ساعات من زمن الآتي حكمة الشامي
 


ملحوظة مهمة: "يتعين عليّ أن أوضح بعض أمور غامضة من هذه القصة، فأقول إن حكمة الشامي رجل حقيقي جداً، كان عليه من 14/3/1963 أن يتصرف ويحسم زمنه بالشكل الذي تقرأونه…".

المؤلف



- الساعة الواحدة صباحاً-

كل شيء تم بهدوء. فقبل أن يضع رأسه على وسادته التي طرز حواشيها في السجن قبل سنة، كان قد انتهى من كتابة الرسائل الثلاث التي ترقد تحت الوسادة الآن، بعد أن ذهب إلى الحمام واغتسل جيداً، وارتدى ملابس داخلية جديدة.

ولما عاد إلى فراشه لم يقم بأية حركة وظل واقفاً في مكانه، في منتصف الغرفة تماماً، حيث تنتصب قبالته على الحائط، صورة لأخيه عندما كان صغيراً، وإلى اليسار منها كانت صورة الإمام علي، فوقها ضبطاً وضعت أمه (عوذة) داخل جلد أسود مدبوغ دباغة جيدة.

أراد أن يقول شيئاً، لكنه رجع بكل هدوء إلى غرفة الحمام، فسمعه أخوه الصغير يتقيأ.

- حكمة – يا حكمة، ما بك؟

وأحس بعدم رغبته في الإجابة، إذ هو في مثل هذه اللحظات لا يمكن أن يخيب ظن أي كائن. فرد على أخيه.

- أتقيأ.

- لماذا؟

- لم أكتب رسائل كافية.

- أنت ما زلت تتقيأ. حاول أن تدلك رقبتك بالماء البارد.

- إني أعرف ما بي، حالة عارضة.

- سمعتك تتحدث عن رسائل؟

- بلى تحدثت عن الرسائل.

- لم أفهم؟

- أنا أفهم.

- هل شعرت بتحسن الآن؟

- لقد برئت تماماً.



- الساعة العاشرة صباحاً-

حافية القدمين وقفت عند سريره، ثم جلست إليه ومررت أصابعها بين خصلات شعره التي بلون الحناء، وقبلت جبهته. فأحس بشفاهها الباردة تخفض من سخونة جبهته وخده فمال إلى جانبها وأمسك أناملها الباردة ووضعها فوق صدره.

- أمي، أريد أن أنام طويلاً.

انحنت على صدره وقبلته فيما بين عينيه فوضع ذراعه اليمنى على كتفها اليسرى، فأحس بارتخاء في ظهره وفخذيه، ورأى الحبل يتدلى من سقف الغرفة المجاورة، فتقدم إليه ولمسه بود ومرره على جبهته وشفتيه وهو مغمض العينين، ووزع الرسائل على فراشه.

قالت المرأة: لقد عرفت.. أنت تحلم!

قال: لا. إنه أمر حقيقي.

قالت أمه متوسلة: لكنه مخيف!

قال حكمة: لا. إنه أمر حقيقي.

ومتوسلة مرة أخرى: أنت تعرف كم أحبك.

قال حكمة: هذا أمر أعرفه جيداً.

قالت المرأة: إنك تمزح.. لا تفعلها.

قال حكمة: أنت تعلمين، أني حقيقي دوماً.



- الساعة العاشرة مساءً-

]المكان: بار كاردينيا المطل على نهر دجلة.

الاشخاص: محقق، شرطة، هرمز، والد حكمة الشامي، فراج، زبائن… يدخل المحقق إلى البار يتبعه الشرطة ووالد حكمة ويجلسان إلى طاولة فراج، في حين يظل الشرطة واقفين ويستمر الزبائن في مزاولة عملهم المعتاد[.

أبو حكمة: هذا هو فراج.

المحقق: أنت إذن فراج؟

فراج: (يتناول كأساً) .. نعم.

المحقق: أتعرف حكمة الشامي..؟

فراج: صديقي ]يصمت-ويقدم إليه كأساً[.

المحقق: شكراً. ما زلت في الواجب.. أريد أن أسالك: متى رأيت حكمة الشامي آخر مرة..؟

فراج: (مستغرباً) لمَ؟

المحقق: (مداهناً) إنها مجرد أمور روتينية. وأنت كما أرى تعرف ماذا حدث لصديقك الشامي منذ ساعات.

فراج: (كالحالم) قبل يومين، كان معي هنا، يحدثني عن سفره، الموعود لوجه الله، وقال لي: يا فراج، لقد اقتنعت بما أنا عازم عليه، وما يهمني ما سوف يقولون، وأوصيك أن تمر في شوارع بغداد كل مساء فأنا سأكون في تلك الدروب، حافياً، عاري الجسم، أسير مع الذين ماتوا، نراقب الذين يزحفون نحو موتهم (يصمت، يتناول شيئاً من كأسه، ويستطرد): لقد كان هرمز واقفاً الى حانبه.

المحقق: هرمز؟ من هرمز هذا؟

فراج: يبدو أنك لا تعرف هذا المكان وهرمز؟

المحقق: طبعاً لا، ولكن أين هرمز؟

فراج: إنه يعمل هنا (مشيراً إلى منضدة خشبية) ذلك هو.

المحقق: (لأحد الشرطة) نادِ المدعو هرمز فوراً (يستمر بمخاطبة فراج): حسب ما علمت أن حكمة الشامي شاب جيد وطيب (يبكي أبو حكمة) لا تهتم (مشيراً لأبي حكمة) إنه القدر المكتوب، ولكن قل لي هل كان يتعاطى المخدرات؟

ابو حكمة: لست أدري. يشرب فقط. يشرب حدّ السكر.

"يحضر هرمز"

هرمز: نعم سيدي.

المحقق: أنت هرمز..؟

هرمز: نعم سيدي

المحقق: أتعرف حكمة الشامي؟

هرمز: من سنوات وهو يتردد إلى هذا البار.

المحقق: صفه لي!

هرمز: من الأرض جاء. غرة في جبينه، صامت حتى في كلامه وهادىء في صخبه، أبيض اللسان والقلب، تتجه عيناه الى دروب ابن الله.

المحقق: هه.. وماذا بعد؟

هرمز: لقد كان هنا منذ ساعات يرتدي ثوباً أسود، وعلى عينيه نظارة.

المحقق: ماذا قلت؟

هرمز: قبل ساعات كان هنا إلا أنه لم يشرب.

المحقق: (مستغرباً) وهل حدثك؟

هرمز: أي نعم.. حدثني طويلاً.. عن.. آه.. يا للعذراء.. لقد نسيت، نعم حدثني بالتأكيد عن رجل.. ماركس.

المحقق: لا تكن سخيفاً، هل هذا اسم قريتك؟

هرمز: لا يا سيدي.

أبو حكمة: (مقاطعاً) هذا هو العالم الجديد الآتي من زمن العنف.

فراج: (كالحالم تماماً) هذا هو العالم الجديد الآتي من زمن العنف.

المحقق: ليس هذا وقت مزاح (يبدو عصبياً) أين تقع قرية ماركس هذه؟

فراج: "حزيناً ومخموراً بعض الشيء".. ومتى استطعنا أن نمزح؟

أبو حكمة: (متضايقاً) يا سيدي المحقق، هذا، أعني ماركس، رجل فكر وله مؤلفات.

المحقق: لقد أرحتموني، إذ يجب عليّ أن أشتري مؤلفاته البوليسية.

فراج: (محتدماً) أية مهزلة هذه؟ (ساخراً) يا سيدي المحقق قل ما تريد مني، فحكمة الشامي ينتظرني الآن في دروب بغداد.

أبو حكمة: فراج، يا ولدي، كن متزناً فلن ترى حكمة الشامي بعد الآن، لن تراه.

]في هذه الأثناء تعلو صيحة الزبائن وتختلط كلماتهم بكلمات موسيقى وأغنية لأم كلثوم، غير أن أحد الزبائن يرفع صوته عالياً ويأخذ بالغناء ويتحدث فراج إلى المحقق هرمز وأبي حكمة[.

الزبون: (مخموراً) لعبة. كنت طفلاً. كبرت. ثم قرأت، وعرفت. ما بعد هذا. أنا لا أعلم إلا أن الساعات القليلة الماضية عرفتني بنفسي.

"تعلو ضجة الزبائن في حين يظل الزبون يتحدث ولا أحد يسمعه".

زبون رقم (4): أحب أشوفك كل يوم (يغني ويبكي).

زبون رقم (7): دعوا الزبون الأول يستمر (لا أحد يستمع إليه).

"تبدأ الضجة بالخفوت تدريجياً حتى يخيم الصمت على المكان".

الزبون: (مستمراً) لا شيء لديّ لقد قلت كثيراً هذا المساء.

فراج (مواصلاً حديثه): وأعتقد أنكم تعرفون حالة حكمة الشامي جيداً.

يا سكارى المدينة.. أجيء كالحلم، وأمرّ على بيوتكم، وليس لي إلا الحب أوزعه عليكم، فلقد أماتني أن أراكم متفرقين، أماتني أن أراكم كالشياه "ولقد ملأتم قلبي قيحاً" فقتلت نفسي من أجلكم.

وها أنتم كما كنتم ما زلتم تبحثون عن الحب تحت المناضد وبين أغلفة الكتب. إنكم عميٌ لا تبصرون.

المحقق: (متعب) نعم. إنه كما تقول وليس في الأمر جريمة.

هرمز: سأذهب يا سيدي، وإذا جاء حكمة الشامي سأنقل لك رأيه.

المحقق: بكل تأكيد، بكل تأكيد.

أبو حكمة: عليّ أن أذهب أنا أيضاً.

فراج: لا يا عم، ابق معي.

المحقق: (كمن يخاطب نفسه) لقد انتهت المهمة (للشرطة) هيا للمركز.

"يغادرون البار".

أبو حكمة: ينبغي عليّ أن أذهب إلى غرفة حكمة الشامي فلربما أراه.

فراج: لا. إنه الآن هنا، لقد رأيته قبل لحظات يحوم في هذا المكان، أنا واثق من ذلك.

أبو حكمة: لست أدري.

فراج: لقد احتفظت له بكأس.

أبو حكمة: فراج، ولدي، كن عاقلاً.

"يضع فراج خده على الطاولة، ينكفىء كأسه، يحاول أبو حكمة أن يصلح من وضع الكأس".

فراج: لا فائدة يا عم. انكفأ الكأس وتبددت الخمرة.



- الساعة الثانية بعد الظهر-

ماراً بكل المقاهي والساحات على امتداد شارع الرشيد و"أبو نؤاس"، كان حكمة الشامي يرى الأشياء وكأنه يراها لأول مرة، وبنفس الطريقة التي تعامل فيها مع الحبل عندما كان على السرير مع المرأة التي هي أمه تعامل أيضاً مع أعمدة الكهرباء والصحف اليومية والنساء والرجال.

لقد ارتدى أنصع ملابسه وسرح شعره. أما حذاؤه فكان يلمع في شمس الأيام الأولى من الشتاء الجديد. ورغم أنه لم يكن يتوجه الى أي مكان محدد، إلا أنه كان يمر على الناس والنهر وكأنهم المكان الأوحد الذي اشتاق إليه ولم يكن يحمل معه إلا كتابين: "الحلاج" و "موت المسيح".



هامش (1)

بعد شهور من رحيل حكمة الشامي استلمت والدته الرسالة التالية من إحدى الفتيات:

"أمي العزيزة.. أنا فتاة عراقية، عرفت ابنك قبل ساعات من رحيله، كنت أسير وحيدة في الشارع، وعلى ضفة النهر شاهدت رجلاً يغسل وجهه بالماء الربيعي. في تلك اللحظة لم أكن أعرفه، غير أن التفاتة منه ناحيتي صعقتني. صعقني وجهه، وبقيت في مكاني فيما كان يتقدم نحوي مبتسماً فقادني من يدي إلى حيث ضفة النهر فجلست إلى جانبه دون أن أتكلم.

لم يطلب مني معرفة اسمي ولم أسأله أنا عن اسمه لكنه قال لي:

- اعذريني فأنت تشبهين أمي.

ولم أجبه. بقيت أتطلع إلى وجهه المتألق واتساع عينيه، وأستمع إلى نبرات صوته التي لا أعرف كيف أصفها.

- حسناً، اصمتي، فأنا أيضاً أصمت في الكلام. ولم أجبه، كان يلهو بالماء الذي أمامنا وينظر إليّ ثم إلى النهر والقوارب التي تعبر إلى جانب دجلة الآخر.

- أنا أحب السمك. هل رأيت سمكاً أخضر؟ وتحاملت على نفسي. كنت أفهمه بشكل غريب هذه المرة، ورغم أني لم أر سمكة خضراء فقد قلت:

- الآن فقط أحس أني مثل هذه السمكة.

- إنها هنا، في النهر، تشق طريقها ضد التيار، إلى الشمال. لكنها ستجد نفسها في الجنوب يوماً ما، إنها تعجبني لحدّ الضحك أحياناً.

وتوقف فجأة، وأخذ يحدق في عيني:

- أنت جميلة مثل أمي.

وأخذ أصابعي بين كفيه، ولم أمانع، وحدق فيَّ طويلاً، ورأيت دمعتين تسقطان على خديه، وكان جميلاً بشكل مدهش، رغم شحوب وجهه..".



هامش (2)

اعتادت أم حكمة الشامي أن تقرأ هذه الرسالة ورسالة حكمة الشامي إليها في أوقات متقاربة. غير أنها هذا اليوم، وبعد سنة من رحيله، وفيما كانت تهم بالخروج إلى السوق، سمعت هسيساً على جدران غرفته، وبدون أي إحساس بالخشية، دلفت إلى الغرفة:

- أمي أريد أن أنام طويلاً.

واقترب منها، ناعماً كالحلم، فأحاط كتفيها بذراعيه ثم قبلها ما بين عينيها فبكت المرأة، وقالت له إنه لم يزرها منذ شهور، وقد اشتاقت لسخونة شفتيه على خديها، فأخبرها أنه ما يزال يعاني حالات التطهر، وقد قبله الله قريباً منه، فازداد بكاء المرأة وقبلته في شفتيه ثم دست يدها في مفرق ظهره، فقال لها إنه بدأ يحس بالطهر الآن، فعلا نشيج أمه، والتصقت بظهره، وظلت هكذا فترة من الزمن، ولم تشعر إلا بانسيابه من جسدها بكل هدوء.

دعكت المرأة عينيها. أكانت تحلم حقاً؟ لكنها شعرت أن ثمة بللاً يرطب شفتها السفلى.

وتكومت على سريره الذي ترتبه كل يوم.



- الساعة السادسة مساءً-

حبل معلق في سقف الغرفة. جسد معلق من طرف الحبل الأسفل. رأس الجسد يطلّ بنصف إغماضة على جدران الغرفة، رائقاً، مبتسماً، هادئاً، و…

… لم يكن ذلك ليحتاج إلى أية دهشة.. إنه أمر حقيقي تماماً فان.

الأوراق، الرسائل تحت الوسادة، دخل: أبوه، الشرطة، وما يزال المكان نظيفاً حتى هذه الساعة.



- الساعة الآتية-

قالت حورية – وهي امرأة عاقر- إنها دخلت غرفة حكمة الشامي وجلست على سريره وظلت هناك عدة ساعات… وعندما حل الليل أحست هسيساً على جدران الغرفة، ورأته شفافاً وجميلاً، يهبط عليها ويجلس إلى جانبها.



قالت حورية – وهي امرأة عاقر- أخذت أصابع يديه، وكانت باردة فوضعتها على صدري فأحسست أن جسدي يشتعل، واصطكت ركبتاي من رعشات لم أذقها في حياتي، وأنا منطرحة على فراشه، وثمة بلل يرطب شفتي السفلى.

قالت حورية – وهي امرأة عاقر- ورغم أن زوجي لم يطأني منذ شهر فقد شعرت أن أحشائي بدأت تثمر.
 


1968
سجن الحلّة المركزي

 

رجوع




 

  بحث

Search Help
 
 

 

 

 

 

 
 
 
 
 

Copyright 2007, www.jumalami.com.

Powered and Designed by ENANA.COM