الغرفة
 


مؤكد أن هذه المدينة عمياء، وإلا فلمَ لا ترى هذي الأعداد الكبيرة من الجياد التي تخب في شوارعها ساعة قدوم الظلام..؟ اراهن على ذلك بسيكارتين من التبغ الأجنبي، وربما أزيد الرهان قليلاً فأجعله قنينة خمر. هذا إذا وجدت فعلاً – من يستطيع ويستحق الرهان.

أمس – وبينما كنت أدير بصري الى الجنوب، شاهدت الليل يقبل كطائر هائل، طير من تلك الطيور التي أراها يومياً، ويقترب من نافذتي الوحيدة المفتوحة على الجنوب، ثم ما لبثت الدنيا أن أصبحت سوداء. وإذ ذاك خطر لي أن أشاهد مقدمة الجياد التي كانت بدأت الدخول الى فم المدينة. صحت في البيت: الجياد.. جاءت الجياد. لم يجب أحد كالعادة. وسمعت أمي من مطبخ العائلة تغمغم، فيما حوافر الجياد تقرع خشب نافذتي الجنوبية، ويطل أحدها برأسه المستطيل فاتحاً منخريه والزبد يرغو على جانبي فمه.

الغرفة التي أسكنها تعج بأناس صغار بحجم الدبوس العادي. وهم عادة ينتظمون في حلقات للرقص – يحدث هذا في الليل أيضاً- وغالباً ما تقوم ملكتهم بنزع ثيابها أثناء الرقص، وبعد أن تتعب تجلس الى الأرض، تتناول آلة دقيقة تزرق ما فيها من سائل داخل عضلات عضدها الايسر (علمت فيما بعد أن هذا الذي تزرقه يجعلها تقاوم الشيخوخة). طبعاً هي التي أعلمتني ذلك مؤخراً.

قبل يومين كان النهار مشمساً. أدرت وجهي ناحية الجنوب ورأيت النهر. إنه النهر الوحيد في المدينة، وكان يبدو هادئاً، ساكناً لا يتحرك، فعلمت أن هذا زمن الصيهود، بينما مددت يدي اليمنى تحت الفراش، وكانت الملكة الصغيرة ترقد بهدوء، فأدركت أنني البارحة دعوتها الى تسليتي فقصت لي قصة عن الزمن القديم، وأني نمت بعد أن لمست صوتها وسمعت شعرها وتموج نهديها، وأعطيت نفسي للراحة. هنا أي في غرفتي، تبدو الحياة مسلية، إذ إن الاعتياد جعلني فقط أركز على ذهني، وأنظر الى الجنوب وقت الأصيل، فيما الليل حفلة كبرى تزدهر بالحكايات والأقاصيص والموسيقى والملكة المتعرية الملتصقة بصدري. إنني لا أنهض على الإطلاق. وقد فهمت هذا الوضع وقبلته أيضاً. أكثر من هذا وكما يبدو لي أحس أني أسعد حالاً من الناس الذين أراهم في الخارج.

في الخارج، في النهار دائماً، تبدو المدينة مزروعة بالاعداد الهائلة من الناس والسيارات والرافعات وأعمدة النور وباعة الصحف والرجال الأذكياء والفتيات اللواتي تدربن على رفع التنورة فوق الركبة بعد الخروج مباشرة من الدار. أما الليل فهو غرفتي، وأصدقائي الصغار، والجياد.

قبل ثلاثة أيام هرب هذا الجواد مني – كان جواداً أبيض على جبهته غرة سوداء، لا يخفض رأسه الى الأرض – فأدركت أني أتعامل مع جواد غريب، ربما يشبهني بشيء ما، وكان أن عرفت بعدئذ أن ذلك الجواد الابيض الذي بغرة سوداء على جبهته، قد استحال الى ما هو عليه الآن بعد أن كان في زمن سابق بشراً جميلاً.

بالنسبة لي الحكاية عادية، وربما لها علاقة بارادة الانسان، بيد أن الملكة ملكة الناس الذين بحجم الدبابيس القاطنين معي في غرفتي – أخبرتني ذات يوم لم أعد أتذكره جيداً، أن ذلك الجواد هو ابن جميل لإحدى الملكات السابقات من عائلتها، وهو إذ يأتي إلى نافذتي مع قدوم الليل، فلأنه يريد أن يكفر عن خطئه ويعود الى أهله، وأذكر أنها قالت لي: إنه نادم.

نادم..؟

ولم أفقه شيئاً على الاطلاق.

وأضافت: إنه منفي قابل بنفيه بعد نفي أهله له.

منفي..؟

(وقلت مع نفسي إني أفهم كل شيء).

قبل أربعة أيام فكرت بأهلي وتساءلت هل إن ثمة جياداً وإناثاً صغاراً لهم علائق مع أهلهم مثلما لي من هذه العلائق مع أهلي أنا..؟ لكني بعد لحظات نسيت كل شيء ومع ذلك فأنا ما أزال مع أهلي، ويعودني ذويّ مرة بعد ذهاب الليل، فقبل أربعة ايام على ما أتذكر، وعندما ذهب الليل واختفت الجياد وعاد الناس الصغار إلى كوى غرفتي، دخلت عليّ أمي مسرعة وسحبت من تحتي قطعة إسفنج – لا أدري لمَ وضعوها- ووضعت على منضدة صغيرة، قرب النافذة، قطعاً صغيرة من الطماطم والجبنة، ورفعت إناء لم يمسه أحد، أعتقد أنه كان يحوي بيضة مسلوقة وكسرات من الخبز.

كانت الأم خائفة. وكما بدا لي حينها، فإنها وضعت كفها على أنفها وفمها وأخذت تسعل بشدة.. أعتقد أن هذا المشهد دفعني إلى أن أصيح خلفها:

- أمي العزيزة.
كانت قد اختفت خلف الباب. ولما أعدت ندائي سمعت كلمات مبهمة، وامتدت أصابعي إلى الملكة تحت الغطاء، وأردت أن أناديها مرة أخرى، فسمعت الملكة تضحك، غير أن كلمات مبهمة أخرى دخلت أذني، وإذ ذاك صرخت:

- أمي العزيزة.
كان صمت خلف الباب، والنهار انحرف نحو جهة ما، وأنا ربما للمرة الأولى أحس أن سريري، أغطيتي، جسدي، بحاجة الى مس خفيف من أصابع تلك الأم. وربما أردت أن أبكي أيضاً، فأنا لا أعرف لمَ أنا هنا، ومتى وضعت هنا، ومن الذي وضعني هنا، والى متى سأظل هنا.

لكن الصمت الذي خلف الباب دخل غرفتي واستوت المرأة أمامي مرتجفة الأطراف، ينخفض صدرها ويعلو، وفي عينيها لاحظت اتساعاً كاتساع عيني الجواد الأعجف الذي ارتطم بحائط غرفتي ذات يوم وسكت إلى الأبد.

وحاولت أن أتحرك..

لم أستطع.

وشدتني الملكة إليها، وكانت قوية يافعة.

بيد أن وضع المرأة التي تعودتها أمي كان يلزمني بأن أضع يدي حول رأسي وأنخرط في بكاء.

قبل سنوات لا أستطيع تحديدها، كنت طفلاً يحملني والدي على كتفيه، في الليالي القمراء، حيث المدينة الهادئة كهدوء غرفتي، والقمر يمشي فوق رأسي، مثل كرة صفراء تود أن تسقط إلى الأرض، فأسأل أبي عنه، فيخبرني أنه مشدود بخيط طويل طويل، في طبقة السماء الرابعة، يمسك به طفل صغير، يمتطي جواداً أبيض له غرة سوداء على جبينه، يدع الخيط يتدلى ببطء، حتى يقع في حضني، وكنت حينها أقول لوالدي إن القمر ينتظرني أنا لا سواي، وإنني كل ليلة أرى عدة جياد تطوف حارتنا، جياد عجفاء أثقلها الجوع والحزن، فيضربني والدي على قفاي ويزجرني:

- كفّ عن هذا الكلام فلست بيوسف.

وقبل سنوات بعد عشقي القمر، أخذني أبي الى بناية كبيرة علمت أنها تدعى: مدرسة، وهناك صاح في وجهي رجل ضخم الجثة: أنت اسمك يوسف، ولكننا سندعوك نوحا . هذه أنظمتنا. عليك منذ الآن نسيان اسمك القديم، وتصدع بالتحية عندما أمر من أمامك أو أنادي عليك. ليس هذا فقط، فنحن هنا نتعامل بالأرقام ورقمك هو:10987654321.

ولم أخسر شيئاً، فماذا يهمني الاسم؟ وهل صحيح أني يوسف أو نوح أو جمعة اللامي أو الرقم 10987654321… أو هل هو أمر حقيقي أني مرتبط بأمي وبأبي وبالعائلة والاخوال والبارات والرافعات وأعمدة الكهرباء والفتيات اللاتي تعودن رفع التنورة ساعة الخروج من الدار…؟

قبل سنوات، أي بعد أن دخلت المدرسة وأمضيت فيها زمناً جاء المدير الضخم (بالمناسبة ما معنى كلمة مدير) وقام الطلاب ولم أقم. لا أدري لمَ لمْ أقم: لقد تم الأمر كما هو ودون أي جهد مني.

قال المدير: أنت نوح.

قلت: لا. لست نوحاً.

قال المدير: وكنت يوسفاً.

أجبت: كلا

احتد المدير: أنت رقم.

قلت: لا أعرف شيئاً تتحدث عنه.

صرخ المدير: أنت جمعة اللامي.

قلت: لا هذا، ولا أي شيء آخر.

تساءل المدير: أتعرف أنظمتنا؟

قلت: ما معنى "أنظمتنا"؟

قال المدير: أنت فاسد.

قلت: مثل بيضة.

بعد ذلك أخرجوني من الفصل، أخرجوني من المدرسة، وجاء أبي إلى البناية الكبيرة، كان سخام على جبهته. وضعوني في البيت، وضعوني في الغرفة. وفي الليل تكاثرت الجياد العجفاء ودخل الأب غرفتي وهاجمني بعصا غليظة، ولما حاولت الصراخ، فتحت نافذتي الجنوبية بعنف وأطل منها رأس جواد أبيض بغرة سوداء على جبهته، فانهزم أبي وظل الجواد ينظر إليّ بعينين دامعتين.

ولست أدري ما حلّ بي بعد ذلك. لم أستطع النهوض.. الاسفنجة تبدل في فترات. بدأت أحس فقط الليل والنهار، الإناء الذي في أول النهار. والجياد والناس الصغار والملكة في أول الليل.

إنني أسمع أبي، في ليال سحيقة في القدم، يتحدث إلى أمي عني فأحس بالخجل، وأسمع الاصوات العالية في النهار فأضع القطن في أذني، وفيما يجيء الليل كطير أسود هائل أدير بصري إلى الجنوب حيث قطعان الخيول تدخل المدينة عبر الرابية التي تواجه النافذة، فتقوم الملكة الصغيرة بجمع قبيلتها ويبدأ الرقص حدّ التعب، ثم تقفز إلى سريري وتضع رأسها الصغير على صدري وتحدثني عن زمن قادم، زمن كله خيول وأناس صغار يرقصون دون ضجة، في غرف مثل غرفتي التي هي سلام.

 


1972
بغداد

 

رجوع




 

  بحث

Search Help
 
 

 

 

 

 

 
 
 
 
 

Copyright 2007, www.jumalami.com.

Powered and Designed by ENANA.COM