمطت الأرانب والأشجار، كل شيء تغير بلحظة حتى وجدت نفسي عند مدخل قلعة "الغريبة" وكان عبد علي يوسف يلاصقني.

- "لندخل"

- "إني خائف"

- "الذي يحب لا يخاف"

- "إني خائف"

- "ما عليك.. ستعرف كل شيء عندما تراه وتتحدث اليه".

ثبت عيني في وجه صديقي الغائب، فرأيت عينيه العسليتين قد ازدادتا جمالاً وكان وجهه نضراً. دلفت من البوابة التي عرشت الأزهار فيها. اجتزت ممراً طويلاً قادني الى غرفة أخرى. هل كنت أطير؟ ثم وجدت نفسي في ممر آخر وغرفة أخرى، وممر وغرفة، حتى وصلت امتداداً مائياً شاسعاً توزعته الطراريد الصغيرة والابلام العشارية، النواخذ والبوم، المراكب ذات الصواري وسفن الصيد الرشيقة. وفاجأتني تلة شاهدت عليها كرسياً من خشب لا أعرف كيف أصله يجلس عليه رجل – سأروي لك تفاصيله الجسدية بعد قليل يا والدة – وخلفه ممالك الطير والشجر والحيوان والبشر والجماد، وهناك رأيت آلاف الناس.. بل مئات الملايين منهم يطلقون أصواتهم للريح ويحدون السيوف. كانت فسحة الماء تفصلني عن التلة.

- "يا بني.. تعال" ناداني

- "والماء؟" تساءلت

- "امش عليه"

- "هذا مستحيل" قلت.

- "قلت تعال ولدي.. فأنت أخيراً بين أهلك" كان صوته مؤثراً وحبيباً.

أطعت أمره وتقدمت فوق الماء، هل كنت أطير.. أحلم.. وهل كان الماء ماء حقاً..؟ لم أعد متحققاً من كل الذي جرى، لا أدري أيتها الوالدة، حتى وصلت الى نهاية التلة الصغيرة وقفت قبالته.

- "الأبجر؟" تساءلت أمي.

"نعم"

"صفه لي".

"إنه رجل ربعة أميل الى القصر، آدم شديد الآدمة، أصلع مبيض الرأس واللحية طويلها، ثقيل العينين في دعج وسعة، حسن الوجه واضح البشاشة، أغيد كأنما عنقه إبريق فضة، عريض المنكبين لهما مشاش كمشاش السبع الضاري، لا يتبين عضده من ساعده قد أدمجتا إدماجاً، أبجر يميل الى السمنة في غير إفراط، ضخم عضلة الساق، رقيق الكتفين، شنن الكفين، يتكـفأ في مشيته على نحـو يقارب مشية النبي(2)

- "أنت الأبجر؟"

- "نعم"

- "....."

- "قلت ضيعتني"

- "هؤلاء أهلك وقومك"

- "قلت ضيعتني".

- "حيثما تكون أكن.

والتفت الى أمي. كانت منهدة. تدخن بإفراط وتقول: إذن رأيته.. والتقيته.

- قلت: "من يا أماه؟"

- "الأبجر"

- "حسبتك تقصدين سلطان الموزان؟

- "لا فرق.. إنك رأيته".

قلت ضاحكاً: "تلك كانت حكايات الطفولة قبل أن يعطب القلب".

ووقفت صارخاً: "تلك حكايات الطفولة يا أماه وكانت القناطيس تدبك وتدربك في الغرفة، ووضعت رأسي في حضنها، وشاهدت، رغم الظلام والدموع، يسوع يدس وجهه في حجر مريم وينتحب، والابجر يتقدم نحوي فاطير اليه مثل عندليب ميساني افاق توا من سكرة رحيق التين والرمان والجوري .
 



بغداد
 

رجوع

 
   

 

 

 

Copyright 2007, www.jumalami.com.

Powered and Designed by ENANA.COM