امرأة في خطوات رجل قتيل

 


في جو الغرفة المشحونة بالهمس ووجيب القلوب التعبى، كان الليل يستطيل ويستطيل، وهي كقطة حذرة تمتد لصقي، وأنا رجل أبحث عن الخلاص في المتاعب ومحاسبة التاريخ. أنا رجل أنهكني الجري والتطواف في مفازات الصحارى فلجأت إلى غرفة في طرف من أطراف مدينة الخوف والعذاب أبيع الحب والتجربة للناس وللدود ولسريري. قلت إنها ممددة لصقي ولا شيء أعرفه عنها. كل ما أذكره أنني رأيت وجهها عندما كنت أحارب بسيف عبد الرحمن الداخل، وأمتطي جواداً عربياً تهزأ أعرافه بالويل والعاصفات.

أغمضت – الآن- عينيها فبدت كالنائمة، غير أني أعرف أنها لا يمكن أن تنام، فمنذ أيام وهي تراقبني بطريقة الأسئلة. أردت أن أخبرها بعذاب الليالي الموغلة في جذور القضية، لكني صمت في النهاية فقد كنت أعرف –الآن- أية حالة تتلبسها.

فتحت جفنيها وحركت عنقها الحلو.. فبانت كم هي مشتهاة..!

- لم تنم؟

- كانت الحكاية بسيطة جداً. لقد أردت.. هكذا..

- كنت أفكر: الإنسان ما يود.

- وما كان مني إلا أن لويت عنان الجواد. وعادوا إلى حائط مبكاهم. كانوا فلاحين..

- التفكير.. حسنة.. على ما أظن..

- لم أفكر بهم.. كانت التفاحات في أعلى الشجرة.. والشجرة بها سوس.. من الداخل.. من الداخل.. من.. آخ.

- قلت في نفسي.. إنه ما زال يفكر بي.

- لقد أخطأوا.. والشجرة ظلت بلا لحاء.. آه.. إني مريض.

لاحظت.. العمل الخاطىء يولد من التفكير الخاطىء..

لم أكن أدري متى أطبقت جفنيها.. ولما رأيت إليها وجدتها نائمة.. وكانت شفتاها منفرجتين قليلاً وثمة التماع أقحواني يزهر على شفتها السفلى: فكم كانت مشتهاة!

وكان الليل يستطيل ويستطيل ويتلوى ويمتد كنفق طويل بلا بداية ولا نهاية، والأسئلة بديل لعهود الصمت والإذعان.. فأي موت ينتظرني على الطرقات؟ والجواد العربي الأصيل نفق مع من نفق من الحمير والبغال والخيل مع أول موجة وافدة من وباء داء الخيل حطت رحالها قرب أسوار بغداد أخيراً.. فأي موت ينتظر الفرسان على الطرقات؟

أما السيف فقد عمل عمله ثم طلب الراحة وقال لي وهو يلهث من الإعياء والأسى.. أنت محارب غير مغلول اليدين بأصفاد كافرة فهبني للبحر.. وقفت على الساحل.. كان السيف يبكي بصوت جريح عندما سقط في الماء.. فأي حزن يتركه فيكم غرق السيوف..؟

وكانت تسألني إذ يقبل الليل:

- أكنت تكلم السيوف؟

- قال السيف.. إن الخطأ.. الخطأ.

- حرفة حلوة.. كلام السيوف!

- ولم تعد أية جدوى للأسف.. فالموت اقترب.. والمسألة أقرب من حبل الوريد..

كانت تنام بلا حركة، إلا أنها ظلت في اتقاد حاد بان في دائرتي حدقتيها السوداوين، فالموت المزروع على الارصفة يجعلها تبحث عندي عن سيف جديد.. ولأني لا أعرف الأوهام.. أتعلق بنفسي فقط وأهجر التاريخ والمسافة.. أما هي فلا تعرف سوى كلمات الوعود وليس الذنب ذنبها فقد برئت كامرأة عاهرة.

- قل لي.. أتكره فرسان الداخل؟

- الموت اقترب..

- لكنهم طيبون!

- الموت هو النهاية.. من لي بالسيف أكلمه.. الشجرة..

- عدني!

- حتى نفسي سأهجرها.. ما الفارس وثيقة!

واستمرت تنام بلا حركة، وأنا رجل أبحث عن رهط عبد الرحمن الداخل.. فالرجل غرق في الفرات مع الكتب التي صبغت ألوان بيتنا بعفونة المرض.. أما الرهط فقد ظل يدور في مكاتب المدينة المهجورة، ولما لم يجد غير الدود عاد الى حانات المدينة وشرب الكحول المغشوشة.

لكن السيف الذي انتحر والمهر الذي نفق يثيران في نفسي بعض الأسئلة:

- قولي لي.. لو أنك أنا.. ما تعملين؟

- أجرِّب..

- وإذا وجدت أنك في زقاق مسدود؟

- أجرِّب أيضاً!

- وإذا قتلتك التجربة؟

- قد.. قد..

- حسناً كفى..

كانت نائمة والغضب ينضح من وجهها فعلمت أنها تعاني تمزقاً حاداً:

- كلمي عقلك وقلبك..

لم تجب.. عضت شفتها السفلى.. ثم التوت قليلاً فلكزني ثديها وشعرت بحرارة امرأة شهية..

- أتحبني؟

- أنا أبحث عن الخلاص في المتاعب.. والحب متاعب..

- أنا متعبة..

- أنا متعب..

- أحبك.. وأحب فرسان الداخل وثيقة الانصاف: أتذكرها؟

- تستطيعين أن تكوني أي شيء عندما تتصرفين كذلك.. أنا لا أعظ.

- قبلني.. قبلني.

ويتناثر الأقحوان عند تبادل الرضاب، فأية متاعب هذه، وتحمحم طوال مفرق ظهري الجياد. ويشيلني الصهيل، وفي عينيها أرى أفقاً ممتداً تخب خيول الداخل فوق سهوبه والراية تملأ فضاء الفرات: لكنك يا من تبحثين عن نفسك عندي.. لقد طلقت الأمجاد والنياشين والتاريخ وعشت أبحث عن المتاعب في الليل والبرد، فدعيني: السيف انتحر.. والمهر نفق.. فما قيمة المحارب بلا سيف أو جواد؟

- اشتر سيفاً؟

- الحدادون يزيفون والسيف الحقيقي في الداخل.. في البحر.

- وجواداً عربياً أصيلاً؟

- نفقت الجياد.. في البحر الجياد تنام.. وعبد الرحمن فقد زيَّه العربي.. غرق في البحر.. سافر في الموجة المتجددة إلى الداخل..

- أتقول الجد؟

- ومتى هزلت؟

- بعض الأحيان!

بعض الأحيان أهزل لدرجة الجد فأي ضرر في هذا يا جلداً مزقه الليل والرجال.. أيكون الضجيج مع اسوداد الشوارع بلا فائدة لا.. فثمة في الطريق والمفازات الصحراوية من يتربص بالضحية، في أية لحظة.. ها أنت مغمضة العينين ترينهم وقد حاكموا صاحب السيف المنتحر والمهر الذي نفق.


قال الأول..

- لماذا تركت السيف يغرق؟
كل السيوف خشب إلا سيفه فهو المعدن المعدن وبه سر الانتصار، وعندما لم يقرأه أحد منهم فضلت الذهاب معه الى الداخل. الى البحر..

قال الثاني..

- المهر.. لقد قتلته!
كان مهري وبه قهرت المسافة التي أقرب من حبل الوريد، فكيف أقتله أيها المرابون.. لقد غرق في الفرات.. وعاش الداخل – البحر.

قال الثالث..

لقد أغرقت السيف.. وقتلت المهر.. دافع عن نفسك!

……………………………….

……………………………….

……………………………….


الداخل – البحر.

صرخ الأول – قرار الحكم…

باسم الداخل ومهره وسيفه نحكم عليك بالإعدام.

تفه.. المخلص مات في غثاء التخريجات العفوية، فما جدوى البكاء أيها المعزون؟ قوموا الى قبره وامضوا مناحات المواسم وعندها يكون موتكم محنطاً في أقرب متحف.

وكانت نائمة كقطة مهادنة هذه المرة. مغمضة العينين، يظلل هدباها وجنتيها المحمرتين جراء النشوة. وكنت أحاكم النفس والتأريخ عندما سمعت قرار الحكم، وشعرت بها تزفر بحرقة، أدرت وجهي اليها:

- حكمي عقلك وقلبك.

- القلب عندك.. والعقل عند الفرسان.

- لا يهم…

- لكني أتمزق..

- ليس عندي أي شرط.

- لكن الحب شرط..

- كانت البداية، بداية الخطأ، وقوع الفرسان تحت انحراف الخطوط…

- أحبك!

وأنت تعلمين أني كذلك أحبك، فاتركي حذر القطط، ومزقي ورقة الانصاف من البغاء واطلّي على العالم بعنف أنوثتك وطغيانها، فلقد كان التبرير بداية استعباد جديدة.

- عليّ أن أختارك.

- قولي شيئاً آخر.

- إني أتعذب..

- هذا هو الطريق.

- هكذا قالوا هم أيضاً!

- المهم.. الكلمة- الفعل..

- أنت تحبهم!

- الموت قرب.. والمسافة أقرب.. البحر أهدأ وأعنف.

- لكنهم يكرهونك.

- السيف مات.. المهر مات.. البحر في الداخل..

- جيادهم هرمة!

- كل السيوف خشب.. إلا سيفه الوعد!

ها أنت تقتربين الآن.. لحظات، وتعرفين معنى محاسبة النفس والتاريخ. لا ضرر في هذا صدقوني.. فلست أبحث الآن إلا عن الأسراب المهاجرة الى حيث البحر والموت غير المحقق..

 


1966
سجن الحلة المركزي
 

رجوع




 

  بحث

Search Help
 
 

 

 

 

 

 
 
 
 
 

Copyright 2007, www.jumalami.com.

Powered and Designed by ENANA.COM