من قتل حكمة الشامي
 


1. التعريف الأول
قال أبوه، التقيت بأمه التي كانت تحلم به آنئذ، عند ضفة دجلة اليسرى التي تنساب بتعرج ابتداءً من جنوب الكوت ولم أكن أعرفها، كما أعرفها الآن، غير أنها قالت:

- ماء تريد أم لبناً؟
- واسمك يا ابنة العم؟

- فرحة

- والخرج هذا.. ما به؟

- سعد أبيعه للعذارى.. وحناء أحتفظ بها لمن يهبني ولداً.

قلت لها بعد أن كبر حكمة الشامي "بالمناسبة عزيزي القارئ فهذا الاسم قد لا يعني عندك شيئاً، إلا أنه يسير منذ عشرات السنين في شوارع المدينة، يبحث في قبور الموتى وبيده شمعة". والآن يا ابنة العم ها إن حكمة قد صار رجلاً فالزغب اسودّ على شفته العليا فهلاّ زوجناه. فقالت وهي تنتظر عودته على جواد – القاسم – إنها تخاف الكلام، فقد عاشت البارحة حلماً كريهاً لقد أحب حكمة الشامي "ونسة" ابنة صياد السمك الذي يجاورهم آنذاك، ولما دخل غرفتها جذبته خلفها وشدت ساعديه بضفائرها، ثم ذبحته من رقبته من خلف كما ذبحوا الحسين.

كان الحلم مخيفاً، قال أبوه، غير أنه لم يعره انتباهاً واستمر يحدّث زوجته الواقفة قرب خصّ النافذة تنتظر وليدها الذي غاب عندما عضته ونسة من لسانه فسال دمها حتى قلبه.

 

***



2. الصوت السرّي
باسم الذي به أؤمن، أتحدث. ما عندي لكم إلا الماضي أحكيه سطوراً، كفاجعة، عن رجل أحب امرأة وذاب فيها فكان جزاؤه القتل. طفلاً كان إلاّ أنه ليس كالأطفال، في جبينه غرة يهتدي بسناها المسافرون في تطواف الليالي الملأى بالزمهرير والحالوب. وهو الصادق في عشيرته الأمين لأهل بيته، أحبهم كما نفسه ورآهم كما رآها.

وفي رجولته المبكرة أحب كل الناس بموجب دين الحب الجديد، فلبس لبوس الرهبان وغدا كتاباً يقرأه الناس الذين يتساءلون عن هذا الدين الجديد.

اسمعوه من قبره الذي لا مكان له:

"ما عندي لكم إلا غصن زيتون وحبة قمح. الأرض أُمُّنا فلنخلص لها ما وسعنا الإخلاص. اتبعوني أقدم لكم السلام والحب".

يا قتلة حكمة الشامي أينما كنتم: قار على جباهكم يظل يزهر أزهار الموت والخوف، وستلد نساؤكم أولاد زنى في كل ليلة، ويجف ماء الحياة في ظهوركم.

يا عشيرة "ونسة": الفل في الطرفات يزهر كلما حل فيها أثر من خطى حكمة الشامي، وكلمات الحب تنمو أشجاراً باسقات تطاول أعناق السحاب في كل حارة قال فيها حكمة الشامي كلمته.

إني أحمل لكم نبأ: سيثور الماء الطوفان من تحت أبوابكم السرية، وستهجم عليكم الفئران ذات صباح، ثم تصبحون كالعهن المنفوش.
 

***



3. حفلة التأبين
أيها الرفاق ...

نجتمع اليوم من أجل حادث جلل. ففي هذا اليوم قبل سنة انتحر حكمة الشامي. كان مؤمناً عرف دين الحب.. (يتوقف الخطيب هنيهة فيحدث بين صفوف المستمعين هرج خفيف ثم يشتد وتتحول قاعة الاجتماع إلى صخب حاد.. أحد المستمعين يطلب الكلام).

في الليل أسمع الصوت السري يحذرنا من النتيجة المقبلة فنحن وعشيرة ونسة أبناء حارة واحدة، بل إننا نحن آل ونسة الحقيقيون، فهي قد تربت على ضوء أفكارنا وما كنا نلقنها من تعاليم الدين الجديد "تُسمع أصوات معارضة ومهددة.. إلا أن الرجل يستمر في كلمته".

سأضع المسألة أمامكم بشكل واضح: "ونسة" هي النتاج الفاضح لسلوكنا العقلي. هي النموذج الأفضل لنا. لقد قرأت ما قرأنا ثم تعلمت شيئاً توارثناه من السلف: أن نقول ما لا نبطن فمن هو القاتل إذن؟

"ينظر إلى المستمعين الذين بدأوا يهدأون ثم ينزع جبة رجل الدين التي يرتديها ويبدأ حديثه بهدوء":

كان فتاناً غير أننا قتلناه. جاء إلينا من أقاصي الجنوب وغرته مصباح منير أضاء ليلنا الموحش "وفجأة ينفجر غاضباً: أيها القتلة.. الصوت السري منذ سنة يتحدث لسكان الحارة أفما آن لكم أن تعفروا جباهكم بأوحال الأرض…؟ ها أنا أنزع ملابس الرهبنة.. فالويل لكم – "يخرج من بين صفوف الجالسين فيما هو ينزع ملابسه قطعة بعد أخرى..".

يكمل الخطيب كلمة التأبين…

ومات وهو على دين الأجداد. لم تقتله "ونسة" فهي راهبة الحب.

كانت ونسة تحبه بالطريقة التي سمحت لها أن تجعله ينتحر من أجلها.. اعرفوا هذه الحقيقة. لقد مات حكمة الشامي من أجلنا.. قولوا هذه الكلمات لكل الناس واجعلوا من موته قضية لكسبنا القادم.

"يصمت لحظة ثم يواصل حديثه":

هل من مقترحات؟


أصوات:

صوت (1): ماذا نقول لأنفسنا..؟

صوت (2): أقيموا له مسجداً هنا.

صوت (3) صار قضية.. صار قضية..!

صوت (4) اجمعوا ما كتب في كتاب.

صوت (5): آهم.. أنا.. آهم أقول.. آه.. يا حكمة الشامي.. يا.. آ…. آ…


صوت الخطيب: والآن لنمارس طقس البكاء المعتاد.

"يبدأ الصراخ والعويل"..

ويسمع الصوت السري يعلو فوق لجة البكاء الطقوسي:

"يجف ماء الحياة في ظهوركم.. والماء سيتحول إلى أحماض في حلوقكم.. أشجاركم لا تثمر.. ستفتح القبور السرية مغالقها ذات يوم وتتجه نحوكم..

أيها القتلة.. أيها القتلة..".
 

***



4. التعريف الثاني
منكوبة أنا منذ مولده الأول.. ثدياي ما عادا يشخبان إلا الدم والصديد وصوتي قد بحّ من الأنين.. كان ولدي الذي كنت أنتظر. بعت السعد والحناء والديرم من أجل أن أراه شاباً فقيهاً يظلل غربتي بفيء من حنانه.

قالت عرافة القرية يا فرحة ستلدين طفلاً يصلب على صليب من يحب.. تفقأ عيناه.. يقطع لسانه.. ثم يذبح من الرقبة كما ذبح أبو عبد الله، فقلت لها ها هو قد كبر الآن وصار رجلاً ورأيت أن ونسة ابنة الصياد تشد وثاقه بضفائرها الطويلة غير أنه كان يبتسم عندما أنهاه عنها، وظل يقول لي: الموت نهاية المسافة التي لا بد لي من قطعها مهما كان الثمن، وأريدك يا أماه أن تعرفي جيداً أن في ونسة شيطاناً طوله كطول الأفعى ينام معها في الليل على فراش واحد ويضاجعها في كل ليلة فصار دمها من مني ذلك الأفعى "هي جميلة وأنا أعرف ذلك يا ولدي" لها نعومة الأفعى وسر انسيابه ولا بد لي من تخليصها من سمها لا بد من قتل الأفعى الشيطان.

قالت العرافة: يا فرحة كوني عاقلة ما هو مكتوب لا يمكن أن يرد. إن معجزة ستحدث بعد سنين.. تقول النجوم إن الأفعى لكي يطرد من دم ونسة لا بد له من ضحية.

قال أبوه: الافعى ينام معها تحت جلدها وفي جوف عظامها ويضاجعها في الليل على فراش واحد فكيف يخلصها منه.

قال حكمة لونسة: في عيني انظري وهاك لساني امتصي منه دماً يقتل الأفعى الذي ستكونينه بعد سنين قليلة فقبلته من شفتيه ومصت لسانه فبدأ ينزف الدم حتى انهارت قواه. وبعدها شدت وثاقه بضفيرتها.

قالت العرافة: إن النجوم لا تكذب. الضحية هو حكمة الشامي وسيخرج رجال من قوم ونسة يكذبون الدين القديم ويقلبون الأرض سافلها عاليها وعندها ستكونين أُمّاً لنبي. وتظل ونسة تعانق الرجال بعد موت حكمة الشامي تمتص دماءهم وتأكل لحمهم حتى تموت في يوم ما على سريرها مع رجل.
 

***



5. النذير
القرية أرض خراب، واليوم هو ذكرى القتل والموت.. كان الرجال بعيون غير أنهم لا يبصرون.. وبآذان غير أنهم لا يسمعون. ومرت الأيام قاحلة ضنينة وجاء إلى العالم من يخلصه من عبوديته القديمة فمات على صليب من أحب.. أيها الذين تعرفون الجوانب الأخرى من هذه القضية طهروا نفوسكم وانقلبوا على تقاليد الدين المتوارث "وآن لخيل الله أن تركب" وآن للرهبنة أن تزول.
 

***


6. حوار غير منتهٍ.. في سوق الحارة

- من القاتل؟

- أريد أن أشرب حتى يتعتعني السكر.

- من القاتل…؟

- امرأتي ستلد طفلاً هذا المساء.

- من القاتل…؟

- …

- من…؟

- قوادة جديدة وفدت إلى الحي.

- من.

- ونسة تبيع جسدها..

- أريد أن أنام… تعبان… تعبان.

تختلط الأصوات، ورغم الضجة تظل السوق هادئة، وكانت الظهيرة تحتضر، وأم حكمة تكشف صدرها عند الشريعة، ووسط الأتربة والغبار وفد شحاذ إلى السوق، ووقف على دكة قرب دكان حلاق الحارة وصرخ:

- رأيته أمس على جواد القاسم يحمل رأسه المذبوح، فقال قل لقومي.

وهنا علت الضجة في السوق.

فصرخ بائع الباذنجان: أسود وعمامته خضراء.

وصاح بائع الرقّي: أحمر يا زرع ديالى.

فصاح الشحاذ: من القاتل؟

وقال رجل لمرافقه: دعنا من السوق ولنذهب إلى ونسة.

صرخ الشحاذ: من قتل حكمة الشامي؟

هدأت الضجة فجأة، بغير ما وعي، وكان الشحاذ على دكة دكان الحلاق يردد صارخاً:

من قتل حكمة الشامي؟

 


  1967
سجن الحلة المركزي

رجوع




 

  بحث

Search Help