ابراهيم العربي
 


(1) ماجي العجوز
بعد الساعة الثانية عشرة تجيء الساعة الواحدة.

وأتمت العجوز ماجي كل شيء. أنزلت ستائر حانة الأندلس بعد إغلاق النوافذ جيداً وجمعت قناني العرق والبيرة الفارغة، ووضعتها كما تعودت في علبة كارتونية زرقاء تشغل الزاوية اليسرى من الرف الأيمن الذي يحاذي عجيزتها عندما تنظر الى رواد الحانة.

أما مكيال العرق فقد أضجعته بهدوء على مستطيل زجاجي أحمر اللون يجاور الآلة الحاسبة التي ينتصب إلى شمالها الشرقي صندوق أسمر اللون فوقه تماماً علقت أيقونة شرقية لم يمسح عنها التراب منذ زمن بعيد كما يبدو، تمثل أم الرب تحتضن المخلص الذي كان يبتسم حزيناً في وجوه رواد حانة الأندلس باستمرار.

التفتت اليه.

وكان لا يزال ينظر الى الطاولة، وحيداً، حيث ينتصب بطل (الزنزانو) وتنتشر بضع حبات من زيتون على طبق صغير مائل الى الصفرة، وحيث علبة السكاير التي لم تنته بعد.

وكانت العجوز ماجي، كما تعودت، ما تزال تذكره بعينيه العسليتين، الواسعتين قليلاً، وشعره المائل إلى الاحمرار، كما تذكرت أيضاً، وفي هذه اللحظة بالذات، سترته العسكرية، وشاربيه الزغب.

- ابراهيم.. تشرب؟
وكانت تعرف كذلك أنه لم يكن سكران، بل كان يشرب فقط، وكانت تغضب للنظرات الفضولية والمتشككة التي يرميه بها رواد حانة الأندلس. وطوال الأشهر الثلاثة الأخيرة، كانت ترد الشائعات التي تتقول بها نساء الحارة ضده، فحلفت لهن بقلب العذراء الطاهر أن ابراهيم العربي رجل طيب، وقالت إنها صلت من أجله الأحد الفائت ونذرت شمعتين للعذراء إذا شفي من سكوته المستمر وشروده الدائم.

وقد عارضها شيوخ الأثوريين في الحي الثاني من حارة العرب حيث "الأندلس" هناك، على طيبتها وثقتها بإبراهيم وأخبروها بأن ابناءهم المسجونين في "نقرة السلمان" أعلموهم بلقاءات ابراهيم العربي بالشيطان الأزرق الذي كان يعوي خلف سور السجن كل ليلة. وكانت العجوز ماجي تكذبهم دوماً، فقد كانت تتذكر ابتسامته الخجولة.

وابتسم لها:

- سأذهب.
وجلست اليه: بعد ست سنوات يعود ابراهيم العربي إلى ماجي وحانة الأندلس فيجد كل شيء ظل في مكانه. الحانة هي الحانة: نفس العرق، نفس الأيقونة، إلا العجوز فقد كبرت كثيراً، ابيضّ شعرها وازدادت وضوحاً مسحة حزن غامضة في عينيها. ثم وضعت كفها فوق كتفه.

أنت تأبان.. ابراهيم!

ينظر اليها، يبتسم، يضغط بكفه اليمنى على كفها اليسرى ثم يشرب ما بقي في كأسه، وينهض باتجاه باب الحانة، فرسمت العجوز الصليب على صدرها.

(2) الهجرة

على جواد أدهم اخترق المأمون مدينة خراسان، وكان خلفه - قال المؤرخون العرب المنصفون والثقات حقّاً- ستمائة من العبيد الأفارقة وستمائة من العبيد الصقالية وستمائة من المحضيات جيء بهن من جزر الواق واق وبلاد كشغر وبخارى، فهرب الناس -قال الراوي- إلا الطفل، ابن الثامنة، الذي يتذكره الآن ابراهيم العربي بكل وضوح: فقد ظل في مكانه، ينظر إلى الخليفة، وفي يده كعاب خروف، وقال - يبتسم ابراهيم العربي بنشوة - على فرس الملك أن تمر وأنا ألعب، فالدرب واسع جداً لفرس ولخليفة، إنما لكعابي فلا، وأعرف أن الباز الذي يقف فوق رأس العبد الثاني سيطير بعد مشي فرسخين ويصطاد سمكاً من بحر الظلمات.

وازدادت نشوة ابراهيم العربي عندما وضع الكعاب في دائرة اللعب، ومرت خيول المأمون من قربها ولم تدسها، (كيف يقدر على ذلك يا ابراهيم ؟) وقال ابراهيم للصبي لا بد أنه لا يعرف أنك محمد الجواد ابن السلطان علي بن موسى الرضا بن الكاظم الذي مات وحيداً، على جسر من جسور بغداد، بعد أن كان منفياً في سجن من سجون الرشيد الصحراوية.

قال شيوخ الأثوريين إن ماجي العجوز حزنت عندما علمت أن ابراهيم العربي سجين في صحراء السلمان. وقالوا إنها أنزلت صورة "الزعيم" من غرفة زينتها ووضعت مكانها نعلاً لقوادة أرمنية معروفة.

(3) أحزان النبوءات الجديدة

لست أنا. ليس ابراهيم العربي. وليست ماجي العجوز.

عدت من الهجرة،

كانت تبكي وتصلب الصليب على قلبها (آه يا ماجي) وكنا نبكي حتى في أغانينا. وعلى امتداد السور كان عريف من الجنوب يذكرني بأحداث وأحاديث الرجال الذين يقبعون الآن، في هذه اللحظة بالذات، داخل مقهى ينتسب إلى الضفة اليسرى من دجلة.

وكان الوقت شتاءً.

قال الأول: المراوح ساكنة.

قال الثاني: العالم مضطرب وأنا خارجه. يجب تدميره، هذا هو الشرف الحقيقي.

قال (س): أما الموت فلا أقبله.

قال الثاني: سأدرس ثورة الصين من جديد.

قال (س) لماذا تنفق النظريات مثل الخيول الهرمة تماماً؟

قال الأول: أية اضطرابات ستزهر مع الموت؟

الموت: صرخ ابراهيم العربي بعد أن تناول زرقة المخدر، في الردهة السابعة، يحضر مع المواجهة الشهرية، وينام في مراحيض السجن، ثم يكبر في أذهان من يجيدون لعب الطاولة والدومينو، أما التغير، فإنه يموت في أسنان، الذين درسوا الفصول خارج حركتها.

بعد ذلك ضجر العربي.

وفي المقهى التي تنتسب إلى الضفة اليسرى من دجلة كان النقاش، الكلام، الصوت، لا يهدأ:

- اسمعوا: سأنحت تمثالاً بنقوش ونياشين جنرال. نعم. جنرال وادع هرة بيضاء أو مرقطة، لا فرق، تطل من كمه على جمهور كبير أغلبه من الفلاحين.

-: هذا فن ثوري.

-: لا. هذا لا يفهمه الفنانون المحترفون.

-: الاحتراف، في الفن والأدب قوادة.

الله، قفز ابراهيم العربي من مربضه السجني، عندما كان يحاول أن يفهم بول نيزان من خلال تروتسكي وقال: أية مؤامرات، أية لغة، أية طبقات. ولكن لا حلَّ فيما يبدو – قال العربي لجملة في كتاب – سوى الذهاب الى مكة وضرب "القداح" على نبي جديد.

نبي جديد. نعم.. ولمَ لا؟

ويشعر ابراهيم العربي بالفخر، فالنبوءات الجديدة حزينة، ملتاعة في وهج الشمس، وغائبة في القراءات الاسطورية، ومقهورة في لهاث الليل إذ يغطي السجناء أجسادهم بالبطانيات السوداء.

قام من مكانه، والتقى مع الصباح الذي فضض الجدران ومسح شيئاً من حزن الردهة السابعة في سجن الحلة المركزي.


(4) الهجرة

وقف ابراهيم العربي قريباً من نصب "الحرية" وكان الصباح الجميل قد أيقظ الشحاذين، والجنود، والعاملات، وبعض الموظفين، ولم ينهض أحد في سجن الحلة المركزي، كان السجناء قد ناموا بعد أن تناولوا حساء الصباح.

وفجأة أخذت تماثيل النصب تترك مواقعها وتذهب إلى العربات الصغيرة، حيث يقف الجنود والعمال والشحاذون والباعة الصغار، فالتقط ابراهيم العربي أنفاسه من الدهشة، ورأى الناس يقبلون على التماثيل ويقدمون لها شاي الصباح.

اتخذ خطوتين باتجاه الجمهور المتحمس لصداقة التماثيل، لكنه فضل الاستيقاظ أكثر. كان الناس قد ركبوا سيارات عسكرية، وصدحت أهزوجة وسمعت إطلاقة، فاستدار العربي فجأة الى النصب، فلم يجد إلا كفاً معروقة، في منتصفه تماماً، تستطيل وتستطيل.

وإذ ذاك اتخذ أكثر من خطوة، والتحق مرة أخرى، بالشحاذين والجنود والعمال، الذين كانوا يملأون شوارع بغداد في ذلك اليوم.

 


حزيران 1968
بغداد
 

رجوع




 

  بحث

Search Help
 
 

 

 

 

 

 
 
 
 
 

Copyright 2007, www.jumalami.com.

Powered and Designed by ENANA.COM