الثلاثية الثانية
 

- 1اعتراك العصافير
"لأنني وحيد لا أستطيع شيئاً"، وكان قد أزاح الشرشف الأخضر عن وجهه وواجه السماء. "ربما ليس هذا.. ربما لأنني مرهق بتّ أتخيل"، ثم فرك عينيه. كان الغبش بلون الفضة في المسافة القريبة، أما في التخوم البعيدة من الأفق فقد كانت الصورة معتمة. ولما رأى الى السماء مرة أخرى لم يجد أي أثر للثور، فانزلق من على السرير ببطء، وتمطى، وأرسل جسده تحت مياه الصباح الدافئة في غرفة الحمام.

عندما صعد الى سطح الدار كان جسده بارداً. شعر ببعض راحة. "إنه كابوس آخر.. مثل كل الكوابيس الاخرى" وكان الغبش قد أخذ يستحيل الى شيء أقرب من لون النهار. وهناك، في الافق البعيد، ما تزال العتمة على حالها، وبين الفينة والفينة كانت أصوات محركات الشاحنات الكبيرة تطغى على رنين أجراس خيول عربات النفط التي تروح الى محطة البنزين القريبة من داره. شعر بلسعة برد طوال مفرق ظهره وقال في ذاته: "إنه بالتأكيد كابوس آخر"، ولما لم ير الثور يطل عليه من العتمة الماثلة في التخوم البعيدة من الأفق، أشعل سيكارة ونفث دخانها. وللحظة أبصر الدخان لا ينعدم في الهواء، يتحرك ببطء، ببطء شديد ويشكل امتداداً قصيراً، من الاعلى الى الاسفل. ومن الاسفل الى الاعلى، كان ينثني ويتعرج "إن ذلك يعود الى أن حالة الهواء تكاد تكون صافنة" وألقى السيكارة على الأرض، وحول جمرتها شكل شبحي لرأس ثور صغير بارز القرنين.

وفي القفص الخشبي الأزرق، كانت الحمامات الأربع تصفق بأجنحتها. وكان فرحاً بالفرخين الصغيرين اللذين تفقست عنهما البيضتان قبل سبعة أيام. إنه يحب طيور الحمام بغير سبب محدد. وكان الأب الذكر يخرج رأسه ورقبته الزاهية من خرم في القفص الخشبي، وينظر اليه من عينين لا ترفان، بينما أحاط الفرخان بأمهما. دنا من القفص الخشبي حتى حاذاه، وبقي الأب الذكر مادّاً رقبته، زاهية وموردة، خارج القفص. وإذ دفع سبابته نحو رقبة الطائر وملّسها كان الطائر لا يريم حراكاً. كانت عيناه المدورتان الصغيرتان بلون الكركم، وامّحى ذلك الاخضرار المتألق في وسطهما. لم يكن قد فكر في هذا كله، بل فكر في وضع الطائر المستكين وفتح بوابة القفص الخشبي وأطلق الطيرين الى الفضاء. صفق الأب بجناحيه متمهلاً وحطّ على حائط سطح الدار غير المرتفع، ورسمت الأم دائرة صغيرة مرتبكة في الهواء واختارت مكاناً قرب زوجها. وفي داخل القفص الخشبي أخذ الفرخان الصغيران يوصوصان. أما عند شجرة الكاليبتوس فقد تجمعت العصافير في الجزء الأعلى منها وأخذت تطلق صياحاً مهتاجاً. نظر الى الشجرة: كانت العصافير بألوانها البنية عند الأجنحة والسوداء عند الرقبة تصطرع فيما بينها، وشاهد ريشاً منتوفاً يتطاير من أعناقها ويهبط ببطء الى الاسفل، بينما ذكر منها يقف بعيداً عنها، لا يطلق أي صوت سوى أنه كان يرتعش، أو يختض على وجه التحديد، ويفتح شدقي منقاره. كان العصفور يلهث.

اقترب قليلاً من حائط سطح الدار، حيث يقف طيرا الحمام الزوجان . وتأكد أنه يرى الاب الذكر يرخي رقبته الزاهية الى الاسفل فاتحاً منقاره، يتنفس ببطء، وخيط من سائل غريني ذي لون ابيض يتدلى من المنطقة التي تقع تحت لسانه. مد كفه الى اسفل بطن الطير فانزلق الاب الذكر عليها، وأحس ريشه بارداً، فاستدار راجعاً الى القفص الخشبي وفتح بابه الصغير ووضع الطير داخله، وكانت الحمامة الأم قد طارت متمهلة وحطت على كتفه، فنظر اليها من جانبه الايمن وأدخلها القفص عبر البوابة الصغيرة.

رجع أحمد صابر الى سريره، في الزاوية الشمالية من سطح الدار الذي على شكل مربع. أشعل سيكارة ثانية. كانت العصافير ما تزال تعترك الجزء الاعلى من شجرة الكاليبتوس، الا العصفور الذكر الذي نحى بنفسه تماماً عن الضجة، واستشعر لسعة باردة أخرى في مفرق ظهره، فانحرف الى اليمين قليلاً، وأراح الجزء العلوي من جسده على المخدة ومسند السرير، وجذب الشرشف الاخضر فوق رقبته وأخذ ينظر الى الشجرة تارة ، وأخرى الى قفص حمائمه، بينما أحس أن لسعة البرد قد عاودته هذه المرة في قدميه وعند أصابعهما تماماً.

إنه غير نائم . وتيقن أحمد صابر أنه لا يحلم الآونة. ولما أراد أن ينادي على زوجته، استوقفه الصمت الذي أحاط المكان بأجمعه. لم يكن الهواء يحرك أصغر ورقة من أوراق شجرة الكاليبتوس. سكتت العصافير، إنه يعرف أنها موجودة اللحظة في مكان ما من الشجرة، غير أنها صمتت بشكل مفاجىء. وكان الصمت ينكسر في لحظات متباعدة بأصوات الاواني داخل الدار، في مطبخ الدار بالتأكيد، أما في المبعدة من الأفق فقد ظلت العتمة في مكانها، بيد أن جسماً غريباً انسل منها: كان الجسم يبدأ مستدقاً وغضاً إذ ينبت من منتصفها، ثم يغلظ شيئاً فشيئاً إذ يبتعد عنها. وفي نهايته البعيدة من العتمة كان الجسم الغريب، ذو اللون الأصفر، ينتشر ببطء ويلتم بسرعة. كما لو أن هذا يحدث عند "عيون النمل" في بساتين النخيل الجنوبية. كان الجسم يشبه ذنب ثور أسطوري. وكان أحمد صابر لا يكره الثيران ولا يحبها، وغالباً ما كان ينظر اليها متأملاً طريقة مضغها الطعام أو ممارسة نزواتها الجنسية. ويبتعد عنها عندما تغضب أو تتهيج. ويذكر أنه كان ينظر في عيني أي ثور فلا يتعرف فيهما إلا إلى نظرة غامضة. وعيد، شيء من الخصام المؤجل، أو سخرية، وإذ تكون عينا الثور صفراوين فإنه يتشاءم. ثيران في أوضاع ساكنة وآبدة بعيون صفر. كانت السماء حالكة السواد . ورغم التماعات النجوم فالليل غير محايد. فرغ من رواية "الجريمة والعقاب" وأراد أن يهدأ. حدث هذا في الليل الماضي، أحس أنه متضايق فألقى الكتاب جانباً. لم يطفئ النور، وأخذ يتقرى السماء، وتجمع بصره عند نقطة بعيدة. كانت نقطة صفراء، أخذت تكبر بسرعة، حتى غطت أجزاء واسعة من السماء، وبرز من وسطها رأس ثور هائل، حول رقبته عقد من جمر، وحول وسطه عقد آخر من جمر، وكان منخراه يتسعان، وينخران شيئاً ما، أشبه بالصديد، وجبهته البيضاء متعرقة، وتتفصد عن سائل يشبه الدم.

كان نخير الثور أقرب الى اصوات مستعمرة الأفاعي، وبين آونة وأخرى يرفع الثور رأسه الى الأعلى ويطلق زعيقاً حاداً او يقف قائماً على رجليه الخلفيتين ويضرب السماء بقدميه الاماميتين. وضع استعداد للهجوم، ينظر الى أحمد صابر من عينين صفراوين. وكان ذنبه يتأفعى في الهواء مستدقاً ورقيقاً عند مؤخرته وغليظاً قاسياً عندما يبتعد عنها، وفي آخره كانت خصلة من شعر أصفر تنتشر وتلتم كعقدة هائلة من مستعمرة الأفاعي. وأحس بقلبه ينخلع، وبرودة قاسية بدأت من أصابع قدميه عندما كان الثور يتقدم نحوه مطلقاً نخيره المفزع. ولم يعد يتذكر كل الذي حدث: وقف الثور قربه. وأرسل مؤخرة ذنبه الى كل جسد أحمد صابر: مستعمرة الافاعي، كان يصرخ فزعاً ويتأوه تحت ثقل وملمس تلك الحزمة الهائلة من الحيات السامة متعددة الرؤوس. وعندما ارتد الثور الى مكانه، في الأفق البعيد. وأرسل اليه نظراته المتوحشة من عينيه الصفراوين كان أحمد صابر ما يزال يحس بملمس الأفاعي على جسده، عند رقبته بالتحديد. وفي هذه اللحظة بالذات كان قد أفاق ففاجأه الصمت في سطح الدار، ورأى زوجته تنحني فوق صدره وشعرها الذي لم تضفره بعد، ينزلق على رقبته وقسم من وجهه. كانت تنظر اليه بعينين سوداوين صافيتين، ووجهها المعافى مورّد. وأغمض عينيه.

قالت: أحمد، قم نفطر.

إنه ليس في حلم الآن.

"نفطر. آ…"

ثم تأكد أنه في يقظة.

"نعم. لنفطر"

وعلى مائدة الافطار، لاحظ أحمد صابر التماع بلاط غرفة الطعام، ثم شاهد صورة تخرجه من الجامعة معلقة داخل إطارها المنمنم على الحائط، والى جانبها كانت صورة زفافه الى زوجته (وللحظات تذكر حفل التخرج وذلك الرجل البدين القصير يتوعده: سأنال منك، سأنال منك، تذكر هذا)، قال في صوت مسموع "كان الامر كابوساً أيضاً"

قالت زوجته: كنت تتحدث.

"أنا؟"

- أنت طبعاً.

وضع قليلاً من الزبدة والمربى فوق شريحة خبز.

"كم الساعة الآن.. أخشى تأخر الوقت"

- لم تتعدّ السابعة

قال أحمد "أرأيت شيئاً في السماء؟"

- لم أر شيئاً.

بلع بعضاً من الخبز والمربى والزبدة.

"أقصد ألم تسمعي – ونظر اليها – صوتاً مثل نخير الثيران..؟"

- سمعت صوت طائرة. طائرة نفاثة.

وقالت زوجته بينما كانت تتناول قدح الماء:

- نسيت فتح باب قفص الحمائم ولم تقدم لها الماء.

أراد أن يقول شيئاً فقاطعته كفها تضع القدح في مكانه.

- الفرخان معافيان والأبوان قاما بطيرانهما الصباحي المعتاد.

رفع يده اليمنى الى الأعلى قليلاً فاستمرت زوجته:

- نحتاج الى قفص أكبر

هكذا أرى أنا.

نظر الى عينيها فرأى في بياضهما شيئاً من الاصفرار، همَّ أن يخبرها بذلك. قالت: أبدلت الصبغة السوداء بصفراء. وغادرته الى المطبخ وسمع صوتها يأتيه من هناك: أحمد هذا يوم حزيراني رائع. واختلط صوتها بقرقعة الاواني واندلاق الماء من فوهة الحنفية وضجيج هدير الشاحنات الكبيرة، فحاول جهده أن يتسمع كلامها بدقة.

"ماذا تقولين؟"

- الطقس جميل ، انه حزيران ، هل نخرج مساء؟

كانت ستارة النافذة مزاحة الى اليمين قليلاً. فركض أحمد صابر وعاين الجو: كان ذيل الثور، مستعمرة الأفاعي، قد انتشر الآن على امتداد الرقعة المستطيلة للنافذة والسماء، وكان الجو أصفر، إنه كلون دخان الحرائق إذ تبدأ في تحولها الكارثي المتسارع.

رفع صوته:

"الطائرات. جاءت الطائرات"

- إنه صباح يوم جميل.. أتسمعني..؟

وتردد صوتها واضحاً:

- هذا المساء ستذهب معي الى السينما.

أجاب كما لو كان يتحدث الى نفسه

"جميعنا ... سنذهب هذا المساء".

وخرجت اليه محمرة الخدين، تلاعب شعرها الاسود الفاحم وتعقصه بحركة سريعة ورشيقة من الخلف، ثم زنرته بشريط أصفر، وتقدمته الى باب الدار الخارجي.

1- خنزير صغير أعمى

سقطت الجثة أمامه بينما كان يجتاز الفناء الضيق قبل أن يدخل المصحة. كانت جثة فرخ عصفور تفقست عنه بيضة للتو، ذي زغب أصفر، ورقبته الطويلة الرقيقة تهتز مثل نابض، ومن منقاره المفتوح المطوق بامتدادين صفراوين ثمة سائل لبني تجمع على الأرض. جفل أحمد صابر وجاهد أن يتجاوز الجثة، غير أن العصفور الصغير تكور على نفسه: انخسفت بطنه أول الأمر واهتزت الرقبة الرقيقة الطويلة، ثم عادت البطن الى الانتفاخ، بينما اندفعت كبدة من دم أسود من بين شدقي المنقار واستقرت على الارض. وإذ راقب هذا المنظر، استغرق كلية فيه، ولم يكن يستمع الى أصوات الزرازير المتجمعة في الفناء الذي يوصل الى البوابة الرئيسية للمصحة. ضوضاء، أبواق شاحنات. أصوات ارتطام أحذية الموظفين والموظفات. هدير طائرة نفاثة. ولم يكن متأكداً من صحة هذا الذي يراه ويسمعه. كان قد وضع حقيبته على الأرض وانحنى ليلتقط فرخ العصفور، بيد أن أصابع كفه اليمنى لامست أرضاً فارغة (اللحية المتهدلة والأنف الذي يشبه منقار صقر مشوه. ثمة شيء له ملمس الاسفنج. تقاطيع وجه بشري. لحيته ناعمة ومدهونة. بشرة زيتية. لم يكن ينظر الى الأرض. وجه رجل لم يكن ليغيب عن ذاكرته: سأنال منك. سأنال منك. كابوس آخر. كابوس نهاري جديد). واستدار نحو الباحة: وقف الصمت مثل رجل على قدمين، وكانت الشمس في ذلك الصباح الحزيراني تبدو صفراء أكثر من المعتاد بيد أنها لم تكن ذهبية. ثم رأى الصمت يقترب منه، يقف الى جانبه، ويتحول الى عجل صغير، يلحس حقيبته اليدوية بلسان أسود فاحم، ويطلق صوتاً مسترحماً. سحب الحقيبة. لم يكن بجانبه أي حيوان. كان أحد الموظفين يغادر البوابة التي تقود الى الفناء.

"صباح الخير سيد أحمد" .. ثم خلاّه ومشى، نظر أحمد صابر الى أصابع يديه، الحقيبة، أطراف بنطاله وحذائه، الافق. ووقف مندهشاً. كان الثور يهوم في التخوم البعيدة من السماء، يطارد أسراباً من العصافير الصغيرة. وكانت العصافير تخرّ صوب المصحة.

وبهدوء، بهدوء مستريب، استدار أحمد صابر وسارع الى داخل البناية ومرّ بدهليز منار بالنيونات، كان لونها أصفر فاقعاً، وفتح باب غرفته وانهد على كرسيه وأخذ ينظر الى السماء من خلل النافذة المفتوحة. نافذة مفتوحة في غرفة مستطيلة.
 

***


… وإذ دخلت الغرفة، واجهتني نافذة مستطيلة الشكل، ذات ثلاث فلقات، سمعت صوتاً: اجلس حيث أنت. جلست الى أريكة جلدية بجلد أسود حسن الدباغة. كنت أنظر اليه بالتأكيد، الى صاحب الصوت. ثمة رجل يوليني ظهره، متوسط القامة، عريض الكتفين، يميل الى البدانة. وللوهلة الاولى تصورت أن رأسه عندما يندغم على كتفيه عبر رقبته القصيرة السمينة يقربه الى شكل أشبه بطائر أسطوري. لأصحح في الحال: كان التقاء رأس الرجل بكتفيه صورة مشوهة لصقر غير مدجن بعد. رفع يديه الى الاعلى قليلاً حتى خلت أنه سيطير الى تلك الغابة من الصفصاف المقابلة لي وله من خلال النافذة. ثم، وبحركة سريعة ورشيقة، التفت إليَّ.

"أنت. أنت" أردت أن أصرخ وأقوم اليه من مكاني وأطبق بكفي على عنقه، غير أني بهمت مكاني إذ رأيته يتقدم نحوي، بدينا، قصير القامة، بشعر رأسه الذي يشبه باروكة من شعر الماعز، وأنفه الذي يشبه منقار صقر مشوه، وفمه الأهرت الذي يتحول الى خيط عديم اللون اذ يطبق شفتيه. وكانت شعرات ذقنه الناعمة الملساء تلتصق او تتدلى من لغده او فكه الاسفل. سمعته يقول: "أهلاً، بأحمد صابر"، ولم يكن معه هذه المرة أي من حرسه الخاص. ولم أكن على استعداد لأنسى عينيه الصغيرتين والجبهة اللامعة دوماً، والخطين المقوسين على نقرتي عينيه، والمساحة الجلدية المتعرقة بينهما باستمرار.

"أنت. أنت أحمد صابر". "نعم. أنا هو" . كان يلبس سترة حنائية اللون على قميص أزرق مفتوح عند الرقبة. وعندما كان يتخطاني جيئة وذهاباً في تلك الغرفة المستطيلة التي بلا نوافذ، أدركت أيضاً أنه يرتدي بنطلوناً حريرياً ذا لون أزرق يتهدل على حذاءين خفيفين، كنت أحاول معرفة أي شيء أمر به وأضعه في ذاكرتي، ليس لأحتفظ به على الاطلاق، بل لأتيقن أنني موجود، وأعيش في الدنيا الأولى، أذهب الى المراحيض ثلاث مرات في اليوم. أدخن، أحلم. كنت أقول لنفسي: هذا محال، لا بد أنني قتلت منذ ذلك اليوم. أو أنني في حلم دائم. وكنت نزيل قاعة طويلة بنافذة مفتوحة عند السقف.

"ماذا قلت؟"

- أنا لم أقل شيئاً

"تذكر".. وشزرني من فتحتي عينيه.

- أتذكر ماذا؟

"أي شيء".. ورأيته من الخلف مثل طائر قبيح يستعد للاقلاع.

- أنت تعلم، هذا مستحيل. وتذكرت أنه مولع بالمماحكة.

"ها. لقد تكلمت الآن"

- إني أصوت فقط

"إذن سأتحدث أنا" .. كان قصيراً ومهتاجاً مثل ضفدع ذكر.

- أنت؟

"بلى. يضيرك هذا؟"

- أنا

حديثي. اليك حديثي. أنتم ماذا؟"

- نحن؟

"نعم. أنتم"

- صحيح، نحن ماذا؟

"وقود الحرب، أليس كذلك؟"

- نعم

"ها. وقعت .. أنت منهم".

- كيف تفعل هذا..؟ استدار نحوي وقال: أنت، أنت منهم أيضاً، هذا ما لم أفكر فيه. وطوى أوراقاً في مضبطة: إنما سأنال منك ذات يوم، تذكر هذا جيداً. كان مهتاجاً، ولا أدري لمَ تصورته مثل ثور يطوف في زريبة. ضرب الطاولة وتوعدني: سنلتقي ذات يوم، خلِّ هذا في بالك. وقبل أن يأمرني بمغادرة المكان ظل يتفرس فيّ بعينين نسريتين ويردد: أحمد صابر.. أحمد صابر.. أحمد، وها هو الآن، في مسافة منظورة، مثل ثور أسطوري، داخل مشيمة لزجة ومتعفنة، يمد الي يداً. أصحح: مدّ كفّاً سمينة في بنصرها محبس فضي ذو نتوء، وأطبق على كفي اليمنى.

"أنت إذن.. أحمد صابر" ترك يدي، فأحسست خفة في جسدي. بيد أن جروحاً في ذاكرتي لم تأز بعد، ثم قال كما لو أنه يستدرج كل الاسماء التي مرت في حياته: مبروك عليك منصبك الجديد. وكان فمه الأهرت يتوسع قليلاً قليلاً من دون صوت، وخمنت أنه يضحك. هدوء ..هدوء جريح ومسفد أحاط بي. كان ذلك شبيهاً بالمفاجأة، فبعد أن أنهيت السنة الأخيرة في الكلية، قال أحد زملائي هنيئاً لك، مدير مصحة الامراض الوافدة. كان الرجل أمامي جالساً الى مكتبه الانيق، يمضي على ورقة، وضعها في مظروف، ثم رفع رأسه نحوي وقال بصوت لا يخلو من كراهية: أحمد صابر منذ الغد ستكون مدير مصحة الامراض الوافدة. عندما غادرت المكان واتجهت صوب الباب كانت الصورة واضحة في ذهني: نافذة مفتوحة في غرفة مستطيلة.

نافذة مفتوحة في غرفة مستطيلة. قبر. والخنزير الأعمى بفنطيلته المعممة بالصديد كان يركض بين بساتين البردي التي غطت المستنقعات. ولم يكن ثمة اختيار آخر. تلك اللوحة التي تقابلني يومياً. جياد مريضة تبترد في عزّ الظهيرة تحت عرائش الذاكرة، والركض اليومي في أروقة السجون ودوائر الدولة، وهو هنا بين المقاعد الأبنوسية والمكتب الانيق واعلانات شركات القطاعين العام والخاص والسكرتيرة الجميلة: وجه شبه مدور، نضر، مأخوذ في ارتجافة الشفة السفلى التي تتدلى بإهمال غير مفتعل، والأنف الأخنس، وذلك الصوت التراتيلي الذي لا يتعب يأتيه دوماً من الغرف المطفأة أنوارها ليلاً، الموقدة نهاراً، حيث لا يعرف عن ساكنيها سوى أنهم يرسلون أنغاماً أشبه بالتراتيل:هبوا ضحايا الاضطهاد .. هبوا. كلمات. كلمات من حروف تتحول في تلك الغرف الى عذاب يتخلله فرح موعود. كل واحد في غرفة. كم عددهم؟ لا يعرف. الاصوات فقط تتحد ، تفتح مسامات دقيقة في جدران الغرف، وتذوب السلاسل التي تربط كل نزيل من قدميه الى صخرة كونكريتية. انتفضوا.. هبوا ضحايا الاضطهاد ، وتبدأ الأصوات بالخفوت. وبعدها يكون الصمت. الصمت النهاري المضاء. والصمت الليلي غير المضاء. ولم يكن على علاقة بالذي حدث ويحدث. يكفيه أنه تعرف اللحظة الى حياتين: الاولى عرفها فصنعها والثانية عرفها ولم يصنعها. وبينهما جاءت الحياة الثالثة الزائدة. هنا تشكل الإعضال، فهو بدون أي شك يرى نفسه خنزيراً صغيراً أعمى، ولد أعمى، تاه في البراري، وارتطم بوزه بالاشجار ذات العروق الممتدة نحو قاع النهر، وأنه تنقل من غرفة الى غرفة، ومن دهليز الى دهليز، يعرف وقت الليل ووقت النهار، من الظلام أو الضياء في نافذة الغرفة. وحين كف هذا كله عن أن يكون مجدياً اختار الصمت وفضل أن يقف في باحة السجن على قدم واحدة، وينشد النشيد الأرضي:هبوا .. هبوا ضحايا الاضطهاد. وتحولت الساحة الى ردهة مستطيلة عند الطرف القصي من البادية. جاء طير. هل الامر معجزة..؟ عصفور أبيض اللون، ربما فرخ حمام، هطل من السماء المصفرة في زاوية حادة، لم يحرك أياً من جناحيه.. حط على كتفه. يلهث. والطيور تلهث عندما تطارد. وكنت خنزيراً أعمى، خنزيراً أرثت فقدان الأبصار وأنا في سن الهوى. تناوب الهواة والمحترفون على اصطيادي. نجوت. قال العصفور. يا صديقي الخنزير التقينا أخيراً. ولم يكن يبكي. همس في أذني: أحمد صابر لقد قطعت الصحراء بأكملها، وتوقعت الموت في أية لحظة. أنت تعرف هواة ومحترفي الصيد. نجوت منهم. وجدت نفسي في نهاية الصحراء الى صحراء أخرى، أنشد النشيد الأرضي، وأقفز على قدم واحدة، وصرخت ملء صوتي: هو ذا أنا... أنا الخنزير الأعمى الذي تطلبون. بيد أن هواة الصيد ومحترفيه تركوني، أجادوا لعبتهم معي. قتلوني كما أرادوا لذلك أن يكون وفي أدق التفاصيل. ولم أندم البتة. ولم أتحول الى صياد محترف، كما لم أتعلم كيف يبدأ الهواة الصيد.

الإشكال هنا. الإعضال هكذا. نافذة مفتوحة في غرفة مستطيلة. الجريمة تتناسل. وفجأة انخرط أحمد صابر ينشج. نشيج. انتبه الى نفسه. نظر الى الغرفة. كان الأثاث الأبنوسي في مكانه كما تعوده منذ أربع سنوات، وهناك في الزاوية اليمنى من النافذة تقوم الخزانة واقفة. الأضابير فيها والأسماء في داخلها. الخزانة: كم كانت جميلة. رصفها في زاوية من الغرفة الطينية. قالت أمه: ماذا بها؟ همس أبوه في أذنها فتصنعت الإذعان: المناضل قلبه خزانة. أيها الرفيق ما تقوله صحيح. وكانت من خشب زهيد الثمن: مكعب مجوف، واجهته الأمامية تشبه الباب، تنطبق بدون صوت، ضمن برواز خشبي أدهم. وفي الليلة الاولى، بعد أن جاء بها من سوق النجارين، وضع الاوراق داخلها بعناية، ودفع الواجهة الأمامية بخفة ورفق وتمدد داخل الغرفة الطينية وهو يحلم.

لم يكن أحمد صابر يحلم. كان يبكي. هذا صحيح. سمع نقرة خفيفة على الباب. هذا صحيح الباب ما يزال ينقر. إنه متأكد من أن الباب ينقر الآونة. مسح وجهه بكفيه واستند الى الكرسي ونطق بصوت محايد: أدخل. فتح الباب بالأسلوب ذاته الذي تعوده منذ أربع سنوات. ودخلت المرأة بالطريقة ذاتها التي ألفها طيلة السنوات الأربع التالية: المشية الخجولة، الرأس المنخفض الى الاسفل قليلاً. وكان حدسه في موضعه، فبعد أن اقتربت من مكتبه رفعت رأسها الى الاعلى، فانشمرت خصلة شقراء كانت تغطي الجبين الاسمر وإحدى العينين الزرقاوين، لتستقر عند منتصف الجبهة وتنهمر على خد أسيل. قال: تستطيعين الجلوس.

- "نعم!".

"تستطيعين الجلوس هناك" وأشار بيده الى مقعد أبنوسي، الى اليسار من مكتبه، والى الجهة اليمنى من النافذة المفتوحة. كان يراها واضحة مكشوفة أمامه، مثل أي شيء آخر في هذه الغرفة، مثل الخزانة، أو لوحة الجياد التي تتمنى أن تبترد، رغم الجو الصحراوي، تحت عرائش من خشب أصفر كأنه نقع بالكركم أمداً طويلاً فتهرأ.

- أي شيء تشربين؟

- عفواً، أردت...

- قهوة إذن.

- عفواً، أردت...

- شايا؟

- اثنان.. اثنان من ..(واختنق صوتها)

- اثنان..من ماذا؟

جاءوا باثنين قبل دقائق. وأحنت رأسها الى الاسفل فافترق شعرها الى نصفين. طيلة هذه السنوات الأربع لم تردد أمامه إلا كلمة: عفواً، ثم تضيف اليها العبارة المطلوبة، غير أنه يتذكر الآن، أنها كلما جيء بنزيل جديد الى المصح، تهرع اليه مضطربة. هل تعرف شيئاً عن المصح؟ لا يتوقع هذا منها، فهذا البناء الاملح معزول عن المدينة، ولا أحد يستطيع الدخول الى غرفه التي تحجزها عن ادارته دهاليز وممرات، إلا موظفون من خارج المصح يأتون في أوقات تناول الفطور والغداء والعشاء.

- حسناً.. ماذا تشربين الآن؟

- لا نفس لي.

- أنت خارج هذا الإشكال كله.

- أرجوك هذا موضوع آخر.

- حقاً

- ماذا تريد أن تقول؟

- تعرفين الموضوع.

الموضوع. أ. الموضوع. وتصاعدت الأصوات. بدأت بتلك الدعوة:هبوا. وأخذت تعلو وتتعالى. غضب من هذا النوع النبيل. نداء الأحراش والمياه ونسغ الجذور والرافعات العملاقة. انتفضوا. التاريخ يتراجع، ملايين الفقراء يدخلون من بواباته. الموضوع قالت: أعرفه كما عرفته أنت هذا الصباح. دخل النزيلان إذن، واحترق العالم القديم جميعه في التحام الأصوات. نزت طفولته في ذاكرته ثم تلك الأيام: معامل الطابوق. التظاهرة الاولى. الفرحة الأولى. الاصدقاء الذين ذهبوا ولم يرجعوا. الذاكرة التي تجلو نفسها بنقيع العذاب. أنت تعلم أن هذا هو قدرنا. نعم أيها الرفيق. إننا لا نملك سوى أن نحلم الآن. نعم أيها الرفيق. وهم يحاولون قتل الحلم فينا. أنا مصغ أيها الرفاق. لكنك تثق أبداً أن نشيداً واحداً يوحدنا جميعاً. كان الصياد يتحدث. أعرف هذا وأعرف أنه بداية العذاب. العذاب في أنك تحلم والعذاب في أنهم يقتلون حلمك. نعم أيها الرفيق. أجل ذهنك باستمرار. العالم صناعة ذهنية. وفي ذلك اليوم عندما تغني أرضنا نشيدها الواحد تكون أنت تراباً. نعم. وتظل نوعاً يتجدد، لكنك كنت قبل هذا كله كلمة وفعلاً انتضاهما الذين جاءوا بعدك.

وفي الخارج، إذ تطلع أحمد صابر الى النافذة، كان الجو أصفر، وكانت تنظر اليه بعينين زرقاوين مبتلتين بالدمع. هذه هي الحقيقة التي لا توصف أبداً. إنما أحمد صابر لم يكن يتكهن، رأى حشوداً هائلة من ثيران كل الأرض تخترق السهول والوهاد، معلقة بين السماء والأرض، ترسل نحوه عيوناً صفراً، وفي مقدمتها ذلك الثور الأسطوري ينخر بصوت مسموع.

قالت: احمد، انتبه. وجهك.

وجهي!

قالت: وجهك. نعم وجهك.

ما به؟

قالت: ينشف.

ماذا تقولين؟

قالت: أحمد إن هذا لفظيع.

ماذا. ما هو هذا الفظيع؟

قالت: وجهك. ينشف ويتحرشف. ألا تشعر بهذا الآن!

هربت هي أو تراجعت أنا، لا فرق. أرسلت كفي الى وجهي كان رطباً ومشعراً. وعبر النافذة المستطيلة بان الجو أصفر، ولم تتحرك أية ورقة من أوراق شجر الصفصاف. وعندما استدار صوب الخزانة الحديدية ونظر الى وجهه في المرآة الملاصقة لها من ناحية اليمين. اختنق صوته وتلعثم لسانه. ثمة في المرآة ..في عمقها البعيد، وجه أحمد صابر، كان وجهاً ناشفاً ومحرشفاً، وبالقرب منه رأس خنزير صغير مفقوء العينين، ويلهث.

 

***


3- رجل في قصبة مجوفة
... ومثل سمكة مزهورة طوف أحمد صابر بين الناس على امتداد شارع السعدون. لم يعد يتذكر من أين ابتدأ. هل جاء من المصحة؟ لا يدري. ثم، هذه المصحة، أهي موجودة، حقاً، هناك، خلف غابة الكاليبتوس، بعيداً عن دجلة، في الجهة اليمنى من دجلة، أم أنها تقبع، في أعلى الشجرة المطلة على بيته، أم أنها غير موجودة إلا في ذاكرته؟ مصحة واقعية. بناء على شكل معين تنخسف الارض تحت ثقله، وفوق البروزات التي دفعتها الأعماق الى الخارج، أكوام من القمامة، والاتربة، وفسائل صغيرة، وامتدادات من الديدان والهوام والبرغش، وكان البناء المعيني يتصاعد الى الأعلى، متكبراً، بجدرانه الكرانيتية، مكان واقعي مقفل من كل جوانبه، إلا مبنى الادارة المسيج بأشجار النارنج والسيسبان، وثمة لوحة كتبت بالبويا الحمراء: مصحة الامراض الوافدة.

سمكة مزهورة. خنزير صغير أعمى. طير صغير أبيض تودعه الصحراء الى مثيلاتها. لا يمشي. يطوف، مثل سمكة مزهورة، تدفعها الأمواج، رويداً رويداً، الى الشاطىء الذي تنحني عليه أشجار السدر. تلك هي الحقيقة الجميلة الوحيدة في حياته: الجسد المشتعل في الشمس – تلك الشمس الجنوبية التي لا تعرف الرحمة – يتسلق شجرة السدر المنحنية على النهر، عند استدارته اللولبية السريعة، يمسك مقبض الشبكة الصغيرة "الشكف" وينتظر السمكة المزهورة – تلبط أول الأمر بقوة. تحارب الزهر الذي يضرب رأسها.

كنا نقول: داخت، ثم تطلع فمها وبقية رأسها، وتستطلع الماء بعينين مفتوحتين، وتدفع جسدها اللامع اللزج الى عتمة الماء عند القعر. هل السمكة مثلي..؟ وبعدها تكف عن الحركة اللائبة، وتكاد الزعانف ترتجف، عند ظهرها وفي آخر الذنب، وكأنها تخشى أن تعكر صفو الماء، ثم تنقلب على ظهرها، وعندها يكون البطن الأبيض ذو الاحمرار القليل، الاحمر الميال الى الصفرة، علامة السمكة المزهورة. تعالوا إليّ، كأنها تنادي .

أنا قتلني الزهر ، كأنها تقول . وأظل أرقبها ، بحذر أول الأمر، فالأسماك المزهورة تمتلك مزية واحدة ، مزية أخيرة، تغط بعدها الى قعر النهر. ولم يكن نهر الشارع فارغاً. امتلأ بالسيارات. لم يكن هذا وقت القيلولة. الحوانيت مشرعة الابواب، والاضواء في داخلها حمر وزرق وصفر، وكان الناس يتدافعون بالاكتاف والأرجل والايدي والسباب المهموس. لم يأكلوا الزهر بعد. أنا الوحيد – أحمد صابر – الذي التقط الزهر دون أن يدري. وأخذ يعول: "مزق. أنا مزق. شبابي مزق. شبابي مزق. إلا الطفولة فهي الحقيقة الوحيدة الجميلة". ومن بين الحشد في مسافة بعيدة او قريبة، رآهم يقبلون عليه، نسخ من ذلك الرجل عريض الكتفين، البدين، ذي اللحية الناعمة عند اللغدين والفك الأسفل. لست السمكة "أنا رجل مزق. لست سمكة" لكنهم لم يكفوا عنه. رجال.عشرة. عشرون. لا يعرف عددهم حيثما استدار وأينما ولّى وجهه. لست سمكة. حركات مطاطية. الاضواء تتسع بحركة مطاطية. تتوسع الامكنة بالحركات المطاطية ذاتها. وحدها ذاكرته، منقع العذاب، تندت بالخواطر، وتعفرت بدم الماضي والمكان – رائحته الخاصة – الذي لن ينساه.

بعد أن ودع آخر جدار طيني في المحلة تلقفه البستان. وعندما خلّف البستان وراءه، كان النهر أمامه يستدير استدارة لولبية رشيقة. وعندما تقوس خط سيره مع الطرف الأخير من لسان النهر واجهه الكوخ الصغير. كوخ صغير نسج من البردي ترك دون بوابة كعادة أهل أقصى الجنوب في الصيف. حدث هذا في شهر يتوسط السنة. هناك طريق ضيقة بين العاقول. هو في المكان الصحيح إذن. الإشارة أن يسلم برفع كفه اليسرى، والجواب يعرفه. دخل الكوخ من دون استئذان. الشمس وحدها تضيء داخل الكوخ. ثمة رجل في الثلاثين يقتعد حصيرة قصب ويرتل، ينشد، رفع يده اليسرى. تستطيع أن تجلس. تصاعد الترتيل – الانشاد، وأرسل الرجل اليه نظرة حانية. نشيد ارضي واحد يوحدنا جميعاً. نعم. لن يتيحوا لك المجال لتحلم، أصدق. وأنت رجل حالم. سأعرف كيف أداري خجلي وخوفي. صمت. قام الرجل الذي في الثلاثين، كان صياداً من هؤلاء الذين تعودوا ألاّ يلبسوا إلا السروال الأبيض الطويل، وكان الجزء الأعلى من جسده معرضاً لضوء الشمس. رأيت الجسد مبقعاً. كان محفوراً بأنهار وجداول. طعنات وكي. آثار مشارط وبقايا حروق سكاير، وأشار اليّ – أحمد صابر: ولكن الحزن سيرتديك: سوف أتعلم كيف أضع طحين الحصى بين أجفاني وأصرخ. عاينني بنظرة حانية وربت على رأسي عند الجبهة فقلت: أفهم من هذا أنني تيتمت منذ الآن...؟ قال: أعرف كل الذي ستمر به، لقد اخترت اليتم منذ الآن. واقتعد الطريدة وأنشد. كان صوته هادئاً، رزيناً، مليئاً بالخبرة، خبرة صيد السمك، ومعرفة مياه الأنهار والمستنقعات. الصيادون لا يملكون سوى شباكهم، والشباك بحاجة الى مال، والمال لا تحصل عليه الا ببيع عرقك: وإذ تبيع عرقك تخلق من جديد. أصغ اليّ – وأخرج ورقة شفيفة – ثم تعالت الأهازيج، كان ثمة عشرات الصيادين، خارج الكوخ البردي، يتناوبون ترديد أغنية. السمكة العاقلة تتعرف إلى الصياد ولا تقع في الشبكة. السمكة العاقلة لا تأكل الزهر. وكنت – أحمد صابر – سمكة عاقلة، خنزيراً صغيراً أعمى، طيراً أبيض سلمته الصحراء الى صحراء، ولم يبق أمامه سوى أن يرتدي طفولته، آه، يا سلة معدة لنقل العذاب. ولم يكن ثمة صياد أو صيادون. هناك فقط شارع طويل يمتد وكأنه لا ينتهي.

اتكأ على جذع شجرة، تحسس وجهه بكفيه. ومن خلل أصابعه تحقق من وجود الشارع الطويل الذي كأنه لا ينتهي. "ماذا حل بي" ودفع جذعه نحو جذع الشجرة. إذن، شجرة خلفي. "ماذا حل بي" لم يكن ثمة أحد، لا صوت ،لا نأمة، إلا الأشجار، راكدة على ضفتي نهر الشارع، حاضرة ومؤكدة، وتبدو كما لو أنها تنظر اليه بألف عين. كانت أغصان الأشجار تتمايل برفق وحسبها تود أن تكلمه. كانت أبواب الحوانيت مشرعة اللحظة، وناس ينحرفون بسرعة في الدرابين الضيفة التي تتفرع من الشارع. تحسس الشجرة بظهره مرة أخرى. ومن احتكاك ظهرة بجذعها تأكد أنه يدفع الشجرة. المسألة واقعية وأبعد من أن تكون حلماً: هذه كفه. ذاك حذاؤه الأيمن. فمه جاف، يابس، بيد أنه لم يكن مغتاضاً أو راضياً. هو في وضع أقرب الى أن يكون كذلك الذي في أول فترات النقاهة بعد مرض أبيد.

غادر جذع الشجرة وعبر الشارع، يسمع خطواته. وقع حذائه فوق قير الشارع. تجاوز الضفة اليسرى. كان فمه جافاً، دخل مكاناَ، هكذا، كمن يتسلى، دون أن يدري الى أين تقوده مثل هذه التسلية. المكان صغير شبيه بغرفة ذات نوافذ مربعة الشكل. واستراح على أول كرسي قابله. نظر الى الشارع عبر نافذة من المكان، ماذا تريد...؟ "إنني أقبض على كل الماضي في راحة كفي". أنت، يا سيد ماذا تريد..؟ هناك شاب في العشرين من عمره ينظر اليه مبتسماً. ولما تفحص ملابس الشاب عرف أنه في مشرب لتعاطي الخمر. أي شيء يسكر. مضى الشاب هازاً رأسه وعاد بقنينة بيرة.

من المكان الصغير تعط رائحة خشب مدهون بالبويا حديثاً، رائحة مثل تلك التي تهاجمك في الحال بعد أن تتنشق بطن ثمرة رقّي تركت في الشمس أياماً، رائحة مدوخة. وعند هذا عرف أنه في مشرب للخمر، أمامه زجاجة بيرة، وحواليه أناس يتهامسون ويضحكون، أو يصمتون بصورة فجائية، ثم يعودون الى الهمس والضحك، كانت برودة الكأس الاولى لاذعة، واحتوى الكأس بيديه. ابتردت أصابعه، قال: كيف حدث هذا في مثل هذا العنف كله..؟ وفي الكأس الثانية أعاد تصحيح وجهة نظره: هذا ليس حلماً، وليس كابوساً، لقد ترك عمله عندما كانت المرأة تصف وجهه، وظل يمشي لساعات، وها هو الآن يعي كل الذي حدث. ولم يكن يبتغي الثأر من نفسه بعد هذا الذي حدث.

"ماذا تقول..؟" جاءه صوت من يمينه. كان قد استراح على أول كرسي قابله في البار. وتعلم أن يكون حذراً من هؤلاء الذين يستنطقون الناس في البارات ويتصنعون حالة السكر. "ماذا تقول؟". هذه المرة لم يكن الصوت بعيداً. استدار الى اليمين، بحركة سريعة، مثل سمكة مزهورة تعرض بطنها للشمس، ورأى رجلاً ينظر اليه من خلف نظارة زجاجية صفراء. مثبتة على وجه إهليلجي، وفوق حاجبيه اتسعت جبهته التي اتصلت بمقدمة رأسه الأصلع حتى نهاية اليافوخ، ومن هناك يسيل على الشمال واليمين والخلف شعر أشيب يشبه وبر البعران. ومع انتصاف الجبهة الناتئة امتد أنف طويل ودقيق يشكل حركة ما أشبه بقوس غير مستقر، تحته مباشرة فم ينبت حوله شعر أغبر يتصل عند الأذنين بشعر رأسه من الجانبين والرقبة. كان للرجل عينان صغيرتان مدورتان مثل نبقتين استوتا. خلع الرجل نظارته فتوضح بريق عينيه، وحدج أحمد صابر بنظرة مستفهمة. رجل في حوالي الخمسين يلف جسده بدشداشة بنية اللون.. وثمة حبات عرق فوق أرنبة أنفه.

تقدم الرجل، الى ذاكرة أحمد صابر، لا ينثني، يفتح مغاليقها ودهاليزها. وفي تلك الأخاديد المخيفة: هناك، انحبس الماضي مثل صحوة فجائية. أحمد صابر يرى الآن ذلك الحادث الخيالي بكل تفاصيله. أدخلوه معصوب العينين الى المكان، وفتحوا العصابة. هدوء معبأ بالترقب اكتنف المكان، والمكان قصبة مجوفة، مدهونة بزيت نباتي، تنتهي من طرفيها بحجرتين مربعتين. عرف فيما بعد أنهم أدخلوه عبر الغرفة الشمالية، وبعدها شاهد أناساً يغادرون الى الغرفة الجنوبية بعد أن يسمعوا صوتاً ينادي بأسمائهم. صفان من شباب ما تجاوزت أعمارهم السنة العشرين، يجلسون متقابلين، وجوههم صفر، وجوه متيقظة وإن اتسمت باللامبالاة، وجوه حلق شعر رؤوسها وشواربها، لا يتحدثون، إنهم حيوات قابلة للانطفاء في أية لحظة، النفاذ الى المجهول، أو النفاذ الى الموت. صامتون مثل الخشب الذي يتكئون إليه. ورغم اهتزاز المكان المجوف فقد لفّهم الهدوء. هذا هو الاستسلام المحقق للموت.

إن الرغبة في الحياة في هذا المكان لم تكن في متناول اليد، إنها امنية ميؤوس منها، مصادرة من التوقيع على ورقة الإعدام، هنا الحياة غير مسموح بها على الإطلاق. وهكذا فإنهم يدخنون وينظرون إلى بعضهم نظرة من يعرف الذي يحدث بعد بضع دقائق أو لحظات. لا أعرف لمَ جاءوا بي هنا، إلى هذا المكان المجوف من الداخل. ربما حدث غلط في الأمر، محمود عبد الكريم، سمع صوتاً رخيماً يأمر من سماعة داخلية. رأى أحمد صابر شاباً حليق الرأس يقوم متثاقلاً من مكانه ويتجه نحو الغرفة الجنوبية. لم يكن ذاهباً للنزهة. كنا نعرف أنه سيموت، نظر إلينا قبل أن يخطو خطوته الأولى ورفع يده: الوداع يا رفاق. رفعنا أكفنا. وابتدأ الصمت يتميع في همهمة احتوت المكان كله. همهمة: الشفاه السمراء المتشققة انفرجت وانطلق الصوت الأرضي: اهبوا ضحايا الاضطهاد .. انتفضوا. أكف معروقة اعتصرت أكفاً معروقة أخرى. اقتربت الأكتاف من الأكتاف. الصوت هو الوحدة الآن. أما الموت فقد كان في ذلك الاتساع المائي، خارج القصبة المجوفة. نسينا الذي ذهب قبل لحظات، غير أن هذا كله قطع بصلية مدفع رشاش. صمتنا. مع الاطلاقة الأولى صمتنا كأنا على اتفاق، وسمعنا صرخة مكتومة، صرخ محمود عبد الكريم: الوداع يا رفاق، وارتطم جسده بصفحة الماء. عاد النشيد مرة أخرى، وفي قاع الماء البعيد، كان الجسد إلحي قبل لحظات، المائت الآن، يرقد على سطح رملي مدغل. قبر مجاني لم يختره محمود عبد الكريم ولم يكن يحلم به. وإذ ذاك كان أحد الشبان يغني عن ذلك الغريب الذي لا يعرف إلا أنه سوي ويقتل لأنه كذلك. جاء الصوت الرخيم الآمر مرة أخرى: الآن هو دورك يا أبا علي حسن الماجدي. قام شاب يجلس الى جانبي ورفع يده اليسرى. غير أن الصوت الرخيم الآمر تدخل ليقول: على أبي علي حسن الماجدي أن ينتظر، ويتقدم أحمد صابر إلى حيث أجلس. كان الأمر مفاجأة، فطوال اليومين الماضيين لم يحدث مثل هذا التأجيل، كان الصوت يباغتنا في أية لحظة، في الليل، مع الفجر، عند المساء، ولم يحدث أن استدعي أحد منا الى الغرفة الشمالية. كان الأمر محرجاً لي بصورة خاصة، ومع هذا قلت لنفسي: لا فرق. فالموت واحد في مثل هذه الأمكنة. لم أودع زملاء القصبة المجوفة، ولم ترتفع أصواتهم بالنشيد، وإذ وصلت الغرفة الشمالية كان ثمة رجل يرتدي ملابس ملونة يبتسم في وجهي ويقول: أهلاً بك.. أحمد صابر. كان رجلاً قصير القامة، مائلاً للبدانة، بوجه لامع ولحية التصق شعرها الناعم على لغديه وفكه الأسفل. قال: إجلس. جلست. قدم لي قدح شاي. كانت الغرفة عارية إلا من طاولة ومسند ومايكروفون. قال: اشرب. نظرته منذهلاً وتذكرت وعيده: "سأنال منك.. سأنال منك. خلِّ هذا في بالك" شربت الشاي دون أن أتكلم وسمعته: أجلنا موتك إلى أجل آخر. كان فمه الأهرت يستحيل تلك اللحظة الى خيط دقيق. ضحك وقال: أتريد شاياً آخر؟ لم أتكلم. أحطت الشاي بأصابعي لأتأكد من أنني لست في حلم. وأخذت أضغط على الكأس، وهو يضحك مثل ضفدع ذكر ينق ويطلق صوتاً مليئاً بالكراهية "أحمد صابر.. أجلنا موتك" وإذ أستعيد كل الذي رأيته بعد ذلك يختلط عندي الصحيح بالغلط، وأردد: هذا مستحيل إن ذلك كله كابوس.. "ماذا تقول؟" وتعرفت اللحظة على صاحب الصوت. كانت الشمس ما تزال طالعة. ومن النافذة الزجاجية رأيت الأجساد الآدمية تعترك فيما بينها. جري وهرولة ومشي متهادٍ، وبين آونة وأخرى تمر شاحنة كبيرة، مغطاة بغطاء من قماش سميك، تطلق زمارتها وتختفي في تلك الضجة الحزيرانية.

قال: أحمد، أنت أحمد صابر.

قلت: وأنت، ألست...

أتذكر مدرسة فيصل الثاني (قاطعني)

قلت: أنا، كيف لا أتذكرها

من أعطاك تعليمات الإضراب

قلت: أنت أبو علي حسن الماجدي.

وكوخ البردي.

قلت: وهل أستطيع نسيانه.

أنا أبو علي حسن الماجدي، رافقتك في كل المعتقلات التي أمضيت فيها زهرة الشباب.

قلت: الآن لا أتذكر التفاصيل، لقد مرَّ زمن.

- أجل ذاكرتك.

قلت: كنت أتصورك ميتاً، خصوصاً.

- هون عليك، أنا لا أموت.

قلت: لكني رأيتك بعيني هاتين تشنق (ابتسم بود، كان وجهه محطماً ومع ذلك بدا وديعاً وأنيقاً) المهم أنني لا يمكن أن أموت، لأنني أسكنك.

قلت: بالله عليك خلنا من هذا.

- مثل ما تحب.

قلت: يا أبا علي، أتعرف من أين أتيت الآن..؟

- بلى، وحسناً فعلت.

قلت: ماذا تريد أن تقول؟

- أنا أعرف وضعك البشري كله.

قلت: يا ماجدي هذا عذاب لاولن أطيقه.

- قلت: قلت لي ذات يوم سأضع طحين الحصى..

قلت: هذا وقت قد مضى.

- الوقت يمضي ويتقدم.

قلت: إنني أعيش هذه الأيام حياة زائدة.

- هون الأمر عليك. إنك في قلب الصورة.

قلت: أنت.. أنت تتحدث بهذا الوضوح.

- لن يصدقك أحد.

قلت: يا ماجدي.. إنني أهتم بالفعل في ذاته.

(ورأيت السماء تصفر).

- حسناً تفعل.

قلت: السماء صفراء.

- لن يصدقك أحد.

قلت: الدنيا تمطر الآونة.

- لن يصدقك أحد.

قلت: الثور الأسطوري يبرك فوق صدري كل ليلة.

- لن يصدقك أحد.

قلت: ها هي الدنيا تمطر الآونة مطراً اسود حاراً.

- أحمد صابر، أيها اليتيم، لن يصدقك أحد. كنت أعيط: وأنت، ماذا تقول أنت؟ وأخذت أنظر في عينيه وأدفع كتفه اليمنى، وأهزّه صارخاً: وأنت أبو علي حسن الماجدي ماذا تقول..؟ كان وجهه يتضبب، يتميع، يتحول الى شكل شبحي، ولم أر أمامي سوى جدار البار تعط منه رائحة مدوخة. سمعت الزبائن يضحكون، واستشعرت رطوبة على خدي. لم أكن أبكي، رشقني أحدهم بكوب من اللبن الرائب وصرخ عامل البار في وجهي: مجنون.. هذا مكان ليس للمجانين. وجذبني من ياقة سترتي ودفعني خارج الباب.

أنا الخنزير الصغير الأعمى، أنا السمكة المزهورة، أنا دهور العذاب. وكان يعيط بأعلى صوته وسط شارع السعدون المكتظ بالسيارات الخاصة وحافلات النقل العمومية وأصوات باعة المفرد والجملة، وعياط أجهزة التسجيل. أنا السمكة المزهورة تنقلب الآن على ظهرها وتعرض بطنها للشمس وتتجه نحو النجم القطبي. وكان هواة الصيد والمحترفون يترصدون الموعد المناسب للإيقاع بها. سيشقون بطنها بعد ذبح غلاصمها، ثم توضع فوق أغصان الرمان اليابسة وتقدم وجبة شهية تقليدية للسياح الأجانب في شارع أبي نؤاس وباراته.

ومع أن هذا من المستحيلات، كما قد يظن، بعض القراء، إلا أنني لم أمت. إنني لم أمت. هنا، هناك. في الجهات الأربع موجود. وجود خفيف في علاقات وتكوينات تتغير وتتبدل من لحظة الى أخرى، بينما العالم القديم يواصل انهياره، ويرتفع النشيد الأرضي، ملء حنجرتي، وفمي، ولساني: هبوا .. هبوا .. ضحايا الاضطهاد .
 



بغداد
 

رجوع

 
   

 

 

 

Copyright 2007, www.jumalami.com.

Powered and Designed by ENANA.COM