التســتري
 

يقول لنفسه: أنا أهوى الصيد، ولا أشك في ذلك. بيد أنه هو الذي يصطاد باستمرار. ولم يكن هذا ليدهشه البتة. ولم يكن يود تشريط ذاكرته. فالأفخاخ كانت تنتظره دوماً. وفي تلك اللحظات التي تسبق الغبش، في يوم من شهر يقع في أول الربيع، حينما يدمع كرب النخل، يهجس الخطى – خطى ثلاثة رجال، تقترب منه، عندما يكون في بيته أو في البستان أو أي مكان آخر، ثم تطلق من ماسورة مزدوجة لبندقية صيد، طلقة، اثنتان، ثلاث، فيحس اصطدام رأسه بالتراب، ثم يرفسه أحد الثلاثة على خاصرته، ويطلق الأخير شتيمته المعهودة: ابن الكلب، ويرحلون.

لم يدر على وجه الدقة: أكان الذي يحدث من صنع خياله، أم أن القصّة، كلية التحقق والوضوح بحيث إنها تتخذ وضع الحلم...؟ ومع ذلك فإنه متيقن من أصوات الخطى، والاطلاقات الثلاث، والكرب الدامع، ودربكة الحمام والفاخت في بيته أو بستان أو أي مكان آخر، لذلك فإنه في هذا اليوم، الذي هو في أول الربيع، نظر الى وجهه في المرآة، قبل أن يترك بيته، الى تلك الفسحة المغطاة بالسيسبان والهندباء والحرفش وبعض عجائز النخيل.

يتذكر، بل إنه لمتأكد الآن تماماً، أنه نظر الى وجهه في المرآة: هذا هو وجهي بالتأكيد: وجهي الذي يشبه لحم سمك الجرّي بعد سلخه. ولاحظ عينيه تطلان من فتحتين مدورتين مثل فوهتي الماسورة المزدوجة لبندقية الصيد، مغطاتين بأجفان بلا أهداب. لم يكن مجذوماً إلا أنه يبدو كالمجذومين. وأخذ الأولاد يصرخون خلفه – مجذوم... ثم تأكد جيداً، في مرآة ذاكرته، أن الاولاد كانوا يصرخون خلفه، على امتداد الشارع الترابي الذي يربط جسر الكحلاء بمخفر الشرطة الخيالة بمحلة الماجدية في مدينة العمارة: مجذوم... مجذوم. أدار وجهه اليهم وابتسم. كان فمه أدرد وأنفه دقيقاً ومفلطحاً، ولم ينبت شعر على خديه أو حنكه المستدق النهاية. وصاح الأولاد خلفه فيما كانوا يرمونه بالحجارة – مجذوم... أبو اللّيف. حاول رفع ذراعيه ليتقي الحجارة، حاول ذلك عبثاً، لأن الأولاد لم يجدوا لعبة أفضل منه. كانوا يتصايحون خلفه، أنصاف عراة، ولم ينهرهم المارة، لكنه سمع أحد سائقي السيارات يتساءل: "عجايب.. يصير أن هذا الرجل هو المواطن ع-التستري..؟"- إنما الضجة كانت صاخبة جداً فلم ينتبه أحد لتساؤل السائق.

كان يفكر: ستمر هذه الضجة بسلام أيضاً، مثلما كان يحدث في الماضي، ولسوف يستوقفه الأولاد لإصلاح عرباتهم اليدوية الصغيرة بعد أيام. أطفال. وكانت أيام طفولته كالكتابة على الزجاج في يوم شتوي. لم يعرف اسم أبيه أو أمه... بل إنه لم يعرف عائلته... أما عمره فقد كان يحيره. إنه لا يدري كم سنة عاش، وكم مدينة رأى.. لكنه مطمئن الى حقيقة يعرفها جيداً وهي أن اسمه: المواطن ع - التستري. وجد الجميع ينادونه هكذا: يا ع – التستري. وعندما كان يمر بأزقة محلة الماجدية كان كبار السن يقومون على أرجلهم ويردون عليه التحية: أهلاً بالتستري. وكان هذا أصل الإشكال إذ إن الأولاد الصغار وصيادي السمك وبائعات الباقلاء وسوّاق السيارات ومساعديهم وأصحاب الحوانيت والدكاكين وطلبة المدارس كانوا يدافعون عنه إزاء اتهامات المقاولين وأصحاب خانات الحنطة والشعير. كان أصحاب الخانات والمقاولون يقولون: هذا مخلوق من أصل نجس، لا دين له، وبيته مسكون بالشياطين والمردة، بينما كان الصيادون والحرفيون والطلاب يقولون المسألة فيها عداوة، إن المواطن ع-التستري من عائلة معروفة منتشرة في جنوب العراق ووسطه وشماله.

هذا هو التستري كان قد وصل الى قرية في ريف بعقوبة، في يوم يقع في أول الربيع، فتنفست الأرض أزهاراً برية، ولما رآه الأطفال والأولاد بعباءته السوداء، ودشداشته الحمراء المقلمة بخطوط بيضاء، وكوفيته المرعز، وعقاله المبروم بدقة، تكاثروا عليه وصاحوا:

(مهاجرية بربرية..).

لف جسده بعباءته وسارع في خطوه، وأخذ يدلف من زقاق الى زقاق، وكان ضجيج الأولاد قد نبه ربات البيوت الى هيئته الغريبة، فأخذن ينظرن اليه من الأبواب المشرعة والنوافذ المفتوحة ويتضاحكن أو يشاركن الأولاد صخبهم. أما العجائز اللاتي كن يعرضن شعر رؤوسهن للشمس فقد دخلن البيوت مسرعات. واستطاع أخيراً أن يدخل مسجد القرية الذي صادفه في نهاية زقاق يقود الى خلاء فسيح توزعته بساتين النارنج والرمان، أخيراً استرحت. وخرج خادم الجامع الى جمع الأولاد ماسكاً غصن شجيرة رمان. وسلط لعناته على آباء الأولاد وأجدادهم، فتفرقوا.

كانت باحة المسجد ضيقة ووسخة. وكان متعباً ومكدوداً، فانزوى في زاوية مشمسة، وبرم ورقة "البافرا" على تبغ ذي رائحة نفاذة وأخذ يدخن بهدوء. لا شيء يشفع إطلاقاً. لا شيء يجعله يستقر. لا شيء يجلب لنفسه الراحة، وكان يدخن السيكارة الثانية عندما داهمته بدايات الراحة، فمد ساقيه وأطال النظر الى كبد السماء. هنا، في زاوية المسجد المشمسة، مع الراحة المفاجئة، والشعور بالأمان المؤقت، استطاع أن يشغل نفسه بالماضي برغم أنه لم يجهد نفسه في بضع ذاكرته. هل كان يحلم، هل كان في حالة يقظة..؟ لا يدري إنما الذي تحقق منه بدقة أنه وجد نفسه منطرحاً على الأرض، وكانت امرأة – شبح امرأة، ترفعه من كتفيه وتسند ظهره الى الحائط. لم يعترض. كان متعباً فاستلت المرأة- الشبح من وسطها نصلاً طويلاً وأخذت تشق صدره وبطنه. كانت المرأة – الشبح تشعل ناراً وتلقي عليها مسحوقاً يثير دخاناً ذا لون أبيض. امرأة شبحية، تضحك، فيما الدخان الأبيض – الدخان خلفها يتفعى – وتنظف الصدر والبطن من الأحشاء، وتضع في الفراغ تبناً وقضبان حديد صدىء وألواح زجاج بيض وحمر وخضر وسود. كانت منتشية، ثم أخرجت من كيس مربوط الى وسطها، جرذاً لونه أبيض، أخذ الجرذ ينظر الى الجسد المشقوق بعينين دمويتين . كان جرذاً بحجم فحل الدجاج الرومي أخذ يدب بحذر، فصعد على ركبتي وتلمظ واندفع مسرعاً من تحت السرة واستقر بين التبن والقضبان الحديدية الصدئة وألواح الزجاج الملون. وأخذ يهر. وبسرعة. بسرعة فائقة، أخذت المرأة – الشبح تخيط الجسد المشقوق من أسفل السرة صاعدة الى المكان الأخير، المكان الذي ينتهي بعظم القص.

شعر بشيء يلسعه قريباً من صدره. استيقظ. كانت سيكارته في يده اليمنى قد ناشت جزءاً من دشداشته عند الصدر فأحرقته. وهناك في زاويته المشمسة بالمسجد وجد نفسه متكئاً الى الجدار، ورجل طويل القامة يرسل اليه نظرات غامضة.

كانت باحة المسجد فارغة – في الوقت المحدد لصلاة الظهر – إلا منه وهذا الشيخ، شيخ يلف رأسه بقماشة بيضاء. هو إمام المسجد، قال ع-التستري في ذاته:

"قم توضأ، وتعال نصلي معاً"

لا أعرف

"إذن ماذا تعرف...؟"

أخذ الشيخ يرسل اليه عينين متسائلتين.

"أنت.. أمعقول أنت لا تعرف الصلاة"

- نعم.

- "وقلبك؟"

- اتبع نداءه.

- "أنت تعرف الطريق الى الحق".

- الحق؟

- "نعم.. أفي ذلك ضير؟"

- لست أدري.

- "أنت غريب".

وألح الشيخ.

- "الغرباء دائماً أصدقاء الحق".

- لأنهم يعرفون الأسرار.

ابتسم الشيخ:

- "من أي البلدان أنت...؟".

- لم أعد أتذكر.

اتسعت ابتسامة الشيخ.

- "يصح أنك لا تتذكر، إنما الصحيح أنك تعرف. قل لي يا ولدي ما عملك؟".

- جوال.

- "لم أرغمك!"

- قلت جوال.

وضحك الشيخ بصوت مسموع:

- "فماذا رأيت يا جوال؟".

- رأيت كل شيء. وعرفت السر. ومن هنا ابتدأت المشكلة. رأيت استواء العز والذل والمنع والعطاء. أردت أن أقول له عن الأولاد والاطلاقات الثلاث والمدائن التي حللت فيها.. لكنني إذ ركزت بصري في وجهه، رأيته مثل لون لحم سمكة الجرّي بعد سلخها، وقلت في نفسي.. أهذا تستري آخر... أهو أبي أم جدي أم ماذا...؟ وكان يضحك بطريقة أشاعت السلام في الباحة الوسخة المشمسة في آن، وقال:

- "والآن يا تستري.. متى نستريح!".

- لست ممن ولدوا للراحة.

- "وماذا بعد ذلك يا تستري؟".

- أعرف. أني سأظل جوالاً.

وخاطبني:

- "أنت اخترت الطريق الصعبة".

وقال بحدة:

- "ما عليك. استمر في طريقك. وسيصنع القتلة تاريخهم أيضاً.. يا تستري!".

وكان هذا هو اسمه في الحقيقة. وإذ أخذت قدماه تصطدمان بالطرطيع والعاقول – فيما كان يتوجه من بيته الى التعلية الترابية التي خلفها يسيل ماء الجدول الذي يتفرع من دجلة ليستقي بستان جاني – تأكد له في غير لبس، أنه، هو المواطن ع – التستري، الذي وفد الى مدينة العمارة، سكن في بيت مهجور شمال محلة الماجدية، بعد أن فاجأه الرجال الثلاثة، ذات يوم يقع في أول الربيع، وأطلق عليه أحدهم ثلاث إطلاقات، في موقع القلب تماماً، من بندقية صيد مزدوجة الماسورة.

- "أنت ع – التستري..؟".

- "أنا".

- "وكنت في السماوة والموصل؟".

- "أنا".

- "وقبل ذلك في النجف..؟".

- "أنا".

- "لكننا قتلناك قبل ذلك في قرية السلام وقلعة دزّه والحي".

- "أنا".

وصرخ أحد الثلاثة:

-"هذه المرة سأسلخ وجهه".

واستل سكيناً.

وعارضه الآخر – الآخر الذي ارتدى زيّ شرطي "سأحرقه".

وفيما كان الآخران يكتفانه، صب الشرطي لتر زيت ورمى على ملابس التستري عود كبريت مشتعل.. لاحظ المواطن ع-التستري الشمس تشتعل مثل برتقالة أسطورية في الجزء الشرقي من الدنيا، فأخذ يشزرها بعينين خاليتين من الاهداب وسمع اصطفاق أجنحة الفاخت إذْ طارت من لبّة إحدى نخلات الديري، فبرك على الأرض، ومد كفيه الى الماء ورمى حفنة منه نحو السماء وعاط: مستحيل، إن هذا الذي يجري ضدي مستحيل. لم يسمعه أحد. كفّ ذكر الفاخت عن مغازلة أنثاه. وفوقه، فوق الجدول الذي يفصل مقبرة الأطفال نهائياً عن محلة الماجدية شاهد المواطن ع-التستري حماماته البيض والصفر والسود تنقسم الى سربين، ظل أحدهما يصفق بأجنحته فوق رأسه، بينما اتجه الثاني نحو مقبرة الأطفال، وأخذت الحمامات تخرّ من ذلك العلو الشاهق لتصطدم بشواهد قبور الأطفال.

يتجه الآن نحو بيته، ومن جهة الشمال كانت طلائع غيمة سوداء قد غطت أجواء "محلة الدبيسات" و"السراي" وجسر الكحلاء.. ولما رأى الى جذع نخيلات الديري والبريم والزهدي وجد كربها يدمع. إنه صمغ بلون القار. وكانت الغيمة السوداء التي بلون القار أيضاً قد حجبت الآن قرص الشمس البرتقالي نهائياً.

وها هو للتو يرى بوضوح أشد، أن جذوع شجيرات السدر قد أخذت تدمع الصمغ الذي بلون القار واشتدت الريح. حتى طيرت دشداشته فيما كان يركض مسرعاً نحو بيته وهو يصرخ: مستحيل، إن هذا الذي يجري ضدي مستحيل..

وأحكم إغلاق باب الدار.

يجلس ، اللحظة، الى كرسيه الذي صنعه بنفسه. كان يعرف أنه نجار المحلة الوحيد الذي يصنع عربات الأولاد. ما أسرع ما تغيرت الأحوال. ومد كفه اليمنى وأزاح غطاء رأسه. كان شعر رأسه كشعر الماعز سوى لونه الذي يشبه لون كريات الحالوب. لم ير الأولاد هذا الشعر إلا أنهم صاحوا خلفه: المجذوم.. أبو الليف . وبعد يومين كفوا عن الصياح، وفي اليوم الرابع أوقفه أحدهم مستحياً: عمي يا تستري أصلح عربتي. وفي اليوم العاشر صاح خلفه ولد لم يتجاوز العاشرة: تستري.. يا تستري هاك. ثم ناوله زوج حمام – تكاثر الحمام بسرعة مدهشة، فبنى له بيوتاً في سطح الدار. وفي السطح كانت أجنحة الحمام تصطفق وصوت الذكور بصيحات مألوفة لديه "قر... ر... قر... قر" ولم يكن هناك حمام. كانت غرفة الحمام صغيرة "قر... يا بن الكلب" وزعق رجل بملابس شرطي: "اعترف يا بن العاهرة" ثم أخذ يصيح: "تستري.. عابت الاسامي، ولك هذا اسم لو طلسم" ثم أجلسوني عارياً على مدفأة نفطية مشتعلة. التعذيب. ربطوني الى المدفأة، من رجلي بسلك معدني الى المدفأة، اعترف. قر: لم أعد أعي أي شيء. قر. وكنت أصرخ.. وكنت أصرخ بأسماء الآباء والأجداد. قر. اعترف.. وكنت اصرخ: ايها التستريون إن هذا لمستحيل. إن هذا الذي يجري لمستحيل.. وعندما استيقظت كان جسدي رطباً.. وجلست أنتظر.

أنتظر ماذا؟

يجلس الآن، على كرسيه الذي صنعه بنفسه، وينتظر ينتظر ماذا.. انقضاء العاصفة أو تحقق الهاجس..؟ في المرة الاولى أحرقوه وسط القرية.. قالوا.. هذا رجل لا أصل له.

وفي المرة الثانية أطلق أحد القتلة رصاصات على قلبه. وفي المرة الثالثة... الخامسة. المائة... لا.. لم يعد يتذكر مرات حضورهم إذ يدمع الكرب. أنه فقط يرى في أخاديد ذاكرته مدناً، قرى، حقولاً، أنهاراً، موانىء عربات قطار، سيارات خضر بأقفاص، بشراً صفراً حمراً سودا،ً عيوناً زرقاً عسلية، وكان يتنقل من قرية الى أخرى ومن مدينة الى ثانية، وحسب أن الماجدية ستكون المحط الأخير.

الماجدية. وأراد أن يبضع المزيد من ذاكرته، إلا أن باب البيت رفس بعنف. ووقف أمامه ثلاثة رجال، حمل أحدهم بندقية صيد مزدوجة الماسورة.

- "مرة أخرى.. يا تستري".

قال أحدهم:

- "أنت ع – التستري".

- "نعم أنا هو."

شقوه من الصدر حتى البطن واملأوا الجوف بالتبن و. و. الخ.
 

***


ذات يوم في صيف تموزي لاهب، دخل رجل مدينة (....) يلف جسده بعباءة سوداء، يرتدي دشداشة حمراء مقلمة بخطوط بيض، ويثبت كوفيته المرعز بعقال مبروم بدقة وخلفه يتصابح أولاد أنصاف عراة:

أبو الليف المجذوم.

كان الرجل بلا ظل برغم أن الوقت تجاوز منتصف النهار. كان ذلك في المنطقة الصناعية لمدينة (....) فأسرَّ أحد الحدادين لزميله: اخلع نقاب الحزن.. التستري وفد الى المدينة.

 


بغداد
 

رجوع

 
   

 

 

 

Copyright 2007, www.jumalami.com.

Powered and Designed by ENANA.COM