اليشن
 

ابتدأ من نهاية الصحراء، حيث بنك اليشن(1)، ركض متعب المطرود في الزقاق (هو الشارع الرئيسي في المدينة) ماراً بدكاكين البقالة والحلاقة، رافعاً دشداشته حتى صدره، بينما كان الأطفال يركضون خلفه، مهللين صارخين، قاذفين الحجر والحصى على عجيزته.

وأمام بوابة المسجد وقف متعب المطرود رافعاً دشداشته حتى صدره، وهمَّ بالدخول، إلا أن أحد الشحاذين صرخ بوجهه:

- يا مجنون لا تدخل.

توقف متعب المطرود قليلاً، ثم نظر إلى الشحاذ، ونظر الى نفسه، ونظر كذلك إلى بوابة المسجد، وأغمض عينيه وبدأ بالصراخ.

قال شحاذ لزميله: يا ساتر.. متعب اليوم على غير عادته.

رد الآخر: أسكت. مد يدك لقد بدأ الناس يتجمعون.

تجمع الناس على صراخ متعب المطرود. تجمع الصغار أيضاً. الكبار تحلقوا حوله. الصغار ظلوا يرشقونه بالحجارة والحصى، لكنه ظل يصرخ. أحد الكبار تقدم إليه وأمسك به من رقبته:

- متعب.. لمَ تصرخ..؟
ظل متعب يصرخ.

لم يتعود الناس صراخاً من متعب إلا فيما ندر، فهذا الرجل الموصوم بالجنون والخرق هو الوحيد الذي لا يذهب الى مسجد المدينة فقد كان يرابط قرب بداية الصحراء. أما إذا مر في شوارعها فذلك يحدث مع الرفيق الذي تعودوا رؤيته معه باستمرار.

ظل متعب المطرود يصرخ: قيل وقتها إن الصراخ تحول الى خوار، وقيل أيضاً إن متعب المطرود دخل باب المسجد وهو يصرخ رافعاً دشداشته حتى صدره وقيل إن إمام المسجد استقبله بكل ود هذه المرة.

وضع متعب رأسه على فخذ الإمام بينما ظلت يداه تمسكان دشداشته بشراسة. وكان ظهره المسود يحتك بأرضية الباحة الوسخة، بينما ظهر عند باب المسجد راعي الجواد، فالتفت إليه الناس، إلا أنه تخطاهم جميعاً وتقدم الى حيث ينوح متعب.

اقترب منه ومس بأصابعه أضلاع متعب فارتفع رأس متعب بشيء من التوتر ثم نشر ذراعيه في الهواء وأحاط بهما جسد الراعي وصرخ كالمستغيث.

كان راعي الجواد يبكي أيضاً، وهو يحتضن جسد متعب المطرود. بعد لحظات صرخ إمام المسجد. كان يعول بصوت مسعور، وقذف بنفسه على الباحة الوسخة ثم قام وقصد المنبر المجلل بالسواد ونزع عمامته. وعند ذلك توجس الحاضرون شراً.

تجمعوا قرب المنبر، وبشكل فجائي اشتبكت أيديهم، ثم أخذت ترتفع لتلطم صدورهم فيما كانوا يبكون وصوت الإمام يعلن:

- يا أبناء (اليشن) لتحزن منا القلوب، فقد مات الجواد(2).
في تلك الأثناء دخلت سليمة فشقت صدرها أمام الإمام وبصقت على الناس، وصرخت:

- أنتم القتلة

هوامش:

(1) "اليشن": مدينة اكتشفتها في خرائطي الشخصية قبل أعوام، تقع جنوب محافظة ميسان. ومن الممكن ايجادها بسهولة اذا حاولتم اكتشاف خرائطكم الشخصية من دون خجل أو خوف. لقد عشقت هذه المدينة (ربما أنني اكتشفتها وحدي ودون مساعدتكم) فقد كنت أسافر اليها في السنة مرتين حيث أظل هناك بضعة أيام بين الأنقاض المهجورة، أنقب وأبحث دون تعب، حتى توصلت إلى معرفة المعلومات التالية:

- عدد سكانها (111) نسمة وبالتحديد أقول هناك (56) ذكراً و(55) أنثى.

- الناس متدينون بوجه عام فهم يؤمون المسجد كل يوم جمعة ويقيمون مواسم العزاء الدينية ويرأفون بالفقراء منهم.

- الوضع الاجتماعي يشوبه طابع المحافظة.

- الوضع الاقتصادي علاقات زراعية.

- الأدباء، الفنانون لا وجود لهم.

- هناك مبغى واحد.

- عاهرة واحدة.

- مجنون واحد.

- يديرها مجلس علماء لم تعرف الطريقة التي من خلالها تدار المدينة بعد ذلك، مدينة عادية ليس لها امتياز سوى أنها مدينة تقع عند نهاية الصحراء.

(2) الجواد:

استطعت أن أتوصل الى اكتشاف رأيين حول هذا الجواد، وهما إن بَدَوَا غير قابلين للتصديق، فهذا ليس ذنبي، ذلك لأنني كما تعلمون أرصد في هذه القصة مدينة "اليشن" وفقاً لما رأيته واكتشفته.

مع هذا الجواد: - صدقوني.. إنه جواد حقيقي، حرت أكثر من مرة، وأمام الأوراق والحكايات والألواح عشت أشهراً كاملة وأنا أمضي كل وقتي لمعرفتها، إذ إني بواسطتها، أي بواسطة هوية الأوراق خاصة كما تعلمون، أستطيع أن أحدد سلالة هذا الجواد، وبذلك يتسنى لي معرفة المدينة بصورة مكشوفة. ولنقرب المسألة أكثر إلى الذهن أقول: لو أني عرفت هوية الجواد لتمكنت بعد ذلك من معرفة سلالته، بالتالي عصره، وعندما أتوصل إلى هذا كله، فإني، أتصوره: - أي إنني أحاول أن أكون واحداً من سكان مدينة اليشن.

لكن هذا مع أسفي الشديد لم يحدث كلية، وأشعر أن بعضكم بدأ يلومني لهذا السرد.. حسناً أيها القراء الأعزاء كفوا عن غلوائكم بعض الشيء.. ولكن قبل هذا وغيره أغمضوا أعينكم وحاولوا تصور الجواد مثلي:

الوصف:

(غرة بيضاء على جبهته يهتدي بسناها المسافرون في ليل البرد والحالوب). صدره أبيض، ويمتد هذا اللون حتى يصل إلى شفته السفلى. وابتداءً من نهاية الغرة البيضاء التي على جبهته يسيح لون بنفسجي هادىء ينتشر على ظهره وبطنه وأوائل فخذيه وذيله، مع بعض البقع السوداء في جانبي خاصرتيه.. وتميل هذه البقع الى السواد الحالك عندما تتكاثر في عرفه.

أما عيناه فسوداوان.. ويقال إنهما كانتا واسعتين مع حور واضح.

المنشأ:

1- ذهب الشيخ حامد الفرهاد للصيد في صحراء المدينة ذات يوم، وصاحبته زوجته "مضرية" ووزيره "هامل المعيوف" مع عدد قليل من الحشم.

قال الراوي: ولما قنص القوم كثيراً من الغزلان عادوا إلى معسكرهم، فأمر الشيخ باشعال النيران في ساحة المعسكر، وتهيئة مقصف خاص بهذه الرحلة، والعناية بجواده.

في الليل جلس الشيخ وإلى يمينه جلست زوجته، بينما جلس وزيره إلى يساره مبتعداً عنهما قليلاً. وبدأ الغناء والقصف والطرب فدبت الخمرة في الرؤوس وبانت واضحة الآثار على وجه "مضرية" الجميل. وبعد سويعات تثاقلت عينا الشيخ حامد الفرهاد وبدأت ساقاه بالفتور والإعياء، بينما وزيره هامل المعيوف ينظر اليه بكل غبطة، ويرسل طرفه الى (مضرية) بكل حيطة.

سكر الشيخ..

سكر المرافقون..

إلا "مضرية".. وهامل المعيوف.. وجواد الشيخ.

بعد ذلك أخذت "مضرية" تنظر الى وزير الشيخ بمعنى تعارفا عليه منذ زمن فاستل خنجره باليمنى، واحتوى رأس الشيخ باليسرى ومرر النصل الحاد على رقبة الشيخ حامد الفرهاد، فيما كانت (مضرية) تدير خمراً قانياً على الرقبة الذبيحة وتصيح منتشية:

"صار الملك لي.. صار الملك لي".

قال الراوي: أخذت مضرية تنظر في عيني وزيرها.. تقدمت منه.. أخذته إليها، وبهدوء تام سحبت جسدها منه وسارت الى خيمتها فتبعها الوزير.

وفي صباح اليوم التالي سمع مرافقو الشيخ صرخة عالية صادرة من خيمة مضرية:

واعزيزاه..

فهم الناس الأمر، لبسوا السواد، وارتحلوا غير أنهم لم يجدوا جواد الشيخ.. فقط شاهدوا آثاره تتجه إلى عمق الصحراء.

(ما فاتك من دهاء النساء)

- كتاب مخطوط في المدينة-

2- "في عام من أعوام القحط أغارت إحدى القبائل البربرية على مدينة اليشن، فقتلت من الناس كثيراً ورمتهم في المستنقعات القريبة من نهاية الصحراء. ورغم أن القصص والحكايات كثيرة حول تلك الغارة، إلا أن واحدة منها تتصل بنبوءة يعرفها جيداً مجلس العلماء، تقول النبوءة: سيهاجم البرابرة مدينتنا. سيقطعون الحرث، يخصون الرجال، ويقطعون أرحام النساء، وفي يوم معين من سنة قادمة سيدخل جواد الى مدينتنا، وسيظل بيننا فترة من الزمن. سيحبه الرجال والنساء، الصغار والكبار، لكنه سيذهب يوماً ما إلى الصحراء ويموت في طرف من أطرافها. هذا الجواد أصله واحد من ضحايا البرابرة: إنه ذلك الرجل المعروف في المدينة، الذي طعن في قلبه كثيراً، ولم يستسلم ليموت، وعندما يأخذه الجلاد ليدفن مع أبناء شعبه الآخرين في صحراء المدينة، يقوم من موته ويركض في الصحراء، فيصاب الجلاد بمرض خبيث في عقله ويهيم في الصحراء على وجهه ويبدأ بالتحجر ابتداءً من أخمص قدميه.

وفي هذه الأثناء يتحول الرجل المعروف المطعون في قلبه إلى جواد ويظل يركض في الصحراء دهوراً عديدة ثم يعود الى المدينة القديمة… فإذا رأى الناس لم يتغيروا بعد فإنه سيموت في طرف من أطراف الصحراء.

يا أبناء مدينة اليشن: احذروا موت الجواد".

- من رسالة مطولة وجدت لدى إمام المسجد-

3- سليمة:

كبرى العاهرات الخمس، وفدت إلى المدينة بصورة خفية. قال الناس في المدينة أول الأمر إنها جاءت من الصحراء. ولدتها الصحراء بهذا الشكل الدامي الذي تتحدث بواسطته. ويقول تقرير وجد لدى إمام المسجد ما يلي: "يعتقد مجلس العلماء في المدينة أن سليمة- التي لا نعرف اسم والدها – تتحدث بشكل دامٍ، رهيبة في سلوكها. لا تعرف الرحمة. اتصلت بنساء المدينة في أوقات متفاوتة وعرضت عليهن تنظيم أنفسهن باتحاد خاص برنامجه الأساس: حرية المرأة دون الاهتمام بما يقوله الرجال وعلماء الدين.

ويعتقد مجلس العلماء أن سليمة استطاعت أن توقع في حبائلها بصورة معروفة أربع نساء فقط، إلا أن الهمس الذي يدور في المدينة ويصل الينا يقول بأن نساء المدينة برمتهن يتعاطفن معها.. لذلك نؤيد، وبكل قسوة، تدمير هذه المرأة".

ولقد استطعت أن أعرف مؤخراً أن سليمة كانت لا تسب متعب المطرود وتأتي مراراً بالطعام للجواد، وقيل إنه كان لا يخافها ويظل أمامها صامتاً خجلاً على عكس ما كان يفعله عندما يقدم اليه أعضاء مجلس العلماء العلف والحنطة فقد كان لا يقرب منه.

بيد أن أهم شيء عرفته مؤخراً أنها الوحيدة التي لم تسلم نفسها لأي رجل برغم أنها كانت توصم بالعهر.

 


1972
بغداد
 

رجوع




 

  بحث

Search Help
 
 

 

 

 

 

 
 
 
 
 

Copyright 2007, www.jumalami.com.

Powered and Designed by ENANA.COM