آخر أخبار المباركة سليمة
 

القتلة. القتلة اليوم يدخلون إهابك ولا يتركون لك فرصة في أي اختيار، ثم أخذت تتزين... ثمة الوجه في المرآة أسمر مثل خبز الجنوب، والفم في الثلث أسفل منه حيث الشفتان الرفيعتان إنما المكتنزتان أيضاً، وذلك الارتعاش الجميل في الشفة السفلى.. ولما دهنت خدها الأيمن حتى صار وردياً.. تذكرت أن الجندي أخبرها: أنهم ينتظرون حضورك الآن في المسجد – نظرت اليه فرنا الجندي الى الارض وقالت: أبلغ رئيسك أني قادمة.. ولبست أجمل ثيابها.. عروس أنا، لعرس طالما انتظرته.. وفي المرآة شاهدت نفسها جميلة. وأمام المرآة للمرة الأخيرة فيما اكتملت زينتها واستعدت لمغادرة الدار، نظرت الى عينيها.. كانتا تلتمعان مثل شمعتين تتوقدان في ليل موحش، عينان حادتان لا تطرفان، كانتا محط أنظار ناس "اليشن " كلهم اذا ما سارت في الشارع الرئيسي. حتى إن رئيس مجلس العلماء وصفها ذات يوم: عيناها.. إنهما السحر الاسود، إنهما مضختان للغش والشهوة..

بيد أنها تدرك الآن أن هذا الاسوداد في عينيها، سيكون سلاحها الوحيد. إذ تقف أمام ذلك القلب اللابشري، مضخة الجريمة، رئيس مجلس العلماء.

لم يكن النهار قد كشف وجهه بعد، إلا أنه كان الصباح، وإذ دفعت جسدها خارج بوابة دارتها، كانت الريح قد سقطت هينة ولدنة وخفيفة على الشارع الرئيسي في المدينة.. ولم يكن ثمة أحد استيقظ بعد، سوى العصافير التي كانت تشقشق على الجانب الأيسر من النهر حيث أشجار الغَرَب والصفصاف والسبندر. وكانت المقبرة خلف شريط الأشجار، تبدو هادئة ومستجيبة للأرض التي كانت تتنفس طوال الليل، وشجرة الجوري التي أزهرت، والدغل الذي كان ندياً بين المساحات التي تفصل بين قبر وآخر.

صعداً نحو المسجد أخذت طريقها، وكانت الريح الهينة واللدنة والخفيفة تطير القسم الأسفل من عباءتها فيما أفلتت خصلة شقراء من شعرها، وظلت آمنة، تتحرك بخفة على خدها الأيمن الذي شابه الآن شيء من الشحوب، ثم قالت في نفسها: إنه دوري الذي لا بد أن أؤديه مهما كانت الضغائن..

ابتعدت كثيراً عن دارتها وصارت أقرب الى المسجد الذي تركت بوابته مشرعة.. وإذ كانت تهم باعتلاء الرصيف لتصل بعد خطوات خمس الى البوابة، توقفت بغتة أمام جسد لحمامة بيضاء افترش مكاناً في منتصف الرصيف.. كان الجسد الممدد على أرضية الرصيف الوسخة مبقور البطن..

وعلى امتداد سنتيمترات انطرحت على الأرض أمعاء الحمامة وردية شفافة، وكان منقارها الأحمر الصغير مصوباً نحو الأرض، وبدت إحدى عيني الحمامة تتطلع جهة الشرق التي لم تطلع شمسها بعد مبللة بندى تذكرت فيه وجهها في المرآة. أخرجت منديلها وانحنت على جسد الحمامة ولحفتها بالمنديل، ومع ذلك ظلت أطراف الأمعاء وردية شفافة في الغبش.

بعد الآن ستكتمل الجريمة – وكان الجندي مثل عمود يقف على يمين باب غرفة تقود إلى المحراب، وهي واقفة في باحة المسجد، استطاعت أن تلمس الصمت.. لا صوت.. كل شيء كتمت أنفاسه.. الأعمدة الجلاميدية ملتصقة بالأرض والسقف، ولون الحيطان الكآبي الذي مر عليه صباح آخر، وثمة الجندي المسيف،لا ينظرالى شيء ما ؛ إنما كان يدلها على مكان الاجتماع وكانت الرائحة عطنة..

دخلت غرفة المحراب وفاجأتها الرائحة العطنة.. هناك مرتفعات خشبية ضئيلة اقتعدها رئيس مجلس العلماء والأعضاء وسجادة قديمة امتدت لتلف أرضية الغرفة. وكان رئيس المجلس يولي ظهره للمحراب، بينما توزع أعضاء المجلس تلك المرتفعات الخشبية الضئيلة وشكلوا نصف دائرة، من اليمين الى اليسار، كان رئيس المجلس يتوسطها.. وكما هو في كل الأحوال، في أفراح المدينة أو أتراحها، كان رئيس مجلس العلماء في كامل قيافته الرسمية.. العمة البيضاء المطرزة بخيوط ذهب دقيقة والزبون والعباءة، وبنفس لحيته ذات المنابت البيض والنهايات التي تعفرت بالحناء، ينظر اليها بعينين صفراوين مؤتلقتين، والتوى فمه الى اليمين قليلاً بنصف ابتسامة.. عندها تعرفت إلى اختيارها الوحيد.

تزيّا أعضاء مجلس علماء المدينة بكامل قيافتهم الرسمية ايضاً. وفيما أدارت بصرها على الوجوه شاهدت بريق أعينهم. ثم تلك الابتسامات الملغومة بالوعيد. فقالت في نفسها – لا مجال بعد للرجاء، قضي الأمر، وليس ثمة من اختيار سوى الشجاعة.. وببطء قام رئيس مجلس العلماء من قعدته. فاكتشفت فيه حالاً قصراً في الطول وضموراً عند البطن، وكانت كفه اليمنى نائمة على اليسرى، ومسبحته ساكنة لا تطرقع. وأخذ يشزرها بعينيه الصفراوين. كان يرسل نحوها عينين ذئبيتين، وأحست به يغتصبها، تماماً كما كان يراودها ذلك الاحساس إذ تلتقي برئيس مجلس العلماء في أحد أزقة المدينة، إلا أنه في تلك اللحظات كان يخزرها بشراسة بحيث قالت في نفسها – النذل.. إنه يفتضني.. ولم تتخلص من نظراته إلا عندما سيطر السعال الربوي على جسد رئيس مجلس العلماء.

بعد أن هدأ سعاله قليلاً، فرق رئيس مجلس العلماء كفه اليمنى عن اليسرى، وترك فراغاً بين قدميه. إنه يتهيأ للقتال، وكان ذاك هو الذي حدث فعلاً..

سأل رئيس مجلس العلماء بصوت أراد به الحياد:

- أنت سليمة التي لا نعرف اسم أبيها..؟

- نعم...

- وأنت سليمة بعد ذلك وقبل ذلك..؟

- نعم

- أتعرفين لمَ أنت هنا...؟

- نعم..

فجأة عاوده السعال الربوي.. كان السعال حاداً. وأخذ جسد رئيس مجلس العلماء يختض بعنف.. وفي تلك اللحظات خيل إليها أن كل شيء توقف عن أن يكون في حركة ما داخل غرفة المحراب ذات الرائحة العطنة، فعدلت من وضع عباءتها على كتفيها ورأت إلى أعضاء المجلس بسرعة، فوجدتهم ينظرون إليها نفس ابتسامتهم الملغومة، فأيقنت أنها تعرى.. ويلي.. إنهم ينزعون ثيابي رغماً عني..

بعد أن هدأ السعال الربوي نطق رئيس المجلس بصوت مبلغم : سأكون عادلاً كما هي تقاليدنا. ومر ببصره على أعضاء المجلس الذين ظلوا على نفس وضعهم السابق، وقال:

- حانت ساعتك يا سليمة انتهى كل أصدقائك. المدينة لنا.

ثم وبنظرة ماكرة تحاور مع بقية أعضاء المجلس، وتوجه إلى سليمة: سأقرأ عليك قناعتنا جميعاً. وسيكون عليك الإذعان. عدل من وضع عباءته، وأخرج من جيبه قطعة ورق وأخذ يقرأ.

حيث إن لهذه المدينة حرمة الآباء والاجداد وطهرانية الخلق والخلق الفاضل، فإني باسم مجلس علماء – اليشن-، وبعد الرجوع الى سنننا وتقاليدنا. وما غرسه فيـنا كبـراؤنا - قدس ثراهم - من أطيب الأعمال، وقطعاً لدابر التمرد أو الخروج عن المألوف، أعلن للصالحين والطالحين في هذه المدينة الممتحنة بك، أنك أنت يا سليمة التي لا نعرف اسم أبيها.. محكومة باللعنة الأبدية، والحرمان من كل الحقوق. وسيقرر الأفاضل أعضاء هذا المحفل طريقة أسلوب تنفيذ اللعنة والحرمان. لماذا تصمتين..؟ لقد هيأنا لك محاكمة عادلة، قولي أي شيء. إن قلبي مفتوح لسماع صوتك.. حسناً إن مجلسنا قادر على إلحاق التدمير الماحق بك..

- ماذا أبقيتم للمدينة، لفقتم التهم، وصفيتم كل الآراء التي تعارضكم..

- هذا كلام خطير، لا تقوله إلا عاهرة مثلك..

- صلبتم جمال الدين أبا يسار، ولم يحتمل سلم بن يوسف وضعه، وقبل ذلك خربتم جوهرة الدنيا: اليشن...

- حذار يا سليمة، أنت بهذا تدفعين نفسك الى الصحراء.

- سأذهب الى الصحراء، وسأعود كما عاد جمال الدين أبو يسار..

- أيتها الفاجرة، يا ربيبة الفجرة.. سنسلخ جلدك ونملأه تبناً ونعلقه في بوابة المدينة..

لكن رئيس مجلس العلماء توقف فجأة عندما رأى اسوداد عيني سليمة يتسع قليلاً قليلاً حتى غطى بياضهما.. كانت تنظر اليهم جميعاً بإشراق.. تراهم كالديدان الصغيرة تهوم في مستنقع آسن، فصرخ رئيس مجلس العلماء:

- آه الشيطان.. الشيطان تلبس جسد الفاجرة.. يا أفضل سادة المدينة أشيروا عليّ..

لا.. اعترت الجميع رعشة مفاجئة، إذ صرخت سليمة وأرسلت عينيها إليهم.. كان السواد فيهما يبرق بالعواصف ووقعت عباءتها عن كتفيها، فتلمظ رئيس مجلس العلماء عندما شاهد استدارة كتفيها.. كان جيدها وردياً وشفافاً، تبرق منه صدفة شدت الى سلسلة ذهبية.. وأخذت سليمة تسمع فحيحاً من حولها.. كان أعضاء المجلس يخورون قريباً منها وكانت تسمع أناتهم مكتومة، وتحولت غرفة المحراب الى وكر للجريمة.. وبعد الصباح ردد أحد الشحاذين لبعض زملائه وأمام فريق من المتعطلين والباعة المتجولين وقراء التكايا أن سليمة قالت هذه الكلمات ثم سكتت نهائياً:

- أنا سليمة ابنة هذا الدهر الراعب، جئتكم نافذة وجسراً، بيد أنكم احترفتم القتل والافتراء واختيار الجريمة.

- أنت مغناج وأنثى عروب ونحن فحول أَزبّة.. قال أحد أعضاء المجلس في سره..

في السر وفي العلن، واليوم جاء دوري. أنا أعرف ذلك.

- بنت العاهرة ستكون ملكتنا جميعاً لو أنها وافقت على قضاء ليلة معي في الفراش!!

- وسيكون موتي كما حياتي. أما أنتم فلكم حكم التاريخ.

كان صوتها حاراً، يعلن أمام ذلك الاجتماع الإرهابي صدق الحقيقة التي أهينت في تلك المدينة المندثرة.. لذا فإن أعضاء المجلس نهضوا بخفة من مرتفعاتهم الخشبية الضئيلة، وأخذت مسابحهم تطرقع بصوت مسموع، واستعد رئيس المجلس ليقول شيئاً ما.. غير أنه أجل ما كان يريد قوله، وجعل يدور ببصره على أعضاء المجلس الذين كانوا يهزون رؤوسهم بالموافقة.. خطوة.. خطوتان.. ثلاث، ولم يعد يفصله إلا مد ذراعه .. أرسل رئيس مجلس العلماء كفه الى صدر سليمة وجذب ثوبها بعنف، فبان ثدياها نافرين وصغيرين مثل فرخي قطاة.. وفيما كان يحدق في صدرها وينطلق لعابه سائلاً بين براطمه، أخذ رئيس المجلس يمزق ثيابها.

داخل غرفة المحراب كانت سليمة تقف عارية – إنهم افتضوني بكل قساوة.. وكتمت دموعاً رأتها في عين الحمامة البيضاء – إنهم انتهكوني ودنسوا جسدي بعد ليل طويل من التعذيب المخيف في هذه المدينة.. وأرادت أن تقول شيئاً، بيد أنها كفت عن ذلك بعد أن رأت رئيس مجلس العلماء يمد يده الى وسطه...

استل رئيس المجلس خنجراً وأخذ يدنو من سليمة حتى التصق بها. وأحست بشيء بارد ينسل داخل بطنها مع ألم، ألم لم تحسه في الحال، لكنها بعد لحظة شعرت بآلام حادة، ثم تراجع رئيس المجلس خطوة الى الوراء ورسم بالنصل خطاً متعرجاً ابتداءً من تحت السرة مباشرة وانتهى في منطقة العانة.

- ويلي، لقد أخذوني..

ومع الدم الذي أخذ ينزّ باحتباس أول الأمر، انزلقت الأمعاء خارج فتحة البطن المتعرجة.. وشاهدت سليمة في تلك اللحظات أعين الجميع يغشاها بريق شيطاني. فأغمضت عينيها وقالت واهنة – الآن تم لكم ما أردتم.. هذه ساعتكم. وهي ساعتي أيضاً.

صرخ أحد أعضاء المجلس: العقاب، حلّ العقاب السرمدي.

صرخ آخر: الى الشارع.. لنخرج الفاجرة الى الشارع – المجرمة عوقبت، أذّنوا بالناس. وسمع صوت ينادي من أعلى منارة المسجد: يا أهل اليشن لكم البشارة تطهرت مدينتكم من الرجس، ففي هذا الصباح حضرت ملائكة العقاب عار المدينة الى المسجد وعاقبت الفاجرة أمامنا يا أهل اليشن بشراكم بقتل الزانية...

عند أبواب البيوت، أو من خلال النوافذ، كان الناس ينظرون الى ذلك الجسد العاري. المبقور البطن، المندلق الأمعاء، يغادر بوابة المسجد، ويتوقف قليلاً عند الحمامة القتيلة، ثم يسير واهناً، بينما الشمس أرسلت ضياء كابياً على المدينة.

الجسد العاري يحاول الانتصاب جاهداً، برغم الألم ويتجه الى الصحراء.. وكان الشعر الأشقر يتطاير في الهواء.. والجرح ينزلق، والأمعاء وردية وشفافة، بينما نجود الصحراء تنتظر بصبر قدوم جسد سليمة المبقور البطن.

رفع رئيس مجلس العلماء صوته: هذه عدالة المدينة. وعلق أحد الشحاذين: بورك مجلس علمائنا.. بينما هتف أحد أعضاء مجلس العلماء: ارجموها، ارجموا الفاجرة.

وبوهن أدارت سليمة وجهاً كسته حمرة الخجل نحو الهاتفين والقتلة، ثم رنت إلى سطوح المنازل ونوافذها حيث الحجارة تأتيها من كل صوب، فقالت في سرّها:

- أيتها النجود الرملية خذيني من هذا العار..
 


بغداد
 

رجوع

 
   

 

 

 

Copyright 2007, www.jumalami.com.

Powered and Designed by ENANA.COM