التحوّل
 


في البيت كما في الشارع تظل حياته هي هي. دفق تأملات وزحمة أفكار. وعليه هذه الأيام أن ينهي كل مواقف الهدنة والصمت والتواكل، فقد بدت نهايات العذاب تضعه أمام حالات الخوف من البداية غير المتحققة.

وأمس، أي بعد عودته من جولاته في شوارع المدينة، ازداد شعوره بالحلم لأن الاشياء أخذت حالة من الفوضى والغموض، حتى طفله الصغير تكون بشكل يبعث على الدهشة، وهو لا يريد أن يصدق هذا، فقد نبتت شواربه بغتة، ولما يتعد الثامنة من عمره، حسب رأي أبيه.

قال الطبيب إنها سمة العصر، وقال الجيران إن القيامة اقتربت، أما هو فقد ظل ساهماً يستمع إلى الطبيب الذي كان يفسر ويبرر هذه التحولات.

قال لزوجته: ما الحل يا سليمة؟

انحنت كعادتها على طبق الطعام وأخذت تلتهمه، ورآها كبقرة وديعة في لحظة اجترار، ولما ألح عليها بحلقت عينيها وقالت، دعك من وجع الرأس.

ولم تكن المسألة في نظره مدعاة لجلب وجع الرأس، وقد قال له أصدقاؤه نفس إجابة سليمة. لكنه ظل يعتقد أن لأسئلته ما يبررها، فهو يريد أن يعرف الله.. متى كانت الأسئلة محرمة يا سليمة..؟ إلا أنها أخبرته أخيراً بكل ثقة:

إن عملي يحتويني كلية. لا أستطيع تفسير هذه الظاهرة. ويوماً بعد يوم أحس بالشعور المحزن ينمو ويتزايد. ولاحظ رفاقه في العمل علائم الشرود تترك آثارها على وجهه وعينيه، ونصحه بعضهم بالامتناع عن تناول القهوة والشاي، لكنه ظل يعمل كما يرغب هو.

وهذه الليلة، وكان ينام إلى جانب زوجته، أعاد في ذهنه بعضاً مما يذكره عن حياته: تزوج من سليمة وتدرج بوظيفته حتى أصبح معاون ملاحظ. وقد وصفه الناس في الحارة بأنه رب عائلة سعيد. كيف لا وقد جاء سعيد إلى دنياه أملاً في حياة جديدة؟

ومن هنا ابتدأت مشكلته، فقد كان ينظر إلى سعيد كوريث له.. لآماله وأحزانه أيضاً، وللرعب الذي يعانيه أخيراً. لقد اكتشف صادق حمدي مؤخراً، أن كل شيء يبتعد عن العدالة والحق، "الناس ينافقون كثيراً إنهم لم يعودوا أطفالاً".



من يوميات صادق حمدي
31-12
مع اسوداد الزغب فوق شفتي العليا تعرى الإثم. صارت شعرات لحيتي وشواربي ترعبني. ولما بدأت الحلاقة اكتشفت أنني أقوم بعملية تمويه. أنني أكبر. أنني سأموت بعد سنوات.

ضقت بهذا الموضوع كثيراً. وقال بعض زملائي في العمل إن المسألة لا تحتاج إلى إدمان التفكير، فهي مسألة اعتيادية جداً. لقد تعودنا وجود الشعر في وجوهنا كما تعودناه في رؤوسنا. وحتى زوجتي أخبرتني أن عدم وجود الشعر في وجهها لم يبدل في أمر نضوجها لأن ثدييها كانا يحكيان ذلك. وقالت لي –الليلة البارحة – صراحة:

إنك ما زلت تعيش في رحم أمك.

-/4/190000

كل الحكاية تبدأ منذ اليوم الأول. منذ اللحظة الأولى. هتفت الممرضة: ولد، ولد. هللت جارتنا السوداء، وذبحوا عند قدمي أمي خروفاً سميناً وقدموا لها بعد ذلك خبزاً مخلوطاً بالسكر والسمن الحيواني. كنت أصرخ.

وعندما يحتج الطفل لا يجد إلا الصراخ.

قالت الممرضة، كلهم هكذا، الأطفال، دوماً يصرخون عندما يواجهون حياتهم الجديدة. سمعتها وأنا أصرخ. بعد مدة تعبت فكففت عن البكاء. وفي المساء جاءت النسوة إلى أمي وألبستني ملابس خشنة. عندها تمنيت أن أعود للرحم.

بعد سنين، في بداية اسوداد الزغب، قال لي طبيب صديق، لمَ تنام وكأنك في رحم أمك.. تمدد يا أخي.. تمدد كمخلوقات الله. فقلت له إنني أريد العودة اليه.

وعلى فراشي مع زوجتي أخبرتها بذلك أيضاً إلا أنها أبدت اهتمامها بوضع طالباتها. وفي عملي لمحت لرئيسي عن مشكلتي فقال لي بود مشوب بالعطف والشفقة إن العمل ينسيك هذه الهموم، ثم أبدى استغرابه من وجود هذه التصورات، وحاول أن يقنعني بأن القضية طبيعية جداً وخاضعة لناموس خارج إرادتنا، وأن عملنا الخلاق هو التفاعل مع ذلك الناموس.

ولم أفهم منه شيئاً إطلاقاً..!!

-/6/-

هذا العالم أخرس.

هذا العالم أبكم.

هذا العالم أطرش.

هذا العالم دنيء.

من يعطيه البراءة والحلم…؟

-/-/-

فصلوني من عملي بعد الحصول على تقرير طبي يثبت جنوني. كتبت رسالة إلى البروفيسور الدي وقع على التقرير بدمي. فكتب مقالاً عني في إحدى الصحف اليومية وصفني فيه بأنني رجل أميل إلى الجريمة الجنسية.

يسقط الطب.. يسقط..!!
 

***


كل الأشياء تبدو معقولة وتحمل معها تفسيرها أيضاً. الشجرة هي الشجرة، وقد تعني شيئاً آخر، إلا أنها تظل الشجرة ذات الشكل الخاص والعطاء الخاص. فلمَ يصر زوجي على غير هذه الحقائق..؟ تحيرت معه.. وقال العديد من الأطباء، مسألته هينة، إلا أنه يعقدها وحتى أمه أخبرتني أنها جزعت من مصادماته العديدة معها. فهي تقول إنه رجل يخرج على الأعراف والتقاليد بدعوى أنه يتصرف كالأطفال… ويكره قذارة هذا العالم.

العالم قذر! أسمعتم؟ المجانين فقط يفكرون هكذا. وزوجي واحد منهم. لأن العالم يحمل معه منذ ولادته هوية انتصاره على الرعب الذي يعيشه، بفعل الإنسان…

ماذا…؟

ماذا قلت..؟ هذا ليس صوتي!

ولكن، عفوكم، اسمحوا لي، سأحاول مجدداً: على خلاف زوجي المجنون، أقول إن العالم عاقل، شجاع، لأنني لا أنقاد لحدسي – فأنا مدرِّسة الفيزياء في ثانوية الشرقية – والحدس شيء غير يقيني، وهو يبنى على أساس التصور والخيال. وخلاص العالم يكمن في تغلبه على خوفه الدائم.

ماذا قلت..؟ تغلب العالم على خوفه..! لكن هذه أيضاً أقوال زوجي المجنون..!

لكنني هذه المرة سأضع محاولتي الأخيرة. اسمعوا جيداً.. أرجوكم.. أنا علمية جداً: عالمي عدل ومسرة لأنه وثيق الصلة بالله. لأنه من عمل الله، والصانع يترك آثاره على مصنوعاته. وإذا أراد العالم الطهارة التي يفتقدها زوجي، فعليه أن يتجاوز مواصفات الفلاسفة.

ألم أقل لكم إنني قلت قبل لحظة إن الشجرة هي الشجرة..

ألم أقل لكم إنني مدرِّسة الفيزياء..!!
 

***


حبيبتي.

بين عالم أبي وعالم أمي أكاد أضيع. فلأني كبرت يصر أبي على عدم عدالة الوجود، ولأني كبرت تعتقد أمي بمعقولية العالم. وهذا هو الذي يقتلني. إنهما يريدان أن أكون كما يريدان. وأنا لا أريد أن يصنعني الآخرون إطلاقاً..!

قبل أيام قلت لعمي عنك، وطلبت منه أن يخطبك لي من أبيك. فصرخ أبي بوجه عمي:

- أنت تكذب – سعيد طفل.

فدافعت عن نفسي..

- أنا رجل يا أبي.

- لا تقلها مرة أخرى. أتفهم ذلك.

- نعم.

ماذا؟

- لأنني أحب صديقة لي وسأتزوجها قريباً.

آنذاك غشي على أبي. فقالت أمي، إيه استرحنا. نظرت إليها وأنا حزين من أجله، فقالت لي لا تسمعني ما يوجع رأسي وقلبي، سنرسله للمستشفى قريباً.
 


1964
سجن نقرة السلمان
 

رجوع




 

  بحث

Search Help
 
 

 

 

 

 

 
 
 
 
 

Copyright 2007, www.jumalami.com.

Powered and Designed by ENANA.COM