تاريخ القتلة
 


كالمعتاد أيقظته أمه حوالى الساعة الثامنة إلا ربعاً صباحاً، ونزل من السطح حافي القدمين وأعطى جسده داخل غرفة الحمام للماء الذي كان بارداً قليلاً. وفي تمام الساعة الثامنة وعشر دقائق دفع جسده الى الشمس التي كانت تشرق خارج البيت الذي كان حتى الآن غارقاً في رطوبة الليل.

في الطريق تأكد من وجود علبة سكايره وقطع النقد في جيبه ونظارته، وأشار لعدة سيارات بالوقوف واستطلع الجانب الأيسر من الشارع حيث تنتصب عدة شجيرات من الدفلى وسط جو ترابي ملأه أطفال الحارة بالصراخ والركض خلف السيارات أو التحلق في دوائر صغيرة.

كالمعتاد وقف رأس الشارع وأشار بيده الى سيارة للركاب، لم تتوقف. جاءت سيارة أخرى مضت مسرعة. جاءت ثالثة. جاءت رابعة، جاءت خامسة وظل هو في مكانه عند رأس الشارع كالمعتاد يدخن وينتظر مقعداً خالياً في سيارة نقل خاصة.

بدأت حرارة الشمس ترتفع فأمسك بمنديله ومسح جبهته ثم خطا قليلاً باتجاه الجهة الاخرى من الشارع، لكنه في منتصف الطريق، عاد الى موقعه السابق ورمى سيكارته المشتعلة حتى منتصفها ا وأشعل غيرها، وعاود العبور الى الجهة الاخرى ووصل اليها فعلاً، وكانت سيارة قادمة تسير بشيء من السرعة أيضاً فأشار اليها فتوقفت فقال السائق إنه سيذهب الى ساحة "النهضة" فوافقه على ذلك وجلس مع الركاب.

بدت وجوه الركاب غير مألوفة. كانوا صامتين، قال في نفسه لا بد أنه حلم البارحة. وفعلاً كان الموقف يشبه الحلم الى حد بعيد.

***


قال العريف: انزلوا من السيارة.

ونزلت مع بقية الركاب الآخرين. كانت المنطقة خالية من الناس والأشجار والطيور والكلاب وبنات آوى، فاستغربت كيف وصلنا الى هنا، وماذا يريد منا هذا العريف. وعندما تبعثر الركاب في الساحة الواسعة كان صوت العريف يدعونا الى أن نقف بشكل خط مستقيم، وهذا ما حدث تماماً بعد لحظات.

قال العريف: المسألة عادية جداً كما ترون وأنها محض لعبة سوف لا تسيء اليكم، إنما المهم فقط ضبط الأعصاب والتفكير بشيء آخر أو على الأقل الثقة بإمكان ما سيحدث الآن قد يحدث بعد يوم أو يومين.

حاولت أن أنطق بشيء. تحركت. وكان بجانبي الأيسر رجل ضخم الجثة وعلى يساري شاب أطال سالفيه وارتدى بنطلوناً عريضاً من الأسفل، وثمة امرأة كانت تقف باتجاه الشمس فاتحة عينيها على سعتهما تحدق في الكرة الملتهبة بينما لاحظت في هذه الاثناء أن العريف كان ينظر إليّ فقط. إليّ فقط.

ناداني العريف: أنت تعال إليّ فقط.

لا أعرف كيف تم الأمر، فبمجرد أن خطوت الى الامام وقع على الأرض الرجل ذو الجثة الضخمة والشاب الذي أطال سالفيه وارتدى بنطلوناً عريضاً من الأسفل ثم لما هممت بالأقتراب من العريف سمعت أصوات ارتطام بالأرض لكني في هذه الأثناء وقفت أمام العريف.

سألني العريف: كيف تريدها؟

قلت: هي بعينها.

فرد: أتعرفها حقيقة.

أجبت: طبعاً، لقد كنت معها البارحة، وفي الصباح وقبل يومين.

فقاطعني: اصبر قليلاً.. أتريدها حسب الطريقة الجديدة.. أم حسب الطريقة القديمة.

قلت: لا. حسب طريقتي الخاصة.

ولما لم يقاطعني كنت أبتسم في وجهه ولاحظت أن عينيه تميلان للاحمرار قليلاً، يرتدي بدلة مرقطة، وثمة يندقية سريعة الاطلاقات موجهة ضدي، لكنني أبقيت على ابتسامتي، فيما أخذ يتفحصني بدقة، فلمس خدي وصدري وكنت أرتدي قميصاً يميل الى الزرقة الفاتحة، وأنتعل خفاً جلدياً بلون التراب.

حاولت أن أتساءل، بيد أن إشارة من البندقية السريعة الاطلاقات منعتني، ثم تقدم مني العريف خطوة وطلب أن أفعل مثله ففعلت وهكذا الى أن احتك صدري بصدره وأخذ يتقدم وأنا أتراجع حتى شعرت بظهري يستند الى جسد السيارة.. وعند هذا تراجع العريف وسحب أقسام البندقية سريعة الاطلاقات وضغط على الزناد فاندفعت طلقة واحدة واستقرت تحت الثدي الأيسر مباشرة تبعتها إطلاقات في الصدر، في البطن، في الرقبة، في العضد، في الساق، في منطقة.... ثم أخذت أميل الى اليسار حتى وقعت على الأرض.

كنت ميتاً، كنت مغمض العينين، بيد أني أبصرت العريف يمشي نحو جسدي حتى اقترب منه ففتح فمي، وأخرج لساني ثم جزه بسكين استلها من حزامٍ التفّ على وسطه وأخذ يمزق قميصي وبنطلوني وملابسي الداخلية، ثم دحرجني على الارض وأخذ يضحك عالياً.

كنت أشعر بطعم الدم في فمي. كان دمي حاراً ومركزا،ً وكان العريف يقف على مبعدة مني يضع شيئاً من الملح والفلفل على قطع من لساني المذبوح ليزدردها بنهم.

وفجأة تقدم بقية الركاب من جسدي. لا أدري كيف ومتى نهضوا، بيد أني لاحظتهم يرتدون نفس ملابس العريف، وكانوا يتقدمون نحو جسدي ببطء، فيما كانت أعينهم تبقر جسدي.

جلست المرأة قرب رأسي ثم امتدت على الأرض وأدنت فمها من فمي وقبلتني بحرارة بينما كنت أسمع جريان الدم من فمي الى معدتها وقام البقية بغرز أسنانهم في كل مكان ممكن في جسدي حتى العريف جاء معهم فأمسك بي من قدمي اليسرى وسحبني في الساحة العريضة الخالية إلا من هذه الكائنات التي التصقت أعضاؤها على جسدي كما القراد تماماً.
 

***


صاح السائق لاعناً السيارات: انزلوا من السيارة انفجر الإطار. نزلت مع النازلين الى الفضاء، كانت المنطقة خالية من الناس إلا بعض أكواخ من الطين مهجورة على مبعدة عدة أمتار وقد استغل بعض الركاب هذا التأخير، فاتجهوا الى حيث الأكواخ يتبولون بينما اتجه هو الى منطقة أخرى من الأكواخ في الجهة اليسرى تماماً.

التقط من جيبه سيكارة وأشعلها ثم أخذ نفساً عميقاً وتطلع الى السماء. والسيارة، والركاب، واتجه بعد ذلك ببصره الى أحد الاكواخ الذي بدا له من دون باب. فتقدم اليه على مهل واجتاز الباب قليلاً ووقف ساكناً وسط باحة الكوخ. في الجهة اليمنى من الكوخ كان ثمة مسمار علق عليه قميص عسكري مرقط تحته تماماً شاهد حذاء عسكرياً ثقيلاً، وعندما استدار ببصره الى الجهة اليسرى حملق في وجهه وجه رجل آخر رجل برتبة عريف يرتدي قميصاً مرقطاً يحمل في يده اليمنى غدارة سريعة الاطلاقات.

أراد أن يتراجع لكن العريف قال هامساً:

- لا تخف. إنها مجرد شكليات شكليات لا أكثر…

 


1972
بغداد
 

رجوع




 

  بحث

Search Help
 
 

 

 

 

 

 
 
 
 
 

Copyright 2007, www.jumalami.com.

Powered and Designed by ENANA.COM