لغة العزّ
 

كنت تقول سأكون وقتها سعيداً، بعد أن تنتهي مدة السجن، سأحدد وقتاً ثابتاً للمطالعة، ليس في البيت، في مكتبة المتحف طبعاً.. وكنت تسارر نفسك أحياناً فتؤكد، سيكون ذلك في البيت.. أي نعم في البيت، وعندما تبدأ الدنيا بالمطر تطفىء ضوء الغرفة، وتزيح ستائر النافذة المطلة على الشارع وتظل ترقب تساقط المطر.. والناس المسرعين والسيارات الراكضة. هه… أحلام، كل شيء كان مثل حلم، لا بيت، لا مطالعة، بل انشداد الى حانة الأندلس، وماجي العجوز، والتدخين المتواصل.

كان نثيث المطر يجعل الناس يتقافزون.. كنت ترقبهم من خلف الواجهة الزجاجية الأمامية لحانة الأندلس.. أرجل ترتفع، وعباءات تتطاير في الريح: لا صوت. وتجلس ماجي العجوز بهدوء وراء الكاونتر بينما داود يدور بحكم العادة بين الموائد التي يجلس اليها البشر أو تلك التي تظل فارغة.

ثم فجأة توقف الصوت في التلفزيون. استرعى ذلك انتباهك.. فأدرت وجهك نحو الشاشة الصغيرة والكأس السادسة، أو الثامنة بين أصابع كفك اليمنى شاهدت ماجي تجلس ساهمة، ترنو الى الناس الذين شردهم المطر، وداود يلوب بين الموائد، وثمة في الشاشة الصغيرة رأيت صورة امرأة تقبل رجلاً.. هكذا: وضعت ساعدها الأيسر خلف رقبة الرجل واحتوتها. (كان ينظر اليها من خلف رموشه الطويلة.. هل كان ينظر اليها أم أنه كان يسترجع ذاكرته.. المهم أنه يقترب منها) .. ومدت إصبعاً من أصابغ كفها اليمنى نحو شفتي الرجل وجعلتهما تنفرجان قليلاً ثم أرسلت فمها الى شفته السفلى وأخذت تمتصها.

أدرت وجهك الى الشارع فلم تسمع صوتاً، وكان العناق في الشاشة الصغيرة محموماً، إلاّ أنه كان يبدو لك مثل الحركات الحلمية.. (هل حدث هذا حقاً؟ هل كان هناك قُبل وأمطار؟).

وبإشارة من رأسها، هكذا تماماً: انحناءة خفيفة من الرأس الى الأسفل، فهمها داود في الحال، فقام وأطفأ الجهاز، واختفت صورة العناق في النقطة الصغيرة المضيئة وسط الشاشة.

وفي الخارج، كان الناس يتقافزون، وتسرع السيارات وعربات الخيل فوق الأرض المسفلتة التي كانت تلصف للحظة ثم تظلم..

- يا داود، أريد عرق.. وضع داود الكأس على المنضدة وقال: السيدة زعلانة عليك.. لماذا يا داود تزعل ماجي العجوز؟ إنما داود وسع خطاه باتجاه مقعد السيدة وتحدث اليها، ثم غادر الحانة.. وبعد ذلك قامت ماجي وتحركت باتجاه ابراهيم العربي.

جلست قبالته: يعني لازم تشرب!

وغرغر صوتها ضاحكاً وقالت: ايه ابراهيم، يعني لازم تشرب يومياً…! وأطلقت ضحكة متواصلة، فشاهد ابراهيم دمعتين تسقطان من عينها اليمنى. كبرت يا ماجي أنت الآن عجوز.. كانت تجلس اليه مسبلة ذراعيها على الطاولة، منحنية الى الأمام قليلاً، فشاهد وجهاً متغضناً... وعينين خفت بريقهما.. لقد شخت. وقال في نفسه: ماجي، الى أين تذهبين.. وثمة أخاديد في رقبتها.. أما الجزء المكشوف من صدرها، فإن القلادة النحاسية التي تستريح عليه، كانت تستريح على نمش ومساحات مبقعة.

قال ابراهيم: ماجي كم افترقنا، سنة سنتين، ثلاثاً أكثر؟ نظرت اليه وهي منحنية الى الأمام قليلاً وقالت: ابراهيم أتذكر العريف حمدون القصار(1)، كان رجلاً عائداً من الحرب، وأنا عدت من حربين، فقلت، حمدون القصار.. هذا اسم لم أنسه بعد، كان يطوف على بيوت الحارة بيتاً بيتاً ويقول: لم تكن حربي، كانت نزهة صيد بالنسبة لهم، وكنت الطريدة.. فنهضت من جلستي وأمسكت بكتفي ماجي وسألتها: ماجي أيتها العزيزة، ماذا قلت، حمدون القصار. دخل الحانة قبل ساعتين، ولم يطلب كأساً بل تجاوز الموائد وخاطبني: ماجي أريد ابراهيم العربي.. إنه في الجريدة..

قلت، بيد أنه عاد وقال لي: ماجي، أريد ابراهيم العربي، وسيجدني أنتظره في مقهى الرشيد الصيفية هذا المساء.

عندما قمت كانت ماجي تنظر إليّ بعينين زائغتين – ابراهيم، ابق هنا، حمدون القصار سيجلب لك المتاعب... قال أبي، كان يمر علينا في معمل الطابوق فنرفع اليه أكفنا تحية، وأكدت ماجي.. كفّ عن المغامرة أنت تعمل وتشرب وتأكل والحانة تحت تصرفك.. فلماذا تغامر بعقلك وبقلبك؟

وقامت تشزرني بعينين دامعتين وسألتني باكية: ابراهيم لقد جربت وعرفت جسامة الخطأ، فلماذا تعود مرة أخرى الى التجربة. وانتظرت أن أرد، كنت قلقاً حقاً، وكانت التجربة قاسية، غير أني أمسكت يدها وشددت عليها بحنان وقبلتها في جبهتها وقلت:

ماجي، أنت طيبة، وأنا لا أملك إلا هذا الخيار، ودفعت جسدي خارج حانة الأندلس، ففاجأتني ضجة الباعة وأصوات سائقي سيارات الأجرة، وذلك النثيث من المطر الذي يتحول الى وحل في الحال، بعد أن يصطدم بالأرض، حتى وإن كانت مسفلتة حديثاً…

ماجي العجوز
كما كنت أفعل دائماً: دفعت بوابة الحانة بهدوء، فصرت في داخلها.. وأرسلت نظري بين أرجاء الحانة.. انتبهت ماجي فجأة وصرخت: ابراهيم، ابراهيم.. وتقدمت نحوي بسرعة وألقت يديها حول رقبتي وأخذت تنشج، ابراهيم، هل عدت؟ ولما انتزعت جسدي منها، كانت تختض بعنف ثم قالت: آه، ابراهيم يا ولدي، وعادت مرة أخرى للنشيج.

من منا في حارة الماجدية لا يعرف ماجي..؟ بل من هو ذلك الصغير أو الكبير الذي لم يشاهدها في العشيات تدرج مثل أنثى الفاخت فوق الأرض، المغطاة بالأتربة والزبالة لتصل الى حانة الاندلس، وتجلس وراء الكاونتر، وتنظر باستغراق الى صورة المسيح المصلوب أمامها.

لم تكن ماجي متزوجة، لكنها كانت تعتبر نفسها أم جميع الشباب الذين يؤمون الحانة.. ومع ذلك كانت شرسة مع الغرباء الذين يثيرون المشاكل. ذات يوم دخل حانة الأندلس شرطي أمن استقدم من بغداد لمراقبة المشبوهين في حارة الماجدية، فدعته الى الكاونتر وأمسكت به من فردة شاربه وصاحت بصوت عالٍ: يا ناس أهذا بشر أم خروف بسترة وبنطلون… فلم ينبس الشرطي بكلمة وغادر الحانة ولم يرجع اليها.

أما أنا، ابراهيم العربي، فلي قصة، بدأت أرتاد حانتها منذ الصغر. لم أكن أشرب أول الأمر، كنت أقرأ المنشورات السرية وأستمع الى أولئك العمال والمعلمين الذين يشربون العرق، ويتحدثون عن العمال كثيراً.. كم بقيت أتردد على الحانة؟ لست أدري بالضبط. لكنها كانت تأخذني في حضنها عندما أدخل: ولدي ابراهيم، أوصيك بنفسك. وعندما دخلت الحانة ذات يوم، وأنا مرتبك، حدجتني بنظرة كشفت سري حالاً، وقالت: ابراهيم اهرب، إن أيامنا هذه قاسية.. بقيت صامتاً، فقالت: ابراهيم جاء دورك.. عليك أن تترك الحانة والحارة والمدينة الى أخرى. بقيت صامتاً، وقال لي أبي بعد ذلك: عندما جاءت الشرطة الى بيتنا في ذلك المساء واعتقلوك قالت ماجي لاحدى النسوة الاثوريات: وحياة مريم... ابراهيم على حق، وسأصلي من أجله يومياً.

قال أبي: صار الصمت رفيق ماجي العجوز بعد اعتقالك واعتقال زملائك من الطلاب الذين كنتم تؤمون حانتها… وسمعنا إشاعة لم نعرف مصدرها، أشارت الى أن ماجي العجوز تتصل بحمدون القصار، سراً حتى إن بعض نسوة الحي الاثوري تقوّلن عليها، فما كان من العجوز إلا أن قالت لداود: يا داود من الذي اعتقل شباب الحانة وسجنهم، الدولة أم حمدون القصار؟ ولم يجب داود بأي شيء.

مقهى الرشيد
تقع مقهى الرشيد على الجانب الأيسر من النهر الذي يؤلف الحدود الفاصلة بين حارة الماجدية وحارات المدينة الاخرى… وهي عبارة عن سقيفة من القصب بلا ابواب من جانبيها، الشرقي والغربي.. فإذا جلست وأعطيت وجهك الى الشرق، فإنك سترى غابات النخيل الممتدة مع الأفق وأعمدة الدخان التي تتصاعد مع مداخن معامل الطابوق، ثم مخزن حفظ الأسماك الذي بني حديثاً، وبيوت الصيادين، حيث الشباك المعروضة للهواء باستمرار. أما إذا جلست ووجهك الى الغرب فإنك لا بد أن ترى النهر الصغير (ضفة النهر الصغير هنا مجازاً… فالقادمون الينا من المدن الاخرى يقولون: يا أبا الحسين إن في حارتكم نهراً كبيراً، أكبر مما رأيناه في كل المدن الاخرى) تعوم فيه الطراريد والمشاحيف، أو تلك الماطورات البخارية الذاهبة نحو الاهوار.

من الذي بنى المقهى…؟

الزائرون من المدن المجاورة يتساءلون هكذا باستمرار. ولم يحظوا بأي جواب، لأننا نحن سكان حارة الماجدية، بكل بساطة لم نعرف من الذي بنى المقهى أو أسسها.. كل ما نعرفه، أن آباءنا وأجدادنا، كانوا يجلسون في ظل سقيفة من الجريد وجذوع النخل رصفت عليها البواري وأغصان الغرب ويتحدثون عن الصيد، وحكايات الحروب… وأولئك الرجال ذوي العيون الزرق الذين حطوا في الجنوب فجأة.

وكثير من الزوار الذين يفدون من المدن المجاورة أخذوا يعملون نفس ما نعمله: بعد الجلوس دقائق على الكراسي الجريدية يذهب أحدنا ويملأ أكواب الشاي الصغيرة بذلك السائل الأسود الذي ندعوه شاياً، ثم يبدأ بتوزيعه على الجالسين. هؤلاء الزوار الذين يفدون الينا من المدن المجاورة لمدينتنا قالوا لمعارفهم: إياكم أن تغلطوا.. لا تقدموا ثمن الشاي الى أي واحد من الجالسين في مقهى الرشيد الصيفية.. كل ما عليكم هو أن تضعوا عشرة فلوس في تنكة، مكانها يجاور أواني إعداد الشاي… ومن الطريف أن أنوه هنا.. بأننا نحن أهل حارة الماجدية، الذين نمضي العصاري والعشيات داخل السقيفة. كنا نفعل ما يفعله الغرباء، أو يقوم أحدنا دون أمر من أحد، فيأخذ حفنة من النقود ويغيب عن المقهى دقائق يعود بعدها وفي حضنه أكياس السكر والشاي...

وبعض سكنة الحارة من السواجيج والحمارة والسفاطة كانوا يقتطعون درهماً من أجورهم الاسبوعية، فيشترون بقسم منها سكراً أو شاياً وفحماً، حيث يخزن المبتاع في أماكن خاصة داخل السقيفة. ويوماً بعد آخر أخذت المقهى تتغير، ظل بناؤها كما كان عليه، جريد وجذوع النخيل، إلا أن الزبائن تكاثروا، وأخذ يفد اليها معلمون وطلاب ثانوية، صيادون و"اختيارية"، قراء مجالس وعسكريون متقاعدون، يحتسون الشاي الاسود ويدخنون بلذة، ويداومون النظر الى مياه النهر.

وفي أحد تلك الايام التي لن تنساها الحارة، فوجئنا بحفلة عرس داخل المقهى…

كان المغنون يطلقون أصواتهم بألحان شعبية، تصاحبهم أصوات اصطفاق الأكف على الأكف، والطبل الشعبي الذي كان صوته أخاذاً عندما يكون القمر بدراً وترسم أشجار النخيل ظلالاً جميلة على صفحة النهر.

ونحن داخل المقهى لم نكن نكترث لأي أحد.. يقول أبي: والله يا ابراهيم حتى بعد أن اعتقلوكم ما خلت المقهى من ذكركم، ثم يضيف: والمهم، المهم جداً يا ابراهيم أن جلساتنا الليلية تحولت الى انتظارات.. كانت الليالي المبدرة تذكّر حتى الغرباء بكم، فيرتفع صوت محزون بالغناء..

هلي يالعلموني الوفا والطيب…

فنظل نتمايل مع الصوت المحزون في ارتفاعه وانخفاضه ولا شيء حولنا إلا وجيب قلوب أحبت بعضها بعضاً.. تصور يا ابراهيم- يقول أبي- إن مقهى الرشيد أخذت تزدان بشباب آخرين.. حارتنا والحارات الاخرى، من مدينتنا والمدن الاخرى، وكأن غيبتكم عنا قد هيأت المقهى، لأن تجمع داخلها كل الذين يحبون جذوع النخل وجريده.

يستمر أبي: مع هذا.. مع هذا كله، ومنذ أن غادرت السجن، ابتعدت عن المقهى، وأخذت تمضي وقتك بين البيت والجريدة وحانة الاندلس.. ثم يؤكد بثقة: اعلم يا ولدي أننا نحب ماجي العجوز كثيراً، لكننا لا نستطيع أن ننسى مقهانا.. وكمن تذكر شيئاً لا يريد أن يسمعه أحد غيري أخبرني: ابراهيم، سمعت أمس أن حمدون القصار زار المقهى ولم يتعرف إليه إلا اثنان من قدماء الصيادين، حلفا إنهما رأوه مرتين… في الاولى يرتدي نفس ملابس أبيك… وفي الثانية نفس ملابسك.. قال أبي، قالا: كان مهموماً ظل شايه على الطاولة في كوبه دون أن يشربه.

قلت: وأنت يا أبي هل رأيته..؟

فوجئ الرجل فيما يبدو فقال، لم أره، ولكني مؤمن برجوعه الى أهله… بل سأقول لك شيئاً آخر، إن شيوخ الصيادين يقولون لنا إنهم حين يطرحون "الطفاحات" على سطح الماء في الليالي المقمرة أو المظلمة، يتسمعون أصواتاً هادرة تأتي اليهم من عمق النهر – طبعاً أنا لا أميل الى التهويل، لكن تصور أن امرأة مثل "سعدية الخبازة" جاءت إليّ قبل عشرة أيام وأخبرتني – والله يا أبا ابراهيم رأيته البارحة عندما كنت أوجر التنور، كما رأيته في ذلك اليوم عندما ظهر مع أصحابه من داره وألقى كلمته ثم غاب.

ثم ينظر الي من خلف نظارتيه، ويسألني أنا ذاهب الى المقهى، فهل ستأتي معي، فأقول له، ما زال في الوقت متسع، وأجرجر نفسي متعباً الى حانة الاندلس أو أظل جالساً الى مكتبتي.. أكتب مذكرات البيوت الحجرية.

حمدون القصار
في طريقي الى مقهى الرشيد، كان حمدون القصار يسكن ذاكرتي، سأتعرف إليه، ليست هذه مشكلة، إنما الأمر الآخر، عن أي شيء نتحدث.. دخنت سيكارة أخرى، وقررت: سأذهب اليه رأساً، ومن دون مقدمات، وأجلس الى طاولته فهو يرتدي الكوفية والعقال، وتلك الملابس العربية المعروفة، بيد أن هذا أسقط بيدي في الحال، ففي مقهى الرشيد يجلس دائماً أناس متشابهون.. خصوصاً أولئك الذين يرتدون الكوفية والعقال والزي العربي المعروف.

ثم فجأة وجدت نفسي أمام المقهى، ولم أتردد لحظة فدلفت من بوابتها الشرقية، فقام إليّ رجل يرتدي ملابس الكاكي وأخذني الى صدره معانقاً وقال لي: أين كنت يا رجل:

- أنت، أريد أن أقول أنت.

- نعم…

- أنت حمدون…؟

- وبعد ذلك يا ابراهيم.. أنا حمدون القصار بالتأكيد.

جلسنا متقابلين، ينظر أحدنا الى مقابله دونما حديث، (إلا أنني كنت أحس نفسي قريباً منه.. وضع يده على المنضدة (كانت كفه مضمومة) وقال بثقة: سنعمل معاً، من أجل مواصلة الحرب تحاورت مع نفسي، فعاد وأكد، ابراهيم صحيح أننا سنتغرب عن أنفسنا إذ نتقدم كثيراً في اتجاه الفعل، إلا أن ذلك ما يجب أن نقبله لأنه قدرنا.. وعندما قام ليحضر الشاي، شاهدت رؤوس الجالسين تتابع خطواته في حب.. وكانت اشارات التحية تنهال عليه من كل أركان المقهى.

أخذنا نشرب الشاي الأسود وننظر الىالنهر الذي كان يبدو هادئاً ثم قلت: حمدون، سأذهب الى النهر وأعود اليك. هزّ رأسه دون أن يحدد معنى.. وعندما عاد ابراهيم العربي لم يجد حمدون القصار في مكانه.. أراد أن يسأل عنه الجالسين، بيد أنه وجدهم مستغرقين، أحاديث.. فزرر قمصلته وخرج من البوابة الشرقية باتجاه معامل الطابوق وغابات النخيل.

(1)

إني أعرف ابراهيم العربي جيداً أو قصته مع حمدون القصار. لكن حمدون لم يكن معروفاً لدي بما فيه الكفاية... لذلك اتجهت الى حارة الماجدية في المدينة واتصلت بكثير من الشيوخ والعجائز و"الاختيارية" وخرجت منهم بالصورة التالية عن حمدون القصار، أرويها على حقيقتها كما سمعتها، ولم أضف اليها أي شيء سوى طريقة العرض:

"... ينتمي حمدون القصار الى عائلة عربية من تقاليدها – الفتوة – تطوع في الجيش، جندياً في أوائل الأربعينات من القرن العشرين، وعرفه الناس شاباً شهماً وذا خصال كريمة.. ثم استقال من الجيش في منتصف الأربعينات وقام بتأليف فصيلة من شباب الحارة وذهب الى فلسطين عام 1948 واشترك في الحرب المعروفة آنئذ.

وبعد سنة من ابتداء الحرب، عاد حمدون القصار الى مدينته واعتكف في داره.. ويروون في حارة الماجدية أن الناس لم يروه يخرج اليهم طيلة سنتين. لكنهم يقولون إنه يذهب مبكراً الى مسجد الحارة مع كل صباح، بينما تظل غرف داره مضاءة في الليل..! والشيء الذي يتذكره سكان الحارة جيداً.. أن رجالاً يرتدون ملابس غير متشابهة، لكنهم يتحدثون بالعربية، كانوا يتوافدون على دار حمدون القصار ولا يخرجون منها سوى في الساعات الباكرة من الصباح حيث يؤدون الصلاة في المسجد.

وسكان الحارة، بل وكل سكان المدينة، يجمعون على رواية حادثة بتفاصيلها فيقولون: في أحد العصاري، كان سكان الحارة قد خرجوا من أسيجة بيوتهم فجلس الشيوخ يشربون القهوة ويقصون حكايات عن الغزوات.. وأخذ الصيادون يرتقون ما تقطع من عيون الشباك... أما الشباب، فقد كانوا يتوزعون الطريق الموصل الى شريعة النهر ويغنون:

هلي يا أهل الوفا والطيب.. بينما الأولاد انقسموا الى فريقين يتقاذفون الحجارة.

قالت سعدية الخبازة: رأينا دار حمدون القصار تفتح ويخرج منها حمدون ومعه أصحابه، ووقفوا في الساحة التي تفصل بيوتنا عن النهر وأخذوا يكبرون.

وأخبرني الصياد حاتم الاجدع: أنا أتذكر ذلك اليوم جيداً، فبعد أن طلع علينا حمدون القصار من داره ومعه أصحابه. أخذوا يسلمون على الشيوخ والشباب ويربتون على رؤوس الصغار.. ثم سمعت صوت حمدون القصار يقول: يا أهل الماجدية.. لم تكن تلك حربنا. اليوم بدأت حربنا من جديد.. وإذ ذاك رأيت بنادق تشرع في الفضاء، بأيدي حمدون ورفاقه.

وأكد قارىء المجالس سيد عباس المشكور: أقسم بمحمد، إني رأيت ذلك المشهد: شباب يرتدون الملابس العربية ومعهم حمدون، سلموا على مجلسنا وشربوا معنا القهوة. وسمعت حمدون القصار يخاطبنا: لم نخسر حرباً على الاطلاق.. الذين سيخسرون هم أعداؤنا، ثم أكد. الذين ترونهم معي هم عصبة الحرب الحقيقية، وسنخوضها حرباً حقيقية.. وتناولوا القهوة العربية معنا مرة أخرى.. وساروا باتجاه مقهى الرشيد.



(2)

التقيت ابراهيم العربي عام 1970 في الاردن.. وحدثني عن حمدون القصار، فقال: إنه رآه في الكثير من الشباب والشيوخ، الذين يحملون البنادق، أو يجلسون خلف آلات الرونيو، يحرضون الناس على القتال، ثم أكد: لا تستغرب إذا قلت لك إني نسيت اسمي القديم.. ان ابراهيم العربي لم يعد لي سوى تاريخ في السجون وحارة الماجدية وحانة الأندلس.. فأنا الآن حمدون القصار.. إننا أبناؤه في التاريخ.. وأعتقد أنك تعرف هذه الحقيقة...
 


بغداد
 

رجوع

 
   

 

 

 

Copyright 2007, www.jumalami.com.

Powered and Designed by ENANA.COM