أسماك مقهى السعادة
 

حدث ذلك في ساعات القيلولة: عندما نزل أحمد أبو الطيب من سلم وزارة المعرفة، لفحته رطوبة الصيف. كان الصيف في مدينة –اليشن- رطباً والشمس التي تتجه نحو الغرب كانت فاقعة، ولم يكن عند جدار الكورنيش، رجال أو نساء ، كان صبي يبيع سكاير من علبة نفد منها نصفها، أخذ منه أحمد واحدة، وحث خطاه نحو الشارع الفرعي الأول – المقابل للكورنيش والنهر، وتوقف أمام مقهى السعادة: تجويف في حائط، اصطفت فيه أرائك خشبية وكراسٍ خيزرانية، جلس اليها هاربون من الرطوبة، ومتقاعدون وقراء كتب مسروقة. ومدمنو خمر وحشيشة، وكان التلفزيون يعرض فيلماً بوليسياً –هكذا توقع أحمد – لكنه تأكد من صحة توقعه، بعد أن رأى شخصين يغرقان رجلاً في صندوق زجاجي مليء بالماء. لم يسمع صوتاً. كانت واجهة المقهى من زجاج وبابها جزءاً من الواجهة الزجاجية.

في الظل الصغير. خارج الازدحام، وقف أحمد أبو الطيب. رمى سيكارته الى الأرض وقال، لا يهم، هنا الرطوبة أقل. هنا الصورة واضحة، أما الصوت فلا داعي له، الأمر ليس بيدي. إنه الازدحام، وتضاحك سراً مع نفسه: هذا أفضل من الرطوبة. ثم إني لا أسمع تنفس الغريق. وامتدت يده إلى جيب بنطاله الداخلي وتناول علبة سكايره. دخن واحدة وجذب نفساً عميقاً، ونظر الى الشاشة الصغيرة، والعرق يسيل قريباً من أذنيه ويمتد الى رقبته، وأحس به يتساقط على صدره.

على الشاشة ظهر مذيع شاب وتحدث هنيهة الى المشاهدين وغاب عنهم، إذ ذاك نهض زبائن المقهى وفتحت بابها: صخب ضاج، ورطوبة خانقة، هي ذي مقهى السعادة، بيد أن أحمد أبو الطيب تدافع مع بعض الزبائن وأجلس جسده على كرسي خيزران في الركن الأيسر من مقهى السعادة، وطلب قدحاً من الشاي، وأشعل سيكارة، وأخذ يطيل النظر الى الصندوق الزجاجي المجاور لجهاز التلفزيون، صندوق صغير مليء بالماء تعوم فيه أربع سمكات، هادئة، برغم الضجة والصخب في مقهى السعادة..

 

***



أسبوع آخر: قبل أن تنتهي، بقليل، ساعات الدوام الرسمي بوزارة المعرفة، قال أحمد أبو الطيب لصديقة العازب: نذهب الى مقهى السعادة؟ لم يتلق جواباً، إلا أنه في الحال، تذكر جواب زميله قبل يومين: أتسمي تلك الكارثة مقهى، هل جننت يا رجل، إنها قبر.

زرر أحمد سترته "ممنوع على موظفي اليشن ارتداء قميص وبنطلون" وترك مبنى الوزارة خلفه عندما وضع قدمه على رصيف الكورنيش: كان النهر هادئاً والبارات أغلقت أبوابها، وقريباً من فنادق الدرجة الثانية، شاهد أحمد أبو الطيب سيارات أجنبية : إنها ستكون حارة فعلاً، لكن الغرف المبردة، داخل الفنادق، ستكون أفضل، وكان ثمة كلب يدخل الآن الشارع الفرعي الاول المقابل للكورنيش والنهر، فتبعه أحمد أبو الطيب، حتى وصلا معاً الى مقهى السعادة. أقعى الكلب في الظل الصغير، ودخل أحمد أبو الطيب، الى المقهى، وجلس في الزاوية اليسرى، على كرسي خيزران.

تريد شاياً، أستاذ

انتظر قليلاً.

كان كرسي الخيزران ضعيفاً بعض الشيء. مد أحمد قدميه الى الامام قليلاً، ولفحته نسمة هواء من المروحة السقفية فأغمض عينيه. من مدينة الى مدينة (ها أنا في اليشن) ومن مقهى الى مقهى، الكتب التي تركتها بعيداً مع العائلة ورهط الاصدقاء وها أنت أحمد أبو الطيب. الذي أبدل ذاكرته بالنسيان، في مقهى السعادة، مع "لفة" السندويتش، وقدح الشاي، والصبي اسماعيل والكرسي الخيزران، والصندوق الزجاجي الصغير.

أكمل "لفة" السندويتش إلا قليلاً، وتذكر الكلب.

- اسماعيل خذها الى الكلب. في الظل.

تريد شاياً، أستاذ.

ارتاح الآن على كرسيه الخيزران الضيق، وأخذ يدخن سيكارته، وتابع نزهته التي اعتادها منذ أسبوع: كانت الأسماك تعوم متمهلة وسط الماء الرائق، وأخذ أبو الطيب ينظرها باهتمام: واحدة، الصغرى، كانت تعوم بطيئة. إنها تقف الآن ساكنة، او معلقة في خيط من أعلى الصندوق، لكن هذا غير ممكن قال أحمد في نفسه، هبطت. أخذت تهبط، رغم حركة ذيلها الواهنة وسقطت في القعر.

اسماعيل. أريد شاياً آخر.

أستاذ.

كانت السمكات الثلاث تعوم بخفة في الماء الرائق، قريباً من السمكة الرابعة التي سقطت الى القعر من دون حركة. غير أن إحدى السمكات، الكبرى، أرجفت الماء في حركة عنيفة وفجائية، ثم نزلت الى القعر، وأدنت بوزها من السمكة التي سقطت في القعر منذ لحظة، ولبطت بذيلها وزعانفها، وأخذت تضرب الماء بشدة وتنطح الجدران الزجاجية.

- اسماعيل. السمكة

- ماذا بها؟

- هل ماتت؟

- يا محمد!!

تصالب اسماعيل قبالة الصندوق ونظر الى السمكة الصغيرة، كانت سمكة صغيرة جداً ذات عينين خضراوين لماعتين وفم يميل الى الاحمرار قليلاً، تصالب اسماعيل. وقع قدح الشاي من يده، وتقدم بطيئاً وهادئاً، كأنما كان في حلم، ومد كفه في فتحة الصندوق، وأرسلها في الماء الرائق، وأمسك السمكة الصغيرة وأخرجها، كانت ساكنة وناعمة تتخيل نفسها تعوم في فراغ، وأحس اسماعيل بها لزجة وطرية، وأدناها من شفتيه وقبلها.

-" استغربت حالها" قال اسماعيل.

- "هذه ترهات" قال موسى السكير.

- "قدمها للكلب". صاح صباح الحشاش.

- "لا تنس هذا". علق أحمد أبو الطيب.

استغربت حالها، وحق علي الصميدع. "من يستغرب حاله يموت من القهر". أكد اسماعيل وهو يدفع غطاء رأسه الى الخلف، قريباً من الصندوق الزجاجي الصغير، وكانت السمكات الثلاث ما تزال تلبط بشدة وتنطح الجدران، وضع اسماعيل السمكة الصغيرة على ورقة ولف الجسد الصغير اللين، الطري، اللزج، ودفع به الى مخزن الشاي والسكر.

كان صمت، والرطوبة خارج المقهى، والكلب تلمّظ، ودفع نفسه، أحمد أبو الطيب، في الشارع الفرعي باتجاه الكورنيش والنهر، وكان المساء يأتي.

كأس عرق، الحانة قاديشيا، الكأس السادسة، دخل موسى السكير وسلّم على أحمد ولم يجلس بل استدار بين الموائد، مائدة بعد أخرى، ثم غادر الحانة، كأنه لم يستمع الى ضجيج الحانة. كان موسى السكير هادئاً يمرق بين الموائد بخفة، كما كانت تلك السمكة الصغيرة، تداعب الماء برشقات من ذيلها القرمزي لتنط بعد ذلك مسرورة الى السطح، حيث تفتح عينين صغيرتين في هواء رطب.

مسح أحمد عرقاً متصبباً من رقبته وضحك لفكرة خطرت له على التو: لماذا أحمد أبو الطيب وموسى السكير.. لماذا لا يقولون أحمد السكير وموسى أبو الطيب؟ إنما استبدال الادوار عملية شاقة. ولعن نفسه. ومن أبدل دوره يا بن المفجوعة، أنت أم الاب أم الابن؟ من مدينة لأخرى (ها أنت في اليشن) ومن مقهى الى مقهى، ومن بار الى بار. فماذا جرى.. بل ماذا سيجري..؟ الخمرة آه منها، وأنت، أحمد أبو الطيب تف عليك. أتبصق على نفسك. تذكّر جيداً: كنت تقول من يبصق على السماء يرتد بصاقه عليه. الخمرة، آه منها مرفأك القديم. وكل الآمال السابقة.

- "مرحباً، أستاذ أحمد". قال شمعون البارمن.

- "السمكة الصغيرة ماتت". قال أحمد أبو الطيب.

- "سمعت ذلك من موسى" قال شمعون.

- "لماذا ماتت السمكة يا شمعون؟".

- "الماء. هذه الرطوبة. ماذا تقول أنت؟".

- "أنا. هل عندي ما أقوله يا شمعون؟".

- بدأت تسكر، أستاذ أحمد".

- "ورأسك لم أسكر، بعد".

- إذن، قل لي لماذا ماتت السمكة؟".

- "ورأسك أنت ذكي، أريد عرق". قال أحمد أبو الطيب.

الكأس الثامنة: أنت، أحمد أبو الطيب، ابن المفجوعة، تعرف السمكة الصغيرة، أنت السمكة الصغيرة، أنت. كان رأسه يثقل، ويثقل، وزحفت نحوه الأشباح. الأشباح خوزقته، والقيء يحاصره، والمكان كالرطوبة تماماً، والعرق آخ منه، العرق يفتح البوح حتى في مسامات جلده.

كأس أخرى: إنني السمكة الصغيرة: في الصندوق، في المقهى، في البلدان، في غرف الفنادق، في الشوارع أهبط، أهبط، أسقط في القاع، ممدداً وعارياً، أمام أنظار الحرس الليلي.

 

***
 


مقهى السعادة: دخل موسى السكير، بعده صباح الحشاش، وكان موسى يترنح. قال أريد شايا،ً والتفت الى أحمد أبو الطيب: رأيتك البارحة، كنت تسكر، وأنا أحلم في السمكة الكبيرة. كان أحمد ينظر الى الصندوق الزجاجي الصغير، حيث السمكة الكبيرة تدور قلقة في الماء الرائق. إنه حدث عابر، قال أحمد، وكان اسماعيل يقدم شاياً لموسى السكير.

- أبو عمران، خذ شايك.

كان موسى مستريحاً الى أريكة الخشب، فاتحاً ساقيه مسبلاً ذراعيه الى حصير الخوص، فاتحاً عينيه قليلاً، أما فمه فقد كان يطلق زفيراً حاداً.

- موسى، خذ شايك.

جحظت عيناه، وتوقفت السمكة الكبيرة عن الحركة القليلة، رآها أحمد، فقام الى موسى، وعندما وصل اليه، اندفع من موسى، من فمه بالذات، سيل من دم أسود، ومال الى اليسار وسقط على جنبه.

صرخ اسماعيل: مات موسى، وكانت السمكة الكبيرة قد كفت عن اللبط القلق وهبطت الى قعر الصندوق. قال أحمد: سمكة أخرى تموت.

صمت. كل شيء صمت. انسحب رواد المقهى. قتله العرق، قال صباح الحشاش، قتلته الغربة والقهر وحق علي الصميدع - قال اسماعيل. وظل اسماعيل وأحمد يتبادلان نظرات على موسى والسمكة الكبيرة التي كفت الآن عن الحركة نهائياً وسقطت الى قعر الصندوق الزجاجي.

غرفة في فندق: سأله الخادم.

أستاذ أحمد، الساعة السابعة والنصف، ألا تذهب للوزارة..؟

نظر اليه بعينين نصف مغمضتين وصرفه باشارة من يده. وعندما سمع الباب يصطفق اعتدل في جلسته على السرير ونظر في الغرفة. كان جسده متعرقاً برغم سرعة المروحة السقفية ورأى بقايا سهرة الليلة البارحة: أقداح العرق، والفاكهة الفاسدة ترى هل نام جيداً وماذا قال لها؟ لا يدري: كان في الشارع نصف سكران ورآها عند رقبة الجسر فأعجبه طولها وسألها: تذهبين معي؟ قالت: "إذا عندك مكان".

- هي ذي نائمة (يريد أن يقول مستلقية) على ظهرها، عارية ومتآلفة مع السرير الذي كان مدعوكاً ومضطرباً قليلا. تنفست. هي حية إذن. وتسرب الهدوء الى نفسه. كان جسدها أسمر، وثمة مناطق منه اصطبغت بلون أزرق عند فخذيها (في باطن الفخذين على وجه الدقة) وصدرها. تنفست. مد يده اليها.

- يا مريم.

لم تتحرك لكنها تنفست. يا مريم قومي. طلع النهار قد يسألون عنك. تحركت قليلاً. كانت الغرفة بلا ضوء ورطبة.

- تقول طلع النهار.

- نعم

- لا تهتم

- لماذا؟

- لا فرق عندي. سأروح الى غرفة أخرى.

- صحيح.

- شغلي، وأنت؟

- أعطيت نفسي إجازة. هل نمت جيداً.

- دائماً أنام وأحلم.

- بم حلمت البارحة؟
- لا أذكر.

نهضت من السرير، كان شعرها فاحماً انسدل الى الخلف ونهداها اندلقا الى الاسفل مثل سمكتين كبيرتين ماتتا للتو.

سألها: بم حلمت؟

- قالت لماذا تلح، دائماً أحلم وأنسى.

- لأنني أريد أن أتحدث.

- أتريد أن ننام.

- لا. أريد أن نتحدث.

- عن أي شيء.

- عن حلمك البارحة؟

نظرت اليه، إذ هي عارية، وقالت في نفسها "سأخترع حلماً من عندي، هذا رجل يحب الأحلام" قالت:

"البارحة في الليل، وجدت نفسي في قاعة كبيرة، وهناك رجل يقف في الباب. سألني ماذا تريدين يا مريم، قلت منذ ثلاثة أشهر لم أذهب مع من يشتهيني إلا ويقدم لي خمراً مع لحم خروف اليوم أريد منك سمكاً، وسأنام معك إذا وافقت. قال سأوافق شرط أن (ضحكت مريم إذ وجدت نفسها تجيد اختراع القصص. فسألها أحمد، أي وبعد) وقبلت.

- هل شعرت بألم..؟

- نعم واستيقظت وسمعتك تنادي عليّ ولم تتركني أستمتع. كانت سمكة كبيرة، ميتة وبعينين سوداوين.

صرخ أحمد:

- كفى.

ردت عليه:

- لماذا؟ أنت أردت أن أتحدث. ثم إن الأمر حلم في حلم…

كان في رأسه صداع. وكان الجو رطباً وحاراً، وهي عارية تنظر اليه.

- هه.. أكمل الحلم؟

- حلم. كل شيء تم في حلم. الرحلة الطويلة. الرحلة من البوادي والصحاري الى هذه المدينة اللعينة اليشن. كان علي أن أكون أكثر تيقظاً. وعليّ أن لا أمر عليها. ولكن المحذور وقع.

- أستاذ، أكمل حلمي؟

- كفى، اصمتي أرجوك.

أشعل سيكارة أخرى ونظر اليها، فرآها تعدل من وضع شعرها، وتحشر جسدها في ثوب من قطعة واحدة. قال: مريم اخرجي بسرعة ربما تداهمنا شرطة الآداب. ثم كمن لسع صفقت الباب خلفها بعنف.

تمدد أحمد أبو الطيب على السرير وافتكر: بعد ساعات أذهب الى مقهى السعادة، ثم أغمض جفنيه.
 

***


مقهى السعادة: كان ثمة صراخ وحركة مضطربة. ازدحام رغم الرطوبة الثقيلة في الشارع الفرعي، وسمع صوت سيارة إسعاف. بعد لحظات كان أحمد أبو الطيب قبالة مقهى السعادة.

صرخ اسماعيل: أستاذ أحمد مات صباح الحشاش من القهر على صاحبه موسى السكير.

دفع أحمد جسده بسرعة الى داخل المقهى، ونظر الى الصندوق الزجاجي الصغير فرأى السمكة الثالثة هامدة في قعر الصندوق، بينما السمكة الرابعة تدور وحيدة مضطربة في الماء الرائق، وتنظر نحو الأعلى كأنها تريد الخروج من الصندوق.

- نقلوا صباح في سيارة الصحة. وكانت تعوي وظل اسماعيل في الخارج.

- اسماعيل، أدخل.

- لا، أخاف أستاذ.
ما عليك، تعال، أدخل…

- لا أستاذ. أنا غريب ومقهور، مثل موسى وصباح والسمكات أخاف. أخاف. أستاذ.

حاول اسماعيل أن يستجيب لدعوة أحمد أبو الطيب، لكنه توقف فجأة وأطلق صرخة حادة واتجه راكضاً نحو النهر، فيما كان الكلب يدخل الشارع الفرعي بهدوء ويتوجه الى الظل قريباً من مقهى السعادة.

أدخل أحمد كفه في الصندوق الزجاجي والتقط السمكة الميتة ولفها بورقة ثم دفع بها الى مخزن الشاي وتراجع الى الخلف قليلاً، وجلس الى الكرسي الخيزراني في الزاوية اليسرى، وكانت السمكة الرابعة تنطح جدران الصندوق، وتقذف بجسدها الى الفسحة الهوائية الضيقة بين الماء وجدارالصندوق الأعلى.

المقهى خال، استمر أحمد ينظر اليها هادئاً وديعاً ومستسلماً: هل نستبدل الادوار.. أتقبلين أن تكوني أحمد أبوالطيب وأنا أنت…؟

المقهى خال، هدأت السمكة قليلاً، وأدارت جسدها بخفة وتوقفت بشكل أفقي تماماً، ورأسها يقابل جسد أحمد أبو الطيب الذي كان ينظر اليها ويدخن باسترخاء، والكلب في الخارج الرطب، الحار... يتلمظ.
 


بغداد
 

رجوع

 
   

 

 

 

Copyright 2007, www.jumalami.com.

Powered and Designed by ENANA.COM