اهتمامات عراقية
 


قراءة جديدة
أيها المؤمنون…

أسرعت الجياد فوق رمال الويلات. وعرف – كما أنبأه جده – أن السر الذي وعد به سيتحقق خلال هذا اليوم فقط، فربت على عرف جواده ومال إلى أنصاره وآل بيته، فرأى الدموع تبلل لحاهم ومع ذلك فهم يبتسمون، في حين بدت طلائع "الحر" كالأشجار البعيدة ساعة القيلولة..

حاور الرجل نفسه وجدّه: ها إنّ الوعد اقترب، وبي شوق يا جدي للقياك

كانت الشمس فوق رأسه تماماً.

كانت الصحراء تحمله فرحة بالدم العبيط الجديد.

كانت أخته ساهمة – وعد الجد وعار السبي، أيتها الحوراء.

صوت: ماذا تكتب؟

المؤلف: قصة.

الصوت: لكنها ليست البداية. أنت تعيد تاريخاً!

المؤلف: إني أكتب عن الحسين، ألا يسرك؟

الصوت: دعني أسمعك أغنية:

"يُمّهْ يعبد الله،

ذِبحوك بحضيني.

واسمع جناجيلك،

ما غمّضت عيني.

جدك أبو الحسنين،

جدك رسول الله!".

- يبدأ الصوت بالخفوت تدريجياً حتى يغيب عن سمع المؤلف.

يبدأ المؤلف بترديد الأغنية كصبية الحارة تماماً..

وقفنا في رأس درب من دروب "حارة الماجدية" نبحث عن ذلك الصبي الصبوح الذي سيكون شبيه (الحسين). خرجت أمي الى الدرب وقالت الحسين مات. مات الحسين. وستنهكون عيونكم بحثاً لأن الصبي الصبوح الذي يشبه الحسين ما وجد بعد فهو ما يزال نطفة في ظهر الرجل القادم الآن من الشرق.

متى نجده إذن؟

من يدري…

وإذ أفكر في هذا، أبدأ بالصعود من الماضي وأتجاوز الحاضر لأرتبط بالمستقبل وأعيش مع الرجل القادم من الشرق.

فوق رمال الويلات يجيء الرجل القادم من الشرق، يتذكر الأغنية التي رددها المؤلف قبل قليل، ويحط على رمال الصحراء عند مربض الجواد الذي ما ترك فارسه حتى بعد مصرعه.

يميل الرجل الملتحي إلى أنصاره الذين ما اهتدوا بوقع خطى جواده بعد ويبدأ بمخاطبتهم: "… أيها الفرسان الذين تعيشون في ماضيّ، إياكم واللحاق بي، فأنا لا أقدم لكم إلا الموت، عودوا إلى زوجاتكم فأنا أذهب الآن إلى أدغال بوليفيا".

هي نفس الطرق الموحلة يا سيدي، وقلبي هزه الشوق اليك. المستقبل أنا، ولكي أدخل بردتك الواسعة دعني أمارس ضعفي القديم فليل الكوابيس والجدران وشتاءات البرد وعواصف الرمل الخريفية ما تزال تعيش في دمي.

نفس الطرق الموحلة يا سيدي…

وأنا ابنك الذي خبّ بلا سرج وسط الحالوب ومعاطف الشرطة، أجيء أرض الويلات للمرة الأخيرة.

هبني يديك!

الصوت: وماذا بعد..؟

المؤلف: لا أدري.

الصوت: التأريخ روى ما روى. أنت لست كاتباً جيداً. أنت تعيد ما قالته الكتب الصفراء وما بكى من أجله القراء فوق المنابر السود الحزينة؟

المؤلف: إياك وحديث المنابر. الحسين في دمي. الحسين-دمي.

الصوت: دعني أسمعك أغنية:

- يبدأ غناء غريب. وفي هذه اللحظات يرجى من القراء الالتفات أو عدمه إلى هذه الملاحظات:

"يمّه يعبد الله

ذبحوك بحضيني

واسمع جناجيلك ما غمّضت عيني

جدك أبو الحسنين جدك رسول الله".

وهذا "حزن شعبي" يقول الصوت:

"… سُودَهْ شلهاني

ما رحت ويّه هْواي

و-الحرّ-يزاني

طحت بْديايْ المايْ..".

- يشارك المؤلف بتردد المقطع الثاني من الأغنية، وللقراء الاختيار بترديد الأغنية أم لا، فذلك ليس من همّ المؤلف إطلاقاً:

"حالكْ شْلونَهْ

يِنشدني البطران

هَمْ ينشدونهْ..،

إلطايرْ عليهْ المايْ..؟

- يختفي صوت المؤلف نهائياً. يكتفي بالتفرج، يظل الصوت يردد الأغنية ثم يتوجه للقراء:
 


"سيداتي وسادتي..

الحكاية وما فيها ان السيد المؤلف يريد أن يكتب قصته. كان متأزماً ولم يسكر البارحة كما تعوّد. ذهب قبل أيام الى النجف ثم عاد وفي ذهنه بعض صور الموت والفجيعة وردد أمام أمه أنه أصبح الآن مسيطراً على وعيه. كان يفكر باستشهاد الحسين منذ صغره. ورغم أنه لم يلطم صدره في عاشر عاشوراء فقد رأى القمر يسقط على الموكب فخاف منه واحتمى بحضن أمه وظل صامتاً لشهر.

قالت أمه: أهو حلو كما يقولون؟

-: إنه القمر.

قالت أمه: ولحيته.. أكانت شقراء كما يقولون؟

-: إنه يسير في كل الاتجاهات.

قالت أمه: أنت طفل يا جمعة، ويحسن ألا تكذب!

-: أردفني جواده. مشينا على رؤوس الناس. وقال لي يا ولدي ستموت بنار عشيرتك أوصيك بنفسك كن حاضراً كما الهواء.

- يتابع الصوت
بعد ذلك ذهبوا بالصبي الصغير إلى أحد (السادة) الذي بصق في فمه، ووشم خاصرته اليمنى بوشم الحسين المعروف.

 

***


الرؤوس والنهر…

برغم أننا حملنا الصحارى على أكتافنا فقد تهنا:

كان ثمة بحر من الرمل يجتاز الوادي المحاط بسلسلتي تلال لا تكاد تلمس الفرق بين ارتفاعيهما، فوقه تماماً طفت بيوت القصب والبردي، وحيث الأطفال يُسيّرون الزوارق الورقية فوق سطح الماء ويرددون:

"يمه يعبد الله

ذبحوك بحضيني

واسمع جناجيلك

ما غمضت عيني

جدك أبو الحسنين

جدك رسول الله".

ما ردد الصغار الانشودة عندما شاهدوا سفن عامل الخليفة تخترق النهر صاعدة الى مركز الخلافة. كانت السفن تحمل رائحة الصحراء والدم المتيبس في أسفل الأعناق المبتورة.

ثلاثة رؤوس:

على القنوات مشرعة،

رجل ملتحٍ، من بين الرؤوس،

كان يبتسم للأطفال المذعورين.

هكذا سارت القافلة:

سفينة الحماية. بعدها سفينه عامل الخليفة. ثم سفينة الرؤوس الثلاثة. وكانت الرؤوس المصلوبة تنوح ولم يسمع نواحها العامل الذي اعتمر رداء الخلافة ولا الجند الذين سكروا بخمر الرقع. الأطفال فقط هم الذين سمعوا أناشيد الرأس المصلوب ذي الوجه الملتحي.


كبر الصغار

رفعوا هَمّ الصحارى على أكتافهم وهزجوا بأناشيد الحزن والحب والقتال.

الرأسان الآخران كانا يبكيان. والرجل الذي اعتمر رداء الخلافة يبتسم في انتظار ليلة حمراء مع الجارية القبطية الجديدة. حكى الأطفال لذويهم عن حوار الرؤوس الثلاثة. كبار الرجال أقفلوا أفواههم. أما الشباب فتناقلوا الحوار بهمس:

قال الرأس الأول: لقد ضعنا.

قال الرأس الملتحي: أشهد أن الزنج آتون.

قال الرأس الثالث: الأطفال يغنون وهم كبار.

قال الرأس الأول: تهت.

قال الرأس الثالث: أبحث عن الوجه الذي أكونه بعد أن يجلدني الخليفة بعصاه الذهبية.

قال الرأس الأول: لقد متنا.

قال

الرأس

الذي

هو الوجه

الجديد:

الأطفال يغنون،

والموت بداية التجدد.

الفجيعة – الندم – البدء

أعلنت الأبواق لحظات الندم والفداء..

ضرب الأطفال هاماتهم بسيوف الخشب. أما الكبار فقد التمعت الصياقل على رؤوسهم وتخضبت أكفانهم بدموع الحسين ودماء الندم.

حسين: الأبواق تصرخ كالثكالى.

حسين: الطبل يبكي ويستعذب ضرب العصا على جلدته الواهنة.

حسين: صخور الصحن المقدس تردد مع الناس المنذورين للموت والفجيعة حشرجات الروح.

تقدم رئيس الموكب إلى ضريح الإمام. آلاف الناس صامتة، والسيف يجد لذة غريبة في الوقوع على الجرح النازف، ورئيس الموكب يتقدم قوياً الى حيث الضريح.

يخاطب علياً:

"أنت أيها الشجاع تدع ابنك يموت وسط رمال الويلات بلا رمس، تدوس الخيل صدره، وتساق الحرائر الى حرم الطاغية… ولقد وعدتنا بالرجل الشرقي القادم من جبال الشرق على جواد أصيل تتبعه جحافل المحاربين من كل جنس ولون ولغة.. وما أتى الرجل يا أميري..

إننا عاتبون عليك…"

واحسيناه

يسيل الدم،

تجأر حتى الحيطان.

آه ما أحلى لذة الحزن والندم.

يطلع الحسين من على منارة أبيه، رجلاً شرقي الملامح، ملتحياً، علم في يسراه وسيف في يمناه، وخلفه مجاميع من الناس العراة يقبضون على السيوف بأيديهم وأسنانهم، وينتظرون إشارة القائد الذي يبدو حزيناً.

يرفع ذراعه اليمنى، ذات السيف، إلى الأعلى ويخاطب الناس. إلا أنهم منشغلون عنه بطقوس الندم والفجيعة، يرتد إلى صحبه الذين بجواره ويقول لهم إن أعوام الصحو لم تأتِ بعد.

يستدير… فتتبعه الفيالق.

ويستدير قوس الندم والفجيعة حول الصحن أيضاً: مع الفجيعة الأولى، عندما حملت الرؤوس الى الشام، أصبح الناس ينتظرون فواجع أخرى. ولم يكن الفرات هو النهر الوحيد الذي سمع عطش الرؤوس. كان دجلة هو الآخر ينوح عندما مرت سفن العامل العباسي في مياهه تحمل رؤوس قادة الزنج الثلاثة:

- ملاحظة من المؤلف: أجد من المناسب الآن الالتفات الى ما يطرحه "الصوت" الذي أضجرني كثيراً.

الصوت: يفكر المؤلف الآن بذلك المسلم الذي يدعى (ميثم التمار) ويود أن يشركه في هذه القصة، إلا أنني حاولت منعه فقد كنت أعي أن كتابته عنه قد تحرك في نفسه ميوله القديمة للانتحار.

وها هو المؤلف قد أقبل، بعد أن كان يراقبني ويراقبكم.

:- أنت مرة أخرى؟

الصوت: لا يهم. يجب أن تكف عن الكتابة، وتكتفي بالتفرج فقط.

-: لماذا؟

الصوت: الكتابة لا تفيد. عش الصمت والعزلة.

-: هكذا اجتهادك. إني أبحث عن الحب والاستشهاد.

الصوت: إنك تورط نفسك. تكتب عن الحسين بروح فوضوية.

-: أنا رجل أبحث عن ورقتي الخاصة حسب.

الصوت: إنك تهذي فقط.
 


ملاحظة للقراء الذين لم يضجروا حتى الآن
قد تستغربون – عفواً أنا المؤلف- من شدة التصاق الصوت بي. على أية حال فهذا ليس ذنبي. إنه يحبني للدرجة التي يظلمني. إنه يريدني عجينة قديمة تجاوزتها منذ زمن. والماضي عندي ملغى تماماً.

ها هو الآن – بعد أن قرأ كلماتي – يلح عليّ ليتحدث إليكم:

الصوت: لا. بدأ المؤلف يخرف حقاً. أو بمعنى أكثر (علمية) ووضوحاً أخذ يلعب لعبة غير أمينة، فهو أولاً جركم معه إلى حديث طويل – يسميه قصة.. هه؟ فأنساكم بعضاً من مشاغلكم اليومية، وهو ثانياً حقق شيئاً ضدي إذ قتلني في نفسه نهائياً.

تستطيعون أن تتساءلوا: لمَ جزّأ القصة كما ترونها الآن.. ألا يستطيع أن يروي قصة مقتل الحسين (ع) كما رواها أبو مخنف رحمه الله..؟ هو يضحك مني الآن وأنا أعرف لمَ يضحك.

دعونا نتصارح: هذا الكاتب مختل الذهن تقريباً، وهو يريد من خلال جنونه أن يطرح الحسين كشهيد.

أو.. هل صحيح أنه كتب عن الحسين..؟

أنا أشك.

اقرأوا القصة مرة أخرى ثم تساءلوا: لماذا يتعب جمعة اللامي نفسه، وقرّاءه هكذا..؟


 


1965
سجن نقرة السلمان

 

رجوع




 

  بحث

Search Help
 
 

 

 

 

 

 
 
 
 
 

Copyright 2007, www.jumalami.com.

Powered and Designed by ENANA.COM